التدخين في العالم العربي... دخان السجائر يملأ الأركان

الصحة العالمية: التبغ يحصد أرواح 8 ملايين شخص سنويا... والتوعية تجد آذانا مغلقة

ارتفاع معدلات التدخين في الدول العربية (الموقع الرسمي لمنظمة الصحة العالمية)

"ألم أقل لك أن تأخذ نفساً عميقاً ثم تكتمه نصف دقيقة؟!"، قالها مدرب السباحة بلهجة غاضبة لائمة للصغير. وما إن بدأ الصغير يتنفس حتى بدأ يسعل بشدة بعد أن اختنق بدخان سيجارة المدرب أثناء عملية الشهيق.

ومن الشهيق المجهض إلى الزفير المنهك وتنهيدة عميقة صدرت عن الأب والأم اللذين فشلت جهودهما في إصدار عفو عن ابنهما الطالب في الصف الأول الثانوي يقيه شر الفصل من المدرسة، بعدما افتضح أمره وخمسة من أصدقائه يدخنون في حمام المدرسة. مديرة المدرسة قالت للأهل: "أعرف تماماً أن غالبية الأولاد ونسبة كبيرة من البنات يدخنون، لكن عليهم أن يفعلوا ذلك خارج المدرسة وليس داخلها".

وفي داخل المقهى الكبير الراقي في حي مصر الجديدة، دخان كثيف يكاد يمحو ملامح عشرات الجالسين والجالسات من مختلف الأعمار. البعض يدخن السجائر، والبعض الآخر يدخن النارجيلة (الشيشة)، وفريق ثالث من مؤسسي حزب "الفيب" الحديث.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تجارة "الفرط"

أقل ما يمكن أن توصف به تجارة "الفرط" التي استهلها "عم أحمد" بثلاث علب سجائر، ثم تحولت إلى عشرات العلب التي يتم بيعها بنظام "الفرط"، أي بالوحدة، أنها "شديدة الرواج".

يقول بفخر شديد: "رجال ونساء، وشباب وفتيات، الجميع يُقبِل على الشراء". ينظر إلى السماء رافعاً كفيه ويقول ممتناً: "ألف حمد وشكر لك يارب على نعمك". وبسؤاله عن موقف الرب من بيع السجائر لأبناء التسعة والعشرة أعوام، امتعض واكفهر وقال: "أنا بائع ولست مربياً".

المربي الفاضل في المدرسة، أي القدوة، لا يدخن في الفصل، لكنه في إطار جولاته المكوكية على بيوت الطلاب والطالبات في فترة المساء والسهرة ينفث دخان علبة بأكملها في وجوه الصغار في عقر ديارهم.

منازل العرب والمقاهي وأماكن عملهم وأحياناً مستشفياتهم ومواصلاتهم العامة، والخاصة، والهواء الذي يستنشقونه كلها عامرة بما لا يلذ أو يطيب من صنوف أول أكسيد الكربون وأكسيد النيتروجين والكيماويات المحترقة الناجمة عن قرار البعض باللحاق بزمرة المدخنين والمدخنات، بينما الزمرة المدخنة آخذة في التقلص بدول العالم المتقدمة. وعلى سبيل المثال لا الحصر، أشارت دراسة أجرتها هيئة الصحة العامة الفرنسية في عام 2018 "أن مليون فرنسي أقلعوا عن التدخين بين عامي 2016 و2017، وهو التراجع الذي لم تشهده فرنسا من قبل. وتبلغ نسبة التدخين في فرنسا نحو 25% من السكان في 2019".

 

 

أكثر من نصف المصريين مدخنون

وعلى الجانب الآخر "فإن أكثر من نصف الذكور المصريين، وتحديداً 52% منهم في الفئتين العمريتين (30- 44 عاما) و(45 - 59 عاماً) من المدخنين"، بحسب دراسة أعدها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في أوائل العام الحالي. وتشير الدراسة إلى أن المدخن المصري يستهلك نحو 16 سيجارة في اليوم. وعلى الرغم من أن الدراسة تشير إلى "أن نسبة التدخين بين الإناث في الفئتين العمريتين المذكورتين لا تتعدى 1%، فإنه يتوقع أن تكون الإناث أقل إفصاحاً في هذا الشأن، إذ يعد التدخين عربياً مضراً بصحة الرجل، و(قلة أدب) للمرأة".

الانتشار العربي

الضرر الصحي والتصنيف الأخلاقي ومدى تطبيق القوانين المنظمة للتدخين جميعها يقف على الضفة المواجهة لانتشار التدخين عربياً. خالد فتح الله، مهندس، يبلغ من العمر 42 عاماً، مدخن منذ كان في المرحلة الثانوية. وبعد حديثه عن المقدمة المعروفة عن كون التدخين نقمة، و"ربنا يتوب علينا"، قال بعدما أخذ نفساً بالغ العمق من سيجارته: "سأتوقف عن التدخين بعون الله يوماً ما، لكن ليس هذه الأيام. إذ أقع تحت ضغوط هائلة سواء في العمل أو حياتي الأسرية بالإضافة إلى مشكلات الأبناء وقيادة السيارة في الزحام وارتفاع الأسعار وغيرها. وتوقفي عن التدخين الآن لن يكون مجدياً".

إغلاق الوعي 

جدوى حملات التوعية وإعلانات التحذير تظل على المحك عربياً. ممثل منظمة الصحة العالمية في مصر الدكتور جون جبور يقول "إن التبغ ليس له تأثير ضار على صحة الإنسان فقط، ولكنه أيضا يؤثر سلباً على التنمية الاقتصادية للدول"، مشيراً إلى أن استهلاك التبغ يشكل عبئاً كبيراً على النظام الصحي الوطني ويؤثر سلباً على إنتاجية الأفراد لما يسببه من أمراض ووفيات مبكرة".

منظمة الصحة العالمية، أصدرت بياناً قبل أيام، أكدت فيه "أن التبغ يحصد سنوياً أرواح ثمانية ملايين شخص على الأقل، ويتسبب في معاناة بضعة ملايين أخرى نتيجة الإصابة بسرطان الرئة أو السل أو الربو أو أمراض الرئة المزمنة".

وبينما شاشة التلفزيون المثبتة على الجدار في صالة التحرير في مكتب إحدى الصحف في القاهرة تبث معلومات ضمن فقرة عن التدخين، وكيف أنه حصد في عام 2017 وحده أرواح 3.3 مليون شخص من متعاطي التبغ ومن تعرضوا لدخانه بطريقة غير مباشرة، نتيجة الإصابة بحالات مرضية لحقت بالرئتين تراوحت بين أمراض مزمنة أصابت الجهاز التنفسي، وسرطان وسل وغيرها، وأن 60 ألف طفل في العالم دون سن الخامسة ماتوا بسبب إصابتهم بأمراض تنفسية نتيجة استنشاقهم للتبغ بطرق غير مباشرة، ناهيك عن ارتفاع احتمالات الإصابة بمرض الانسداد الرئوي المزمن بين المراهقين الناجين من التدخين السلبي، كان أربعة بين سبعة صحافيين يدخنون في إشارة واضحة إلى إغلاق الآذان أمام التوعية، وكأن المعلومات التي تبثها الشاشة موسيقى كلاسيكية.

التدخين والمراهقون

الولع بالتدخين بين المراهقين وصغار السن للتشبه بالكبار مفهوم في سياق طبيعة الفئة العمرية. تقول أستاذة علم النفس التربوي الدكتورة منى هلال "إن هناك من المراهقين من يقبل على تجربة التدخين تأثراً بالأب أو الأم المدخنين، أو لمجاراة الأصدقاء والصديقات، أو لاعتقاد أن التدخين يساعد في تأمين المرور إلى عالم الكبار". وتضيف "أن طرق وقاية الأبناء والبنات من هذا المسار معروفة، حيث التقارب بين الأهل والأبناء، وانتهاج طريق التوعية غير المباشرة والابتعاد عن النصح المباشر، وملء وقت فراغ الأبناء منذ الصغر برياضة أو هواية قد تقيهم طريق التدخين".

الطريق ممهد

لكن طريق التدخين العربي بوجه عام ممهد أمام الصغار، وزراء يدخنون عقب إنهاء الجلسات، وأطباء يدخنون في أروقة المؤتمرات الطبية، ومعلمون يدخنون على مرأى ومسمع من الطلاب والطالبات، وسائقو المواصلات العامة ينتهزون فرصة غياب القوانين هنا أو تقاعسها هناك فيدخنون على الطريق، ومدربو الرياضة يدخنون أثناء تدريب الفرق الرياضية، وأمهات يدخن في حدائق الأطفال، وصحافيون وصحافيات يحتفون بخبر المعمرة البالغة من العمر 120 عاماً ومازالت تدخن وصورة الطفل الذي لم يتعد العاشرة وهو يدخن سيجارتين في نفس واحد، وفنانون وفنانات وقائمون على الأعمال الدرامية يعتبرون مشاهد التدخين المبالغ فيها شأناً فنياً بحتاً، وهلم جرا.

 

 

التدخين والدراما

الدراما التي تنفث في وجوه المشاهدين العرب الكثير من الدخان الافتراضي، حيث تأثير المسلسلات التي يكتنف بعضها دخان السجائر والنارجيلة وما يستجد لها، تصب في خدمة مبيعات السجائر في المنطقة.

 وعلى الرغم من انخفاض عدد المشاهد التي تحوي أشخاصاً يدخنون في دراما رمضان الماضي مثلاً، بحسب المرصد الإعلامي لصندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي التابع لوزارة التضامن الاجتماعي، فإن مشاهد الدراما المصرية لا تزال محملة بأشخاص يدخنون بشراهة. ويشير تقرير أعده الصندوق إلى "أن مشاهد التدخين شكلت 4% من إجمالي المساحة الزمنية للأعمال الدرامية التي عرضت في رمضان، بعدما كانت 6% في عام 2018 و12% في عام 2017".

التدخين والسياسة

لكن الدراما لا تقف وحدها في قفص الاتهام. بل تقف معها نشرات الأخبار والبرامج الحوارية والكثير من البرامج السياسية. جمال عبد الرحمن، 40 عاماً، نجار سوري مقيم في مصر، يقول "إنه قبل اندلاع الأحداث في سوريا كان يدخن في المناسبات، كنت أدخن سيجارتين أو ثلاثاً في اليوم، وربما النارجيلة حين أقابل الأصدقاء مساءً على المقهى. بعد تفجر الأحداث، أصبحت أدخن نحو علبتي سجائر يومياً بعد ما مررت به وأسرتي قبل قدومنا إلى مصر، ثم متابعة نشرات الأخبار وبعض البرامج السياسية التي تتناول الشأن السوري جميعها يدفعني إلى مزيد من التدخين".

وعلى الرغم من عدم وجود دراسة علمية تربط بين زيادة نسبة التدخين في الدول العربية والأحداث السياسية والأمنية المتلاحقة على مدار السنوات الثماني الماضية، فإن كثيرين يميلون إلى ربط جانب من ارتفاع نسب التدخين في العالم العربي بما يمر به من أحداث سياسية.

 وبحسب منظمة الصحة العالمية، فإن انتشار التدخين عربياً بلغ مستويات غير مسبوقة، لا سيما في ظل تحول النارجيلة إلى نشاط يومي عابر للأعمار والنوع والطبقات الاجتماعية.

وعلى الرغم من أن الأطباء والخبراء يؤكدون "أن حجة تخفيف التوتر وتقليل القلق وترشيد الضغط إلى آخر قائمة مبررات التدخين لا تخرج عن كونها إيحاءات نفسية لا يوجد سند علمي لها"، فإن الجميع يتحدث عن ضغوط بشكل أو بآخر، إلا في أحوال قليلة جداً تكون المتعة هي الغاية، وهي الشعور الذي يترجمه صاحبه بشكل غير قابل للقياس حيث "أشعر بالراحة" أو "أتمتع بالعملية نفسها" أو "أحب التدخين دون أسباب".

تضافر الجهود

لكن تظل أسباب تضافر الجهود من أجل وقف هذا الوباء المتنامي عربياً قائمة. يقول الدكتور جون جبور "إن على الجميع في دول المنطقة – منظمات دولية وحكومات وجهات غير حكومية – أن تعمل معاً كشركاء لحماية الشباب العربي من الوقوع في براثن شباك صناعة التبغ التي تروج له كل يوم بشكل جديد مثل الشيشة، والتبغ عديم الدخان، والسجائر الإلكترونية لما لها من مخاطر صحية جسيمة مثل النوبات القلبية والسكتات الدماغية وارتفاع ضغط الدم وقصور القلب وعدم انتظام ضربات القلب وغيرها".

ويظل أيضاً حديث الأمراض التي تصيب القلوب والعظام والرئات، والأمراض التي ستصيب المحيطين دون أن يكون لهم خيار آخر سوى التدخين السلبي، والإهدار الكبير لموازنات الدول لعلاج المرضى، ونوعية الحياة الرديئة التي يعيشها المدخن مقارنة بغير المدخن وغيرها من الأحاديث التحذيرية تدخل من أذن المدخن وتخرج من الأخرى.

معدلات عربية

عضو الجمعية المصرية للحساسية والمناعة واستشاري الأطفال الدكتور مجدي بدران يقول "إن معدلات تدخين التبغ في الدول العربية بلغت نحو 38% بين الرجال و4% بين النساء، ومن المتوقع أن ترتفع المعدلات أكثر مع حلول عام 2025، وهو عكس الاتجاه السائد في العديد من أقاليم العالم الأخرى التي تتجه نحو الانخفاض، وهو ما يعني توقع المزيد من نسب الإصابة بأمراض القلب والجهاز التنفسي والعظام وغيرها".

ويحمّل بدران "عوامل الإبهار الدرامي جانباً من المسؤولية، حيث تؤدي إلى طبع سلوكيات التدخين في الذاكرة، ويضاف إليها عامل الإبهار حيث الممثل أو الممثلة يبدو جذاباً واثقاً في نفسه والدخان يتصاعد مع فمه أو أنفه، فيهرع الصغار إلى التقليد، بالإضافة إلى المشاهد التي توحي بأن البطل يهرع إلى سيجارته في اللحظة التي يشعر فيها بالقلق أو التوتر وكأنها العلاج الأكيد".

ويشير بدران إلى "ألاعيب وسبل ملتوية عدة تنتهجها شركات السجائر التي تبذل كل ما يمكن بذله لفتح أسواق جديدة لمنتجها القاتل في الدول النامية بعدما وصلت الدول المتقدمة مرحلة النضج الفكري والتوعوي، وباتت الغالبية تدرك مخاطر التدخين، ومن ثمّ الانصراف عنه أو البدء في طلب العلاج للإقلاع".

مسارات غير تقليدية

مخاطر التدخين في العالم العربي تصر على اتخاذ مسارات غير تقليدية. فالدول التي ضربتها رياح التغيير تباطأت فيها جهود مواجهة التدخين ومحاربة أشكاله الجديدة القادمة بقوة من نارجيلة و"فيب" وغيرهما. فالحكومات منغمسة تماماً في علاج الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية القائمة، بينما يتم إرجاء خطوات المواجهة والتوعية وتفعيل قوانين المنع لحين الاستقرار.

 وتشهد مصر صحوة توعوية حيث تشهد مبادرة "100 مليون صحة" التي تنفذ على مستوى مصر بأكملها ربطاً بين مفهوم الصحة المتكاملة والامتناع أو الابتعاد عن التدخين تحت شعارات عدة مثل "عيش في أمان من غير دخان" و"الحياة أحلى من غير دخان".

وحظي الإعلان التلفزيوني الذي شارك فيه اللاعب المصري العالمي محمد صلاح عن مخاطر التدخين بنسب مشاهدة مرتفعة جداً، سواء وقت بثه على الشاشات أو عبر يوتيوب.  

أما مكتب شرق المتوسط في منظمة الصحة العالمية فأطلق قبل أيام في اليوم العالمي للامتناع عن تعاطي التبغ حملات عدة للتوعية، مع ربط الدعوة للامتناع عن التدخين بأهداف التنمية المستدامة.

وأشارت المنظمة إلى أن مكافحة التبع تشكل أولوية للحكومات والمجتمعات في كل العالم، لبلوغ أهداف التنمية المستدامة، لا سيما خفض الوفيات المبكرة الناجمة عن الأمراض غير المعدية (غير السارية) بمقدار الثلث بحلول عام 2030، "علماً بأن العالم غير سائر على المسار الصحيح صوب بلوغ هذه الغاية".