Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الطاقة تتحول إلى مادة بفضل اختراق علمي تاريخي

تجربة أولى عن تبادل بين شكلين للوجود وفق نظريتي النسبية والكمومية

ينكب العلماء منذ عقود على محاولة فهم ظهور المادة من تدفقات الطاقة عقب لحظة بيغ بانغ (ناسا)

"تمخض الجبل فولد فأراً". لنعدل العبارة قليلاً. لنقل "تمخض جبلان للطاقة فولدت منهما مادة"، ولنضف بسرعة أن تلك الولادة جرت في غيبة أي مكون لأي مادة فيزيائية!

واستطراداً، أربك ذلك الغياب المادي حتى بعض المواقع العلمية الغربية المتخصصة، إذ يدور الخبر الذي تناقلته أخيراً مجموعة من المواقع الإعلامية العامة والعلمية، على غرار "أم أس إن" و"نيوز إن سي آر" و"هيد توبكس" وغيرها، عن تجربة نهض بها فريق علمي في "جامعة مانشستر" استطاع أن يستولد مادة من طاقة صرفة، إذ استخدم الفريق حقلين كهرومغناطيسيين فائقي القوة وأحدث تداخلاً بينهما أدى إلى ولادة مادة، بالأحرى، جسيمات مادية من النوع الذي تشكلت منه المكونات التي تصنع المكونات الأساسية للذرة ونواتها.

وكذلك لم تتوان المواقع التي تداولت الخبر عن تبيان أن التجربة تشكل اختراقاً علمياً هائلاً. فللمرة الأولى، يستطيع البشر أن يصنعوا بأنفسهم هذا التبادل بين الطاقة والمادة في اتجاه تحول الطاقة إلى مادة. بديهي التذكير بأن تحول المادة إلى طاقة أمر شائع منذ فجر التاريخ البشري. وقد اقتضى تطور الحضارة الإنسانية أن يسير أشواطاً هائلة قبل أن يتبلور مفهوم التبادل بين الطاقة والمادة في الفيزياء الحديثة، خصوصاً مع نظرية النسبية لألبرت أينشتاين والنظرية الكمومية في الفيزياء التي ظهرت على يد مجموعة من العلماء ضمت في صفوفها ماكس بلانك وإيرفنغ شرودنغر وجوليان شوينغر وورنر هايزنبرغ وسواهم [سار معهم أينشتاين فترة، ثم هجرهم].

ماذا يعني ذلك؟ بتبسيط يتضمن كل أنواع الخلل التي لا مهرب منها، أن الطاقة أيضاً يمكنها أن تتحول إلى مادة، أي أن هناك نوعاً من التكافؤ والتبادل بين هذين الشكلين من الوجود.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لقد ظهر ذلك المفهوم منذ ما يزيد على سبعة عقود، لكن كمقولة علمية نظرية. مع تبلور نظرية الـ"بيغ بانغ" وأشياء كثيرة أخرى بالطبع، أخذ العلماء يتحدثون بثقة أكبر عن تبادل المادة والطاقة. وبات شائعاً القول إن ذلك الأمر يحدث في الكون الشاسع، بل إنه حدث عند ولادة الكون في لحظة الـ"بيغ بانغ"، إذ بات الرأي العلمي يأخذ بأن لحظة "الانفجار العظيم" ترافقت مع تدفق طاقة هائلة، ما لبثت أن شرعت في "البرودة" شيئاً فشيئاً، بالترافق مع تحول الطاقة إلى مكونات أبرزها المادة والمادة المضادة. [بات شائعاً أيضاً أن اصطدام المادة بالمادة المضادة يؤدي إلى ولادة دفق هائل من الطاقة].

بين الكمومية وفلسفة هايدغر

في تجربة "جامعة مانشستر" التي جرت في يناير (كانون ثاني) 2022 واستكمل تدقيقها ونشرها خلال سبتمبر (أيلول) الحالي، اشتغل العلماء على مادة الغرافين. وتتألف تلك المادة من ارتصافات تشبه خلايا النحل من ذرات الكربون. ويتميز الكربون بأنه مادة شديدة الاستقرار، مما يعني أن التأثير في ذراته أو نواته، يستلزم استعمال حقول طاقة شديدة القوة.

وفي سياق عمل علمي متعدد الأبعاد على مادة الغرافين، جرب فريق "جامعة مانشستر" إحداث تداخل بين حقلين كهرومغناطيسيين فائقي القوة. وفي وصف تقني مبسط، أدى ذلك إلى ظهور حقل كهرومغناطيسي كمومي، تضمن جسيمات من المادة والمادة المضادة اللتين تعتبران أساس تَكَوُّنْ كل أنواع المادة في كل الكون الذي نعرفه.

استطراداً، قد يروق لبعضهم استحضار مقولات من الفلسفة القديمة كـ"لا يأتي شيء من العدم، ولا ينعدم شيء موجود"، لدى التأمل في هذه التجربة العلمية الفريدة. لطالما أمكن التثبت من أن الأشياء الموجودة لا تنعدم، بل تتبدل، وقد يحدث تبادل بين المادة والطاقة، وكلتاهما من أشكال الوجود.

ربما يضحك بعض المهتمين بالفلسفة قليلاً من الكلمات السابقة، إذا استحضروا في خيالهم تلك السخرية الهائلة التي رافقت مقولات الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر عن مسألة الوجود. في مطلع كتابه الذائع الصيت "الكينونة والزمن"، هناك سخرية عميقة ومريرة من أن الفلاسفة دأبوا، منذ بداية مشروع الحداثة الكبير، على أخذ الوجود كمسلمة بديهية. وقد تحداهم هايدغر بأن يعودوا مرة أخرى إلى التفكير بالفلسفة الأساسية، وتقصي السؤال عما يعنيه عقل الإنسان حينما يتحدث عن شيء ما، فيصفه بأنه موجود!