امتلاكنا المال لا يمنعنا من الإيمان بالمساواة

جميعنا نقوم بما نستطيع القيام به في ظل النظام الذي نعيش فيه. فكلماتي وتصرّفاتي ليست غير صادقة فحسب لأن لدي رمزاً بريدياً شهيراً وزجاجة شيراز (القيمة التي أقصدها هنا هي 6.50 جنيه إسترليني).

 

مثل زعيم حزب العمال البريطاني جيريمي كوربن أنا ليس في وسعي تسجيل ابني في مدرسة خاصة (رويترز)

في حفل الأسبوع الماضي، سُئلت هل كنتُ "اشتراكية الشمبانيا" على رغم أنني أحمل في شكل واضح كأس عصير من الموز. هذا التعبير السلبي، مقصود به التهجم وتشويه سمعة من يناصرون علانيةً الاشتراكية، ولكن لا ينظرون بالضرورة إلى سعر فاكهة الأفوكادو قبل وضعها في سلتهم. .بمعنى آخر، استمتعنا بإيجابيات الرأسمالية، التي نعيشها، ولكن في الوقت ذاته لا نريد رؤية الناس ينامون في الشارع، أو يجبر الأهل على تأمين الطعام لأولادهم من مصرف الطعام. فنحن "اشتراكيو الشمبانيا" لم نزل نتظاهر، ولم نزل نؤمن بدولة صالحة. ترعرعت على يد اشتراكي أصيل، فلا شمبانيا في المكان، بل ويسكي زهيد الثمن ليس غير، (ولكن في شكل غريب كان هناك دائماً أفضل الفودكا الروسية). والدي هو شاعر باللغة الفارسية، وفي غرب لندن لم يكن ذلك مرغوباً فيه جداً.

في طفولتي المبكرة، اعتدت رؤية محاضرين في بيتنا المستأجر وزجاج مطبخه المكسور، والسجاد كان قديماً حتى أنه كان علينا دائماً انتعال الشبشب وإلا تحول لون باطن أقدامنا إلى الرمادي. في المدرسة كان يطلق عليّ تسمية "المشردة"، لأن ملابس أخي الكبير كانت تنتقل إليّ كي ارتديها، أما رقصة الباليه فلم تكن سهلة بحذاء رياضي، ولكنني تمكنت من القيام بها.لا حاجة لموسيقى الكمان مع قراءة هذا المقال، لأنني أبالغ قليلاً، ففي السبعينات كنا نعيش في "نوتيغ هيل"، ثم انتقلنا إلى "إيلنغ"، حيث أمضينا أفضل الأيام وأتعسها، ولكن في كل الحالات كان باستطاعتنا تحمل إقامة حفل. منزلنا كان دوماً يعج بالحركة والأصدقاء، وعلى رغم ذلك لم يكسب أهلي شيئاً، فالمال في ذاته لم يكن يوماً مهماً. في مراهقتي كان والدي يقترح أن أكون جليسة لأطفال أصدقائه قائلاً لي: "لا تقبلي أن يدفعوا لكِ، فهم يعملون بكد، لذلك قومي بأمر لطيف لكي يستمتعوا بليلتهم". لم ازل أتذكر تلك الفترة معتقدةً أنه كان لديّ الحق بإبداء استيائي:"تولَّ أنت مهمة مجالستهم". تربيت على فكرة أن الحصول على مال مقابل ما أقوم به أمر غريب بعض الشيء، وعندما كان لدينا مال وُجِب أن نتقاسمه في شكل سريع.

في مطلع العشرين من عمري، عملت في حانة وأخذت على مضض أول راتب: "لا! للصراحة! دخلت إلى هذا المكان لأساعد الآخرين فحسب". عشت في غرفة نوم واحدة صغيرة، وبعدما تطوّر عملي، تحوّلت الغرفة إلى منزل مع حديقة، وحشرات الخشب تحوّلت إلى أثاث ثريّ من "جون لفيس". جميعنا نقوم بما نستطيع القيام به في ظل النظام الذي نعيش فيه. فكلماتي وتصرّفاتي ليست غير صادقة فحسب لأن لدي رمزاً بريدياً شهيراً وزجاجة شيراز (القيمة التي أقصدها هنا هي 6.50 جنيه إسترليني). لست اشتراكية بل إن والدي هو الاشتراكي، وبفرحة قبلت الترقية على تذكرة الرحلات الجوية الطويلة التي كان يدفعها أرباب عملي. لكن والدي مختلف، فالأسبوع الماضي كان في رحلة إلى الولايات المتحدة لإحياء أمسية شعرية في إحدى الجامعات. هو في السابعة والسبعين، وقد خضع أخيراً لجراحة في القلب، لذلك رجوته أن يسمح لابنته "اشتراكية الشمبانيا" بأن تحوّل تذكرة سفره الاقتصادية إلى درجة رجال الأعمال. "لا شكرًا"، قال والدي، "أفضّل الجلوس مع الناس العاديين"، وهنا لم آخذ الأمر على صعيد شخصي، ولكن عندما لا تفعلون شيئًا إلا مشاهدة فيلم "هوم ألون" الأفضل أن تشاهدوه على مقعد مريح.

على كل حال، لا تتخلّ عن مبادئ الاشتراكية وأفكارها حتى عندما تستطيع دفع بدل إيجار منزلك من دون أية مشاكل مالية. ابني في السادسة من عمره، وعلى رغم قدرتي المالية ليس في إمكاني إرساله إلى المدرسة الثانوية الخاصة. ذهبت لرؤية المدارس المحلية، إنها متوافرة وعديدة، لكن لا يمكنني ربطها بمبادئي الخاصة، لقد حاولت صدقاً، وفي المقابل سأشجعه على إقامة صداقات مع الأطفال الذين يذهبون إلى مدارس الدولة، إذ من المفيد أن يكون لديك محامون أقوياء عندما تحدث لك مشكلات. في عداد أصدقاء والدي المقربين، رأسماليون. من الممكن أن تكون مظلة الأصدقاء واسعة وليست لدي مشكلة مع الأهل الذين يرسلون أولادهم إلى المدارس الخاصة. جميعنا نقوم بما نستطيع القيام به في ظل النظام الذي نعيش فيه. فكلماتي وتصرفاتي ليست غير صادقة فحسب لأن لدي رمزاً بريدياً مطلوباً وزجاجة شيراز (القيمة التي أقصدها هنا هي 6.50 جنيه إسترليني).

حتى الثالثة والثلاثين، كنت أعيش على  قدر استطاعتي، وأتولّى مهمة التنظيف بنفسي، ولن أنسى تلك الأيام عندما بات بمقدوري اليوم الدفع لعمال منازل ليقوموا بتلك المهمة. وسأستمر في التحدث عن النقص الكبير في الاستثمارات التي تقوم بها الحكومة في ما يتعلق بالخدمات العامة. لقبوني بـ "اشتراكية الشمبانيا". ذلك صحيح. فكما قال واحد من أصدقاء والدي الأغنياء، أنا اشتراكية "عصير الموز" التي تؤمن بنشر الثروة وليس الفقر.

© The Independent

المزيد من آراء