بعد 6 سنوات على ثورة يونيو... أعلام مصر تهيمن على الشوارع

احتفالات عزل الإخوان بالإرادة الشعبية تتزامن مع هتافات تعلو تشجيعا للمنتخب في مباراة أوغندا

أعلام مصر ترفرف بشوارع العاصمة في الذكرى السادسة لثورة 30 يونيو (حسام علي. إندبندنت عربية)

هي الشوارع المتخمة بالمارة والسيارات نفسها. وهو الطقس الخانق الملبد بالرطوبة ذاته. وهي الوجوه التي لم تتغير، أو على الأقل بعضها. وهي الحماسة ذاتها، أو فلنقل جانباً منها. مضت ستة أعوام في لمح البصر. تغيرت أنظمة، وترسخت أخرى. نشأت تحالفات، وتبخرت ائتلافات. بزغ نجم شخصيات، واحترقت أخرى عن آخرها. وبينما يظن البعض أن الحماسة قد فترت، وأن الوطنية قد خمدت، وأن الاهتمام بالشأن العام قد هدأ، تحل ذكرى 30 يونيو (حزيران) لتعاود الأعلام ارتفاعها، ويسترد الهتاف حماسه، وتعود الجماهير إلى التلاحم والوقوف على قلب غاية واحدة ألا وهي نصرة البلاد إنقاذ العباد.

البلاد والعباد ومعهم الشوارع والجدران والمحال والمقاهي والخبراء والمحللون وأيضاً رجال الأمن والمرور وعدد غير قليل من وسائل الإعلام والمؤثرون والمؤثرات على مواقع التواصل الاجتماعي جميعهم اليوم في حالة استنفار، تماماً كما كانوا قبل ست سنوات بالتمام والكمال.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إجازة رسمية

إطار المشهد واحد، لكن مكوناته مختلفة. الشوارع اليوم شبه خالية، فاليوم إجازة رسمية. لكن تكتلات بشرية وجحافل مصرية من جميع الأعمار متكتلة هنا وهناك. شاشات ضخمة في المقاهي الكبرى، وأخرى متوسطة في المقاهي بين البينين، وثالثة صغيرة في المقاهي الشعبية وأكشاك بيع السجائر والحلوى، وحتى في مداخل العمارات السكنية حيث تكاتف "البوابون" (حراس العقارات) والسياس (أفراد عملهم تنظيم انتظار السيارات) أمام شاشات متناهية الصغر. الأعلام المصرية ترفرف في كل ركن من أركان البلاد، ولكن بالطبع هناك استثناءات.

ساعات طويلة قبل مباراة مصر وأوغندا في الجولة الثالثة والأخيرة من دور المجموعات في البطولة الأفريقية المقامة في مصر حالياً يمضيها المنتظرون في درجة حرارة تقول الأرصاد إنها 37 درجة مئوية، ويشير قياس الحرارة في السيارة إلى إنها 42 درجة مئوية. يدور حديث الجمهور حول التوقعات. توقعات مرئية في ضوء تحليلات لنقاط ضعف وقوة كلا الفريقين، وأخرى روحانية تسير في طريق "ربنا قادر على كل شيء".

الأحاديث طويلة وشيقة. تغوص في صميم كرة القدم، ثم تعرج إلى ملف لاعب المنتخب عمرو وردة والقضية المثارة حول تحرشاته الجنسية، ثم تجاذبات بين "عفا الله عما سلف" و"ربنا أمر بالستر"، لتعود مجدداً إلى تشكيل المنتخب وتوقعات منهج اللعب. وعلى الرغم من أن جانباً من تمكن هؤلاء من فرصة مشاهدة المباراة في الاستاد والاصطفاف قبلها بساعات يعود إلى أن اليوم إجازة رسمية ومصنف عطلة وطنية، فإن الحشود الملوحة بالأعلام المصرية في خضم حماسها وقلقها وتوترها لا تملك من المساحة الذهنية ما يسمح لها بتذكر مثل هذا اليوم قبل ستة أعوام.

 

 

بيع الأعلام

"قبل ستة أعوام كنت أقف في هذا المكان أبيع أعلام مصر. كان سكان مصر الجديدة والأحياء المجاورة، يبدأون في الزحف عبر هذا الشارع والشوارع المحيطة نحو مربع قصر الاتحادية. بدأ نزول هؤلاء في الأيام الأخيرة من يونيو 2013. في البداية كانت الأعداد قليلة. وكنت أرى السكان يقفون في الشرفات يستطلعون الأمر والبعض يلوّح لهم بعلامة النصر. أعتقد أن كثيرين كانوا متخوفين من فكرة النزول. وبمرور الأيام زادت الأعداد. نساء ورجال وشباب وأطفال. والحمد لله زادت المبيعات جداً لدرجة لم أحققها في ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 في ميدان التحرير). ناس شيك (أنيقة) ترتدي ملابس حديثة ومعهم زجاجات مياه معدنية ويلوحون بالأعلام ويهتفون ضد الإخوان".

مصطفى إبراهيم، 46 عاما، بائع الأعلام في الفعاليات السياسية والمواسم الكروية والتين الشوكي صيفاً والجزر شتاءً، يستطرد مستحضراً ذكريات ستة أعوام مضت: "كانت أياما جميلة حققنا فيها أرباحاً هائلة، لا سيما أن المتظاهرين لم يكونوا من النوعية التي تجادل في الأسعار. في (ميدان) التحرير وقت أحداث ثورة يناير كان هناك مجال للفصال والمجادلة حول الأسعار لكن الجماهير في التحرير كانت خفيفة الظل وكانوا يدعوننا لنأكل ونغني معهم".

صلاح والنسر

وماذا عن بيع الأعلام في الفعاليات الإسلامية التي سيطرت على ميدان التحرير في الأسابيع التي تلت تنحي الرئيس السابق مبارك عن الحكم؟! يستشعر إبراهم الحرج، وربما القلق، لكن يقول: "نحن لا نتدخل في التوجهات. نحن فقط نبيع ما يبحث عنه المستهلك. الإخوان كانوا يأتون بأعلامهم الخضراء، ولما وجدنا إسلاميين آخرين ليسوا إخواناً في الميدان لبينا احتياجاتهم. طبعنا أعلاماً سوداء مكتوب عليها لاإله إلا الله محمدا رسول الله، ولم نكن نعرف وقتها أنها أعلام داعش. وطبعنا أعلام مصر لكن بدون النسر حيث كان المتظاهرون الإسلاميون يحبون التلويح بالعلم المصري وعبارة لا إله إلا الله محمدا رسول الله محل النسر. كما طبعنا أعلاماً تحمل شعار جماعة حازم أبو إسماعيل، القيادي السلفي المحبوس حالياً، (سنحيا كراماً) وغيرها".

يصمت إبراهيم دقيقة وينظر نظرة العالم الحكيم العالم ببواطن الأمور ويقول: "من يريد أن يعمل في مهنتنا (بيع الأعلام) عليه أن يلقي انتماءاته جانباً. فلو كان إخوانيا والسوق تتطلب بيع أعلام مصرية بالنسر عليه أن يفعل ذلك. ولو كان مصريا لا انتماء سلفياً أو إخوانياً والسوق تحتاج أعلاماً إسلامية عليه أن يمتثل أيضاً لذلك".

تخف حدة التوتر بالعودة إلى الأعلام التي يلوح بها اليوم 30 يونيو (حزيران) 2019. يقول بصوت جهوري مقلداً هتافات مشجعي المنتخب المصري: "مصر..مصر" دون تحديد للانتماء أو تصنيف للتوجهات حيث بورصة التشجيع اليوم مصرية خالصة.

أما بورصة الأعلام فتشير إلى هوة شاسعة بين أعلام يونيو (حزيران) 2013 وقرينتها في يونيو (حزيران) 2019. فما كان يباع بخمسة جنيهات (ما يعادل 30 سنتا) في 2013، صار سعره 20 جنيهاً (ما يعادل دولاراً أميركيا و16 سنتا) في 2019، وهلم جرا. نيران تعويم الجنيه المصري في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 طالت كل شيء، ولم تستثن الأعلام المصرية التي تضاعفت أسعارها، رغم ذلك احتفظت برواجها.

 

 

موجة وطنية هادرة

رواج الأعلام في شوارع مصر هذه الأيام يشير إلى موجة وطنية هادرة ثائرة سائرة وراء المنتخب المصري في كأس الأمم الأفريقية. التزامن غير المقصود للمناسبتين الوطنيتين في اليوم نفسه هذا العام أسفر عن صبغ اليوم بصبغة كروية ربما على حساب الصبغة السياسية المؤرخة لثورة 30 يونيو التي شهدت عزل الإرادة الشعبية حكم الإخوان وأعوانهم من أنصار الإسلام السياسي.

لكن يبدو أن الإسلام السياسي وما نجم عنه من أعراض جانبية واستقطابات وطنية مازال يحلق في السماء المصرية. هتافات البعض في مدرجات الجماهير في الدقيقة الـ22 من مباراة مصر وزيمبابوي قبل أيام باسم لاعب الأهلي والمنتخب المصري السابق محمد أبو تريكة (في إشارة للرقم الذي كان يرتديه اللاعب المعتزل والمحترف التعليق والتحليل الكرويين في قنوات قطرية) أقام الدنيا الكروية والسياسية ولم يقعدهما بعد. فاللاعب الذي عُرف بدعمه حكم جماعة الإخوان المسلمين، والصادر ضده أحكام عدة بينها التهرب الضريبي والإدراج على قوائم الإرهاب وغيرها يعد أحد أبرز ساحات التناحر والتجادل بين المصريين من داعمي الإخوان وغيرهم من معارضيهم. وقد شاءت الأقدار أن يتجدد الشد والجذب الكروي المرتكز على أسس سياسية هذه الأيام المتزامنة وثورة 30 يونيو التي أطاحت بحكم الإخوان.

 

 

عن أبو تريكة

وعلى الرغم من التلويحات المتناثرة في عدد من المنصات الإعلامية المصرية عن اختباء قاتل اللواء نبيل فراج في فيلا يملكها أبو تريكة في سبتمبر (أيلول) عام 2013، فإن التلويحات تظل خافتة دون اهتمام ملحوظ من جماهير الكرة أو المحتفلين بذكرى ثورة 30 يونيو. يقول أحد عتاة مشجعي الفريق الأهلي والمنتخب المصري الشاب سعيد صلاح (30 عاماً) أنه يفصل تماماً بين الكرة والسياسة. "شاركت في ثورة 30 يونيو، وعارضت حكم الإخوان بكل جوارحي، لكني أحب أبو تريكة أيضا بكل جوارحي. هذه نقرة وتلك أخرى".

نقرات الكرة والسياسة في الذكرى السادسة لثورة 30 يونيو أنجبت مواجهة قوية في  الـهاشتاغ. محبو أبو تريكة، سواء من الإخوان أو المصريين العاديين المحبين له، استجابوا لهاشتاغ "اهتف لأبو تريكة"، وهو ما أغضب قطاعاً عريضاً غضباً سياسياً بلون الكرة. ونجم عنه كذلك هاشتاغ مضاد "اهتف للمنسي" في الدقيقة 77 في مباراة مصر والكونغو، حيث الرقم يرمز لاستشهاد العقيد أحمد منسي قائد الكتيبة 103 صاعقة في عملية إرهابية في شمال سيناء ومعها عشرة جنود مصريين في السابع من شهر يوليو (تموز).

الاحتفالات الوطنية

الاحتفاء بثورة 30 يونيو في عامها السادس ليس احتفاء بمناسبة وطنية عادية. فإذا كان المصريون باتوا يحتفون بثورة 23 يوليو (تموز) سواء كانوا متضررين من تأميم الأملاك وإلغاء الملكية والإقطاع أو منتفعين من الاشتراكية والعدالة الاجتماعية ومجانية التعليم، وبانتصار السادس من أكتوبر (تشرين الأول) سواء عاصروه أو درسوه، وغيرهما من المناسبات الوطنية دون توقف للاعتراض أو تربص بحسب التوجهات، فإن الاحتفاء بثورة 30 يونيو لا يزال قيد الملاحظة التاريخية والمواءمة الاجتماعية.

اجتماعياً، تبدو شوارع القاهرة شبه خاوية في هذا اليوم الذي أصبح عطلة رسمية. "الأحد إجازة وقبله السبت والجمعة، وأضفنا إليهما الخميس فتحول ويك إند مثالي".

مثالية الـ"ويك إند" (عطلة نهاية الأسبوع) تعني حقيبة سفر صغيرة وشلة كبيرة وسيارة متوجهة صوب الساحل الشمالي على نحو ما فعلت رندة سعيد (24 عاماً) ومجموعة الأصدقاء والصديقات الذين يحتفون بالعطلة مع علم مصر مثبت على السيارة التي تعود إلى القاهرة وقت بث المباراة مساء اليوم، على حد قولها، "لزوم التشجيع وضرورة الأجواء الوطنية".

وبسؤالها عن إذا ما كان الاحتفاء بثورة 30 يونيو مدرجة ضمن هذه الأجواء؟ تصمت سعيد قليلاً وتبدو عليها آثار المفاجأة. تخرج من المطب قائلة: "جيلنا هكذا. نأخذ ما يعنينا من المناسبات الوطنية. يوم عطلة".

الأجواء الوطنية في شوارع المحروسة واضحة اليوم وضوح الشمس. صحيح أن غالبتيها متشح بالساحرة المستديرة، حيث "مو صلاح" ينافس النسر في مقره وسط العلم، والمقاهي والنوادي ومداخل العمارات تنضح بأجواء التشجيع وأمنيات الانتصار وآمال النجاة، لكنها شديدة الشبه بما كان قبل ست سنوات.

بعد ست سنوات بالتمام والكمال، هدأت المشاعر وفترت الهتافات وسكنت الاحتقانات وبقيت الأعلام شعاراً كلما نادى منادياً للوطنية ولو كانت كروية.

المزيد من سياسة