Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قصر ابن وردان بين حقيقة سطرها التاريخ وخرافة رائحة الورد

قديماً كان ديراً ثم حول إلى ما هو عليه اليوم في العهد العثماني

مجمع يضم 3 أبنية قصر وكنيسة وبناء عسكري   (syria photo guide)

 

"تطلعت صوب الصحراء فوجدتها منبسطة تمتد نحو 1500 ميل حتى البساتين التي تحيط بدمشق، وهبت نسمة صحراوية حولي فتراءى لي ذلك القصر المهجور في سوريا الذي زاره لورنس. كان العرب يعتقدون أن أميراً بناه ليكون القصر الصحراوي لمملكته، وزعموا أن طينه معجون بعصير الزهر".

هذا الاقتباس من كتاب "الرمال العربية" للرحالة البريطاني ويلفريد ثيسيغر يقدم مدخلاً حسياً للأجواء المحيطة بقصر ابن وردان، ويحرض الحواس كلها على خوض تجربة الصحراء، إذ يروى على لسان أهل المنطقة قصة شعبية متوارثة تتحدث عن رؤيا راودت أحد الملوك عن نهاية حياة ابنه الوحيد بلدغة عقرب، ليقوم الملك بعد استشارة حكمائه ووزرائه ببناء القصر من الآجر المشوي، بعد جبل طينته بماء الورد المخلوط بالمسك، اعتقاداً منه بقدرة هذه المادة على طرد العقارب، ويروى أن رائحة طيبة مازالت تفوح من المكان في فصل الشتاء وعند هطول الأمطار.

مجمع كبير

وتنتشر الكنائس والمعموديات والأديرة في حوران وواحة الشام على طول نهر الفرات وشمال سوريا بخاصة، معظمها أعمال فنية ومعمارية تعود للفترة البيزنطية، وأحدها في موقع ابن وردان الذي يقع على بعد حوالى 60 كيلومتراً شمال شرقي مدينة حماة في البادية السورية، وهو عبارة عن مجمع يضم ثلاثة أبنية، قصر وكنيسة كبيرة وبناء عسكري ربما كان ثكنة أو حصناً واسعاً. تتموضع الأبنية على مرتفع نصفه طبيعي ونصفه الآخر اصطناعي، بنيت جميعها من الآجر وجملت مساحاتها الداخلية بالرخام على النمط البيزنطي، وشبّه المستشرق الفرنسي رينيه ديسو هذه المباني من حيث التركيب ومزج المواد بقصر المشتى شرق الأردن.

وبني المجمع منتصف القرن السادس، إذ تشير لوحة حجرية على عتبة أحد أبواب القصر إلى تاريخ بنائه عام 564 ميلادية، وتحتها كتابة يونانية قديمة تعني "الكل لجلال الله"، ولوحة أخرى في موضع آخر سجل عليها تاريخ 561 ميلادية.

حصن دفاعي

ويقترب بناؤه كثيراً من طرز المباني الملوكية في القسطنطينية في عهد الإمبراطور البيزنطي يوستنيانوس (جستنيان الأول) الذي يرجح أنه كلف المعمار اليوناني إيزيدور ميليتس ببنائها. وكان هذا القصر واحداً من الحصون التي بناها الإمبراطور كجزء من محاولته لاستعادة مكانة الإمبراطورية الرومانية كقوة كبرى، فأمر ببناء حصون حدودية للدفاع عن إمبراطوريته، فكان قصر ابن وردان جزءاً من خط دفاعي مع الرصافة وحلبية ضد الإمبراطورية الساسانية.

ولم يرد ذكر القصر في أي من المراجع القديمة مثل معجم ياقوت الحموي وغيره، ولكن ورد أول وصف للقصر في المجلة الأثرية الكتابية الألمانية المطبوعة في النمسا عام 1884 على يد المستشرق الألماني جوهان موردتمان، لتبدأ بعده مجموعة من السياح بنشر صوره وأوصافه، ثم جاء الوصف الواسع المستوفي مع نقوش وتصاوير وغيرها في منشورات البعثة الأميركية في جامعة برنستون عام 1920.

دير الأقواس

وكان القصر قديماً عبارة عن دير سمي "دير الأقواس"، ثم حول إلى قصر في العهد العثماني، وتشكل جدرانه الخارجية صفوفاً من الأحجار المتباينة الألوان على طريقة الأبلق، بحيث تتناوب ثلاثة مداميك من الأحجار السوداء تعلوها مجموعة صفوف من ألواح الآجر الكبيرة الضاربة للصفرة والمدعمة بملاط قوي، أكسبت البناء إلى جانب الميزة الجمالية صلابة وجودة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما جدرانه الداخلية فبنيت من الأحجار الجيرية البيضاء وزينت بالأعمدة الرخامية، وتميزه كثرة أقواسه المبنية بعضها من الحجارة البازلتية وبعضها الآخر من القرميد، إذ جلب البازلت من مناطق بعيدة في الشمال أو الجنوب، ويعتقد أن الأعمدة الرخامية قد أحضرت من أفاميا.

وتداعت معظم جدران القصر وأقسامه الداخلية وبقيت في حال جيدة كل من الواجهة الجنوبية وبعض الأجزاء ذات القباب والنوافذ وقسم من القباب وعضادتين ضخمتين في الواجهة الغربية، لكن يتضح من بقايا المنحوتات الرخامية أن القصر كان عبارة عن بناء مقبب كبير من طابقين مع فناء مركزي وديكور داخلي غني، يتشكل الطابق الأول من أروقة طويلة يتألف كل منها من صفين من الغرف يتصل بعضها ببعض.

باب يدخله كل الأبرار

أما الكنيسة فتتوضع أطلالها غرب القصر مباشرة، ويستقبلنا على باب مدخلها الجنوبي عتب من البازلت منقوش عليها تاريخ بنائها، وعلى المدخل الآخر عبارة "هذا الباب صنعه الله يدخله كل الأبرار"، وعليه عدد كبير من الرموز والخطوط ذات الدلالات الدينية.

وبنيت على شكل مربع وكان تحتوي على صحن مركزي وممرين جانبين، وتعلوها قبة كبيرة تتركز فوق قناطر تستند إلى دعائم ضخمة وتقدم مثالاً على تقنيات بناء القبة البيزنطية الباكرة، لكن لم يتبق منها اليوم سوى أجزاء متهدمة، وجاء صحن الكنيسة بشكل متطاول ينتهي بحنية مدورة، وكان ثمة صحون تالية تمتد في كل جانب.

وللكنيسة رواق علوي ذو ثلاث قناطر يشرف على داخلها، ولا تزال جدران طابقها السفلي والرواق العلوي وقسم من نصف القبة وقنطرتها الكبرى ماثلة، ويظهر تشابه بينها وبين القصر من الناحية المعمارية ولكن بشكل مصغر أكثر، وتشبه الكنيسة العديد من الأبنية التي بنيت في الفترة ذاتها بعهد يوستنيانوس، مثل كنيسة آية صوفيا في القسطنطينية وكنيسة سان فيتال في إيطاليا.

أما الثكنة فتقع جنوب شرقي القصر والكنيسة، وكان لها سوران بينهما غرف ذات قبب وفي داخلها فناء رحب في وسطه بناء عال ذو طابقين وقبب عدة، لم يتبق منها سوى أجزائها العلوية وباب مدخلها الكبير في الشمال وبعض الأجزاء المتفرقة.

المزيد من سياحة و سفر