Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف يضع الدولار المرتفع الديون السيادية في دائرة الخطر؟

البنك الدولي يؤكد أن الأزمة أشد عنفاً على الدول النامية مع تضرر التجارة ومعدلات النمو

السبب الرئيس لارتفاع قيمة الدولار هو قوة الطلب على العملة الأميركية (أ ف ب)

كشف تقرير حديث للبنك الدولي، أن جميع الاقتصادات والأنشطة تتأثر كثيراً بارتفاع الدولار الأميركي مقابل سلة العملات العالمية، حيث تشهد العملة الخضراء موجة صعود، بعدما ارتفع سعرها بنحو 11 في المئة منذ بداية العام، ووصلت للمرة الأولى في عقدين إلى مستوى التعادل مع اليورو.

وفي الواقع، انخفضت أسعار عدد هائل من العملات مقابل الدولار، مُخلفة آثاراً وتداعيات كبيرة على بلدان العالم النامية، ويرى المدير العام لقطاع الممارسات العالمية للاقتصاد الكلي والتجارة والاستثمار في البنك الدولي، مارسيلو استيفاو، أن السبب الرئيس لارتفاع قيمة الدولار هو "قوة الطلب على العملة".

وتشير تقارير الآفاق الاقتصادية لمعظم البلدان إلى اتجاهها نحو التراجع الشديد للنمو. وفي الوقت نفسه، خلقت الحرب في أوكرانيا مخاطر جيوسياسية وتقلبات في الأسواق. علاوة على ذلك، دفع التضخم الذي بلغ مستويات تاريخية مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأميركي) إلى إجراء زيادات كبيرة لأسعار الفائدة.

وتدفع هذه العوامل ضمن جملة أشياء أخرى إلى الجنوح نحو الاستثمارات الآمنة، حيث يتخارج المستثمرون من مراكزهم الاستثمارية في أوروبا والأسواق الصاعدة وأماكن أخرى ويبحثون عن ملاذ آمن في أدوات استثمارية مقومة بالدولار الأميركي، وهو ما يتطلب قطعاً شراء دولارات.

وقال استيفاو، إن الدولار الأميركي شهد موجة صعود خلال العام المنصرم، ومقارنة مع سلة من العملات، زادت قيمة الورقة الأميركية الخضراء بنحو 14 في المئة منذ مثل هذا الوقت من العام الماضي.

لكن هذه ظاهرة ليست جديدة، فقد تسبب غزو أوكرانيا في ارتفاع أولي لقيمة الدولار مقابل عملات بلدان الأسواق الصاعدة، كان أكبر من الزيادات في سعر الدولار الناجمة عن الاضطرابات التي صاحبت إعلان خطط التراجع عن التوسع النقدي في الولايات المتحدة عام 2013، والأحداث السابقة المرتبطة بالصراع في بلدان مصدرة للنفط.

ولا تزال الأسواق تتوقع زيادات سريعة لأسعار فائدة مجلس الاحتياطي الاتحادي، وفي أوضاع مماثلة، شهدت زيادات سريعة لأسعار الفائدة فيما مضى، وواجهت بلدان الأسواق الصاعدة أزمات، وكانت هذه هي الحال في ثمانينيات القرن الماضي في أميركا اللاتينية، في أزمة "العِقد المفقود"، وفي التسعينيات في أزمة "تاكيلا" المالية في المكسيك (التي امتدت إلى روسيا وشرق آسيا).

مخاطر الديون السيادية تلوح في الأفق

وتوقع البنك الدولي، أن تتسبب القوة والارتفاعات المتتالية للدولار الأميركي في مزيد من الإجهاد في مجال الديون السيادية، الذي يمر بالفعل بوضع متأزم، وذكر أن بلداناً كثيرة، لا سيما أشد البلدان فقراً، عاجزة عن الاقتراض بعملتها بالقدر أو آجال الاستحقاق التي تريدها، والمقرضون عازفون عن تحمُّل الخطر الذي ينطوي عليه سداد قروضهم بالعملات المتقلبة لهؤلاء المقترضين. وبدلاً من ذلك، تلجأ هذه البلدان في العادة إلى الاقتراض بالدولار، متعهدة بسداد ديونها بالدولار، مهما كان سعر الصرف. وهكذا مع ارتفاع قيمة الدولار بالنسبة للعملات الأخرى، تزداد كثيراً تكلفة دفع أقساط الديون بالعملة المحلية، وهذا ما نُسميه في مصطلحات الدين العام "الخطيئة الأولى".

وذكر أن نسبة الديون المقومة بالدولار الأميركي منخفضة نسبياً لدى بلدان شرق آسيا، وسجَّلت البرازيل أداء جيداً في الأشهر الأخيرة، وقد استفادت الأخيرة من حيازات البنك المركزي الكبيرة من الدولارات، وحقيقة أن القطاع الخاص استطاع في ما يبدو أن يحمي نفسه جيداً من تقلبات العملات، وأنه مُصدِّر صافٍ للسلع الأولية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وحينما يرفع مجلس الاحتياطي الاتحادي أسعار الفائدة، تضطر البنوك المركزية للبلدان الأخرى إلى رفع أسعار فائدتها للحفاظ على قدرتها التنافسية والدفاع عن عملتها. بعبارة أخرى، يجب إعطاء المستثمرين سبباً لارتفاع العوائد حتى يستثمروا في بلدٍ من بلدان الأسواق الصاعدة بدلاً من استثمار أموالهم في أصول أميركية أقل خطورة.

وينطوي هذا على معضلة. فمن ناحية، يريد البنك المركزي في أي دولة حماية الاستثمار الأجنبي في الاقتصاد المحلي. لكن من ناحية أخرى، زيادات أسعار الفائدة ترفع تكلفة الاقتراض المحلي، ويكون لها تأثير مُثبط للنمو أيضاً.

في تقرير حديث، كشف معهد التمويل الدولي، أن "المستثمرين الأجانب سحبوا أموالاً من الأسواق الصاعدة لمدة خمسة أشهر متتالية في أطول موجة سحب للاستثمارات على الإطلاق". وهذه استثمارات حيوية تتخارج من الأسواق الصاعدة بحثاً عن ملاذ آمن. وأخيراً، سيضر تباطؤ نمو الاقتصاد المحلي بمرور الوقت بالإيرادات الحكومية، وقد يؤدي إلى تفاقم مشكلات الديون المذكورة آنفاً.

ماذا عن المشكلات التجارية؟

في الأمد القصير، قد يؤثِّر صعود الدولار أيضاً على التجارة. فالدولار الأميركي يُهيمن على المعاملات الدولية، وتستخدمه الشركات العاملة في اقتصادات لا تتعامل بالدولار في التسعير وتسوية معاملاتها، على سبيل المثال السلع الأولية الأساسية مثل النفط تباع وتشترى بالدولار.

علاوةً على ذلك، هناك اقتصادات نامية كثيرة تتأثر بالأسعار ولا تؤثر فيها (سياساتها وإجراءاتها لا تؤثِّر على الأسواق العالمية)، وتعتمد اعتماداً كبيراً على التجارة العالمية، ومن ثم قد يكون لصعود الدولار آثار كبيرة عليها محلياً، ومن ذلك زيادة معدلات التضخم. ومع ارتفاع الدولار تزداد تكلفة الواردات (بالعملة المحلية)، وهكذا تضطر الشركات إلى تقليص استثماراتها أو زيادة الإنفاق على الواردات الحيوية.

وبالنسبة إلى بعض البلدان، تبعث صورة التجارة على الأمد الطويل على قدر أكبر من التفاؤل، لكنها بوجه عام صورة ذات ملامح متباينة. صحيح أن الواردات تصبح أكثر تكلفة عند صعود الدولار، لكن الصادرات تكون أرخص نسبياً بالنسبة إلى المشترين الأجانب، وقد يُمكِن للاقتصادات القائمة على التصدير الاستفادة، حيث تؤدي زيادة الصادرات إلى تعزيز نمو إجمالي الناتج المحلي واحتياطيات النقد الأجنبي، الأمر الذي يساعد على تخفيف كثير من المشكلات الاقتصادية.

لكن، لسوء الحظ، ليس أمام البلدان خيارات تذكر لمعالجة هذه المشكلات في الأمد القصير. وهي مشكلات أفضل سبيل لمعالجتها هو التصرف بشكل استباقي وليس كرد فعل. وللحيلولة دون وقوع الأزمة التالية، يجب على البلدان الآن أن تعزز أوضاع ماليتها العامة، وأن تعتمد على الاقتراض المستدام، وحتى في الأوقات العصيبة، يمكن لواضعي السياسات إيجاد فرص للتشجيع على الاستثمار وتحفيز النمو الاقتصادي، وفي الوقت ذاته تخفيف الضغوط على المالية العامة، ويجب على المجتمع الدولي من جانبه أن يبذل مزيداً من الجهد للتعجيل بإعادة هيكلة الديون، فالقيام بهذا العمل سيقطع شوطاً طويلاً في الطريق إلى إعادة البلدان إلى مسار أكثر استدامة للمالية العامة.