"الأشباح" التي تسكن البيت المهجور... لم تحقق احلامها

عرض يقدمه مسرح الشباب في القاهرة

 من مسرحية "بيت الاشباح" (اندبندنت عربية)

يوحي الملصق الخاص بالعرض المسرحي "بيت الأشباح" الذي يقدمه مسرح الشباب، التابع للبيت الفني للمسرح في القاهرة، بأننا أمام عرض ينتمي إلى ما تمكن تسميته مسرح الرعب، فهو يصور بيتاً قديماً ومهدماً، وغامضاً حتى في تكوينه، ما يؤهل المشاهد لسهرة مع التشويق والإثارة، وربما الخدع المسرحية التي تجعله في حال من الترقب طوال العرض.

غير أن العرض لا يقدم شيئاً من ذلك، ويكسر أفق توقع كل من جاء طالباً هذه "المتعة" ويأخذه إلى "سكة" أخرى ربما كانت متعتها البصرية والفكرية أقوى وأبقى وأشد تأثيراً من متع وقتية عابرة. العرض الذي كتبه وأخرجه محمود جمال يضم حوالى ثلاثين فتاة وشاباً، يقف معظمهم على خشبة المسرح للمرة الأولى أو الثانية في حياته. هؤلاء الشباب هم نتاج ورشة "ابدأ حلمك" التي أعلن عنها مسرح الشباب وتقدم إليها خمسة آلاف فتاة وشاب، تمت تصفيتهم إلى حوالى مئتين، خضعوا لتدريبات في التمثيل والرقص والغناء لستة أشهر، وقدموا بعض عروض التخرج، وبعدها بدأوا العمل في شكل احترافي، أو شبه احترافي، حيث يحصل أغلبهم على أجور رمزية، مكتفين بإشباع هوايتهم، ومنتظرين ما يتيحه العمل في هذا المسرح من فرص تنقلهم إلى عالم الاحتراف الكامل.

كان المؤلف/ المخرج واعياً طبيعة الفرقة التي يتعامل معها، كيف تستطيع أن ترضي كل هذا العدد من الممثلين، وتتيح لكل منهم مساحة معقولة، وكيف توظف طاقة كل ممثل في الدور الذي يلعبه، لتقدم عرضاً متماسكاً، أو في الأقل لتخرج في النهاية بأقل قدر من الخسائر والأخطاء.

تعامل المؤلف المخرج بذكاء مع الأمر، لاشخصيات في الغالب، لاجئاً إلى النمط وموظفاً إياه لتمرير رؤيته وعرضه وتوصيل رسالته التي مؤداها "كن بطلاً في فيلمك، ولا تكن مجرد كومبارس حتى لاتظل روحك عالقة بين السماء والأرض". وهي رؤية تتماس مع جيل الشباب ومسرحهم، أي أنه عرف إلى مَن يتوجه وكيف، سواء على مستوى الممثلين أو على مستوى الجمهور.

ديكور واقعي

يُفتح العرض على ديكور "واقعي" صمّمته هبة الكومي يصوّر بهو منزل قديم، وهناك مستويان، الأول تدور فوقه معظم الأحداث، والآخر عبارة عن سلم يفضي إلى باب المنزل ويتم استغلاله في بعض المشاهد، وسلم آخر هو بمثابة طريق الصعود إلى السماء ينتهي بقرص دائري وظَّفته إضاءة أبو بكر الشريف للتعبير عن الشروق والغروب. وهذا السلم هو العنصر الوحيد الرمزي في الديكور. وعلى الحوائط علّقت لوحات غير محددة المعالم توحي هي الأخرى بالقدم، سيتم استغلالها في بعض المشاهد حيث يطل الممثلون منها بديلاً عن الصور التي تحملها. وعلى يسار المشاهد ركن وضع فيه "غرامافون" إمعاناً في الإيحاء بقدم المكان. وفي أركان البهو تتناثر بعض المقاعد، فضلاً عن "بيانولا" وبعض الموتيفات الأخرى، وكل شئ وضع لغاية محددة ويتم استعماله أثناء العرض باستثناء "الغرامافون" الذي ظل بلا وظيفة اللهم إلا الإشارة إلى الزمن القديم. وتضافر الديكور مع عنصر الإضاءة في تشكيل الصورة البصرية للعرض مع العناصر الأخرى من حركة واستعراض.

لماذا جاء الديكور واقعياً وثابتاً طوال العرض مع إننا أمام أشباح تغري بديكور متحرك وحيل وألاعيب؟ أظن أن مصممة الديكور لو فعلتها لذهبت بالعرض إلى طريق آخر يفسده ويغيّم رؤية المخرج. بالتالي جاء الديكور، على مستوى الصورة ومستوى الوظيفة، متماساً مع طبيعة العرض ورؤية مخرجه.

قبل دخول الممثلين هناك شريط صوت لأغنية تكثر فيها أفعال الأمر التي تطالب كلاً منا بالتمسك بتحقيق الحلم والتعبير عن الذات والانتصار على العدم وما إلى ذلك، ما يمهد لـ "رسالة العرض".

الأشباح التي تسكن البيت المهجور، ليست أشباحاً، بل هي مجموعة من الأشخاص المعلقة أرواحهم بين السماء والأرض، موتى - في معالجة فانتازية- لا يريدون الصعود إلى السماء، لأن كلاً منهم لم يحقق حلمه. الزوج الذي لم يبح بحبه لزوجته، الثري الذي لم يتزوج خوفاً من طمع الآخرين فيه، المطربة التي لم توزع أسطوانتها سوى خمس نسخ، عارضة الأزياء التي لم تتح لها فرصة الشهرة، اللص الذي غفل عن التوبة، محصّل القطار الذي يشجع فريقاً لكرة القدم هبط إلى دوري الدرجة الثانية بعد أن كان من أقوى الفرق، مُدرّسة الموسيقى التي ماتت في حادث سير قبل أن تعلّم تلميذاتها النوتة الموسيقية، الحبيبة التي ظلت كثيراً تتنظر خطاباً من حبيبها ولم يأت.

هذا البيت يستأجره شاب هرباً من تقاليد بالية تثقل عليه، وبحثاً كذلك عن ذاته. جاء ليأخذ هدنة استعداداً لمغادرة البلاد. يفاجأ المستأجر بأن البيت مسكون بمجموعة من "الأشباح الطيبة" التي بإمكانها أن تظهر له أو تختفي بحسب ما يتراءى لها. ومن خلال العلاقة التي تنشأ بين الشاب ومجموعة الأشباح، نتعرف على كل منهم، والسبب الذي من أجله ظلت روحه عالقة بين السماء والأرض، إلى أن يكتشف أن في الحياة ما يستحق العيش لأجله.ينتهي الأمر باكتشاف الشاب ذاته من خلال الأسئلة التي تطرحها عليه الأشباح، وعبر إطلاعه على تجاربهم، ليغادر البيت المهجور، وتصعد الأشباح إلى حيث يجب أن تصعد، لأن عالمها ليس على الأرض.

اجساد مشوهة

باستثناء الشاب المستأجر، فإن تشوهاً ما في أجساد الأشباح عمد إليه المخرج، كما لو أن هذه الشخصيات هي أشياء تم استعمالها من قبل. ما من شخصية إلا وهناك ندبة في وجهها، أو آثار حروق، أو إصابة ما. ونجحت مصممة الأزياء والماكياج أميرة صابر في تحقيق رؤية المخرج، وجاءت غالبية الملابس أشبه بالأسمال، بخاصة أن تاريخ وفاة الشخصيات، كما جاء على لسانها، يتراوح ما بين ثلاثينيات وتسعينيات القرن المنقضي، فأحدثها توفي في العام 1992 نتيجة الزلزال الشهير الذي ضرب مصر، وإن لم تراعِ منفذة الماكياج استعمال مواد لا تتأثر بارتفاع درجة الحرارة أثناء العرض بفعل أجهزة الإضاءة، فكاد عملها أن يفسد.

 أمام هذا العدد الكبير من الممثلين، كان على المخرج أن يحكم سيطرته عليهم وأن يرسم حركة كل منهم بدقة. وهو نجح في ذلك، بخاصة في مشاهد الرقص، فضلاً عن الاستلام والتسلم والخروج والدخول، ومخارج الحروف. كل شيء كان مصنوعاً بعناية تعكسها فترة التدريب التي أمضاها الممثلون، وكذلك خبرة المخرج الذي لمع اسمه في المسرح الجامعي، وما يتطلبه هذا المسرح من جهد مع ممثلين هواة.

على أن المخرج أفرط في مشاهده التي طالت أكثر من اللازم، من ناحية لتأكيد فكرته، والتركيز على الجانب الشجني لزيادة شحنة التأثير، ومن ناحية أخرى لإرضاء هذا العدد الكبير من الممثلين، لجأ إلى ما يمكن اعتباره "Photo Montage" قبل نهاية العرض للإيحاء بمرور الزمن، عبر مشاهد قصيرة وسريعة، وكذلك بعض المشاهد المجانية، ومنها استدعاء شخصية أم الشاب التي ماتت وهو في السابعة من عمره، لتشاهده وقد شبَّ عن الطوق ويدور بينهما حوار شجني مؤثر. لكنها مشاهد لا تضيف إلى العرض الذي ما كان ليتأثر درامياً بحذفها. كان يمكن اختزال العرض في تسعين دقيقة فقط بدلاً من ساعتين... نعم فيهما من المتعة البصرية والفكرية ما يغري بالمتابعة، بخاصة من الجمهور العام، لكنها "عواطف" مجانية لا تفيد العرض، ولا تناسب المسرح الذي نرجوه من مواهب جادة ومؤلف/ مخرج له رصيد طيب وغير تقليدي من الأعمال المسرحية.

المزيد من ثقافة