Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الترجمة بين العربية والإيطالية... من الاستشراق إلى الاستهلاك

دور النشر تركز  كثيراً على الحدث السياسي لتختار الكتب وخصوصاً الروايات

طريقة  تقديم الأدب العربي في إيطاليا: رواية "موت صغير" للروائي محمد حسن علوان (منشورات أي /أو)

يترجم إلى الإيطالية بحسب الإحصاءات الرسمية 60 ألف كتاب، بينما العرب جميعاً لا يترجمون أكثر من 13 ألفاً أي ربع ما تترجمه النرويج وحدها.تحتل الإنجليزية المرتبة الأولى عالمياً كأكثر اللغات ترجمة عنها، بينما تحل الإيطالية في المركز الخامس بـ70 ألف كتاب، أما ما يترجم من العربية فلا يتجاوز 12 ألف كتاب. إن أرقام العرب مجتمعين، ترجمة من لغتهم وإليها، بالغة التواضع. وهو ما يتسق عموماً مع موقع الثقافة في وعي الناس والسلطة.

كلاسيكيات إيطالية

إذا قربنا العدسة أكثر لرصد حركة الترجمة بين العرب والطليان كنموذج كاشف، نلاحظ أنها حركة مستمرة وقديمة أتاحت في الثقافتين كتباً تأسيسية. فهل حقاً انتهينا من مرحلة الكلاسيكيات بين اللغتين؟ يجيب البروفيسور حسين محمـود، أستاذ الأدب الإيطالي وأحد رواد الترجمة: "إذا كنت تعني بكلاسيكيات الأدب الإيطالي أهم الأعمال في تاريخ ذلك الأدب، فأعتقد أنها قد ترجمت، وأكثر من مرة، مثل ’الكوميديا الإلهية’ لدانتي أليغييري، وأعرف لها أربع ترجمات على الأقل، ومثل ’الديكاميرون’ لبوكاتشو، وقد ترجم إلى العربية مرتين، مرة من خلال لغة وسيطة هي الإسبانية بترجمة صالح علماني، ومرة أخرى عن طريق الإيطالية، وترجمها كل من عبدالله عبدالعاطي وعصام السيد. وترجمت بعض قصائد الشاعر بتراركا بقلم سمير مرقص. وهؤلاء هم تيجان الأدب الإيطالي الأكبر والأشهر".

 

ولكن هل يمكن الاكتفاء بهذه الكتب عن مجمل الإنتاج الفكري والإبداعي الإيطالي؟ الجواب بالقطع: لا. هناك مفكرون كبار، وفلاسفة، ومبدعون إيطاليون ينبغي ترجمة أعمالهم. وعلى نحو خاص ترجمة الشعر الإيطالي، فلم يترجم ليوباردي عن الإيطالية ولا كاردوتشي ولا مونتالي، والأخيران فازا بجائزة نوبل، إضافة إلى الشعراء الإيطاليين الذين ولدوا وعاشوا في مصر، مثل مارينتي واونغاريتي.

 ويضيف محمود: "عندما نقوم بتدريس الأدب الإيطالي الحديث نحصي نحو 40 مؤلفاً روائياً في القرن العشرين، كلهم يجوز ترجمة أعمالهم، وقد تُرجم بالفعل بعض منها، مثل مورافيا وكالفينو وبوتزاتي وفيتوريني وأومبرتو إيكو، ولكن لم تترجم الأعمال الكاملة لهم وغيرهم، ممن يستحق القارئ العربي قراءته. وقس على ذلك الإنتاج المسرحي الذي لم يتجاوز بيرانديللو وبعض أعمال داريو فو".

 

ماذا عن ترجمة كلاسيكيات الثقافة العربية؟ يجيب محمود: "أصبحت دور النشر الإيطالية مهتمة أخيراً بالتراث العربي، لأسباب متعددة، قد تتضمن فوز أدباء عرب كبار بجوائز عالمية مثل نوبل محفوظ، وجوائز مهمة فاز بها المغربي كليطو مثلاً. إلى جانب الهجرة العربية إلى أوروبا سواء القسرية بسبب الحروب، أو الطوعية المغامرة بحثاً عن واقع اقتصادي أكثر ملاءمة. وعلى الرغم من أن ما عرفته إيطاليا في الربع الأخير من القرن العشرين والسنوات الأولى من القرن الحالي، أضعاف ما عرفته من الأدب العربي طوال العصر الحديث، فإنه لا تزال هناك فجوة بين الإنتاج العربي وما ترجم منه إلى الإيطالية. والمشكلة هي نفسها التي لاحظناها في الأدب الإيطالي المترجم إلى العربية، فالشعر، وهو ديوان العرب، لم يترجم كثيراً، وكذلك النصوص المسرحية، باستثناء توفيق الحكيم الذي ترجم له بعض النصوص".

وعلى الرغم من فجوات الترجمة بين اللغتين يرى محمود أن التواصل لم ينقطع ويضيف:" ربما تعطلت بعض الشيء، آليات انتقال الإبداع والمعرفة بسبب ظروف العالم الطارئة، وغلبة الوسائط غير الورقية على اهتمامات المتلقي وهيمنة العولمة حتى في الحقول الثقافية".

أرقام لا تكذب

أحصت أستاذة الأدب العربي في جامعة روما إيزابيلا كاميرا دافليتو في كتاب "إيطاليا ومصر قرن من الأدب" زهاء 300 عمل عربي مترجم إلى الإيطالية، ثلثاها تقريباً من المؤلفات المصرية. وبحسب المستعرب الإيطالي جاكومو لونغي، فإن معدل ما يترجم إلى الإيطالية سنوياً نحو 20 كتاباً، وهو رقم هزيل كاشف لضعف الترجمة في اتجاه الآخر، لذلك لا نستغرب أن يصف محمـد عناني أحد شيوخ الترجمة أن حجم ما يترجمه العرب عموماً يعتبر "نكتة"!

 

ثمة اتفاق أن فوز محفوظ بجائزة نوبل حقق نقلة نوعية في ترجمة الأدب العربي إلى الإيطالية، وعن ذلك قال البروفيسور وائل فاروق الأستاذ في جامعة ميلانو: "عام نوبل محفوظ، كان بداية منحنى يصعد باضطراد في ترجمة الأدب العربي ونشره، لا سیما القصة والرواية. قبل عام 88 لم يكن مترجماً لنجیب محفوظ نفسه إلا رواية ’الكرنك’، ولم يترجم من الأدب العربي كله إلا عدد قلیل جداً من الأسماء، وأغلب الترجمات كانت عن لغة وسیطة. فالمحصلة النھائیة كانت أقل من 50 كتاباً في ما يقرب من قرن من الزمان، بينما يصل مجموع الكتب التي ترجمت من العربية بعد فوز محفوظ 527 كتاباً، أي إن ما ترجم في الثلاثین عاماً الأخیرة يعادل ثمانیة أضعاف ما ترجمت قبل نوبل محفوظ، لكنه في جمیع الأحوال رقم ضئیل جداً مقارنة بما يترجم إلى الإيطالیة من اللغات الأخرى".

توجيهات مضمرة

 

ارتبط إرث الترجمة بالنظرة الاستشراقية، لكن حسين محمود يرى أن الاستشراق التاريخي أصبح في ذمة التاريخ نفسه، باختفاء النوازع الاستعمارية للغرب. وعموماً يسمي المستشرقون الإيطاليون المهتمون بالعربية أنفسهم "مستعربين" تمييزاً لأنفسهم عن الاستشراق الذي يعم الشرق كله، الأقصى والأدنى. ولهم دراسات تحليلية جديرة بالنظر، وقد ترجمت بعض أعمالهم، مثل كتاب "الأدب العربي من النهضة حتى الآن" لإيزابيلا كاميرا دافليتو، وكتب أخرى.

يطرح وائل فاروق رؤية مختلفة قليلاً للحركة النشطة نسبياً ويقول: "ربما يعتقد البعض أن نشاط الترجمة أخيراً، من العربية إلى الإيطالية وغيرها من اللغات الأوروبية دليل على عالمية الأدب العربي، وأود أن أشير هنا إلى أن العالمية هي أن نوسع مساحة العالم، وبقدر ما نزحزح حدوده الجمالیة نكتسب وجودنا الأصیل فیه، فلا نكون ضیوفاً على الآخرين في ما ابتكروه، ولكننا نفتح باباً جديداً للوعي بالذات والعالم، لذلك أعتقد أن الأدب العربي ’معولم’ لأن انتشاره خاضع بشكل أساسي لقواعد السوق والاستھلاك السريع، بحيث يتم استدعاؤه لإشباع فضول لحظة ’الحدث’ ثم سرعان ما يفتر مع انشغال العالم بحدث في مكان آخر، ثم يعود الاهتمام مع عودته إلى صدارة نشرات الأخبار مع حدث جديد مثل "الربیع العربي". لنظل رهن الاستدعاء، لیتقزم الأدب العربي وكاتبوه من منتجین للمعنى وللمعرفة الجمالیة التي تدفع بالوعي الإنساني نحو قیم الخیر والحرية والعدالة، إلى مجرد شاهد عیان على واقع غرائبي. لقد رأيت بنفسي أسماء كبیرة وصغیرة في عالم الكتابة تتطوع للقیام بدور المحلل السیاسي والاجتماعي والنفسي لمجتمعاتھم الموبوءة بالديكتاتورية والتخلف الاجتماعي والتدني الإنساني. وعلى الرغم من أنھم قلة محدودة فإنھم احترفوا التجوال في أوروبا التي تحولت بالنسبة لھم من أفق جمالي يتحاورون ويتفاعلون معه لإنجاز طرحھم الجمالي، إلى جمھور علینا الانتباه إلى حاجته للتسلیة بغرائبيتنا السیاسیة حیث عوالم الديكتاتورية، أو "الحريم" مما يشیع الاهتمام به في وسائل الإعلام الغربیة. ويكفي أن نلقي نظرة على أغلفة الكتب والفقرة التي تنشرها دار النشر على الغلاف، كما أشارت إلیزا فیريرو في ورقة ألقتھا في مؤتمر الرواية 2015، لندرك طبیعة السلعة التي يتم الترويج لها.

معايير نقدية

 

الكلام عن الاستشراق أو الاستهلاك يثير النقاش حول التوجهات المضمرة التي تحكم الترجمة بين اللغتين، ما يطرح سؤالاً حول "معايير الاختيار". هل هي الشهرة أم الجوائز أم تغذية الصور النمطية أم جودة النص وجدارته بالسفر عبر اللغات أو الصدفة وذائقة المترجم؟!

الكاتب والمترجم السوري المقيم في إيطاليا يوسف وقاص يقول في هذا الصدد: "إن اختيار كتاب للترجمة لا يعبر بالضبط عن رأي المترجم، لسبب بسيط أنه غير مستقل مادياً، فلا يستطيع أن يفرض رأيه أو يختار الكتاب الذي يراه مناسباً فكرياً للقراء العرب. فمعظم المترجمين يعيشون في ظروف صعبة، إن كان في أرض الوطن أو في بلاد اللجوء القسري نتيجة الحروب وتسلط الديكتاتوريات".

 

وبحسب وقاص فإن المترجم في الغالب، ينفذ رؤية دور النشر التي تهتم بالروايات أو ما يثير، لسبب ما، اهتمام القارئ العربي، ويضيف، "مع العلم أنني أحبذ ترجمة الكتب الفكرية أكثر من القصص، إنما الظروف المعيشية تجبرك على اختيارات ربما لست راضياً عنها". لا يبعد كلام وقاص كثيراً عما قاله فاروق عن لعبة التسويق وما يرغب كل متلق في قراءته عن الآخر، لذلك ثمة اتفاق على تراجع ترجمة الكتب الفكرية والفلسفية، مع أن ذلك أكثر ضرورية على حد تعبير وقاص.

ويضيف وقاص: "لا بد من منح حيز كامل لهذا النوع من الكتب، وهذا الدور منوط بالدرجة الأولى بالمؤسسات الحكومية أو الخاصة، التي يمكنها تحمل عبء التكاليف من طباعة وترويج وتوزيع. جريدة ’الكورييري ديللا سيرا’ مثلاً، تصدر منذ عشرات السنين، سلسلة من الكتب المعرفية تباع مع الجريدة بسعر يناسب دخل القراء من مختلف المستويات. تتضمن السلسلة كتباً في الفلسفة، الآداب المحلية والعالمية، الفن المعاصر والفن الكلاسيكي، والفيزياء والرياضيات. طبعاً، ’الكورييري ديللا سيرا’ مؤسسة ضخمة وفي حالة تجدد مستمر، لكن هذا لا يعني أننا عاجزون عن القيام بمشروع كهذا".

صعوبات دائمة

يعرف الفيلسوف والروائي الإيطالي إمبرتو إيكو الترجمة بأنها "تقول الشيء نفسه تقريباً" فهل هذا سهل حقاً؟ ثم ماذا عن الصعوبات التي تواجه المترجم؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يجيب يوسف وقاص مترجم "بينوكيو" لكارلو كلودي (دار المتوسط): "يعتمد نقل النص من لغة إلى أخرى على تقنيات وآليات مختلفة تراعي الأمانة وتسعى لخلق نص جديد بلغة أنيقة تماثل أو على الأقل، توازي لغة النص الأصل وأسلوبه. والمعيار الأهم في هذه العملية، إتقان لغة الأصل ولغة الهدف بشكل جيد، وهذا ينطبق على جميع اللغات وليس الإيطالية فحسب. دور المترجم، في الواقع، لا ينحصر فقط في النقل، ولكنه يتجاوز ذلك إلى دور الوسيط بين ثقافتين، أي إنه مستشار وجسر بين الثقافات، لأن الترجمة ليست مجرد نقل المتن إلى لغة ما. الأمور ليست بهذه السهولة والمباشرة. لنبدأ بالقول إن هناك لغتين: اللغة المصدر (لغة الأصل) واللغة الهدف (التي يترجم إليها). كل لغة، كأصل وهدف، لها تركيبها الخاص ومفرداتها التي، أحياناً، ليس لها مرادفات مباشرة مع اللغات الأخرى، وهنا تكمن الصعوبة، إذ يتوجب على المترجم إيجاد التعبير المناسب، لذلك فإن الترجمة في المقام الأول هي عمل تأويلي. يعرف كل مترجم أنه يجب أن يكون مخلصاً قدر الإمكان لأسلوب بل ونبرة اللغة المصدر، في الوقت نفسه، يعرف أن نصه يستهدف قراء لا ينتمون إلى السياق الثقافي الذي كتب فيه العمل. لذلك، يجب العثور على وساطة، وبناء نص مستهدف يكون في الوقت نفسه مخلصاً للأصل وله العلاقة نفسها مع قرائه الجدد، بمعنى آخر، الترجمة ليست إعادة إنتاج ما كتب في لغة أخرى، بل الانتقال من شكل ثقافي إلى آخر. علاوة على ذلك، من دون أدنى شك إذا لم يكن النص حديثاً فيجب أن تتم الترجمة باللغة الحديثة، مما يجعله أقرب إلى القارئ، وهو ما حدث مع نص ترجمته في الفترة الأخيرة كتب في عام 1634، يحتوي على مفردات وأسماء لم تعد تستعمل في الإيطالية منذ زمن طويل. من جهة أخرى، إذا كانت اللغة تحتوي على عناصر رمزية وتعبيرية قد يتعذر على القارئ الوصول إليها، فإن مهمة المترجم هي جعل الفهم ممكناً، جزئياً على الأقل".

إطلالة على المستقبل

لا خلاف على التحسن النسبي في الترجمة المتبادلة بين اللغتين، على الرغم من أي توجهات مضمرة، سواء متعلقة بنزعة استشراقية أو استهلاكية أو تسويق دور النشر، لذلك يؤكد حسين محمود أهمية المستقبل الثقافي المشترك قائلاً، "تحت ظل جغرافي مميز على ضفتي البحر المتوسط، وهو ملكية مشتركة لدول جنوبه وشماله، وهي ملكية ثقافية تربط هذه الدول ولا تفصلها، على الرغم من التمايز في ما بينها بخصوصيات ظاهرة للعيان، ولكن على المستوى غير الظاهر. فالمشترك في التراث الفكري أكبر بكثير من المختلف".

المزيد من ثقافة