مجد كردية: أستلهم أعمالي من صراعات النفس البشرية

الفنان التشكيلي: لست متمرداً... وأسلط الضوء على المآسي ولا أتاجر بها

الفنان التشكيلي السوري مجد كردية (الصفحة الرسمية له على فيسبوك)

صاحب تجربة فنية ثرية خارجة عن الإطار المألوف، فرشتُه تحمل ألواناً مبهجة، حتى وإن كانت تبدو قاتمة، لتطلق صرخات في وجه القبح والدمار عبر رسائل ضمنيّة تحملها شخصياته، التي اختار لها اسم (العصابة)... إنه الفنان التشكيلي السوري مجد كردية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولد الفنان السوري في مدينة حلب، وقضى معظم حياته على نهر الفرات، فتأثر بالمعطيات الجمالية من حوله، إضافة إلى الظروف السياسية، فوالده اُعتقل 12 عاماً، فضلاً عن أسرته، التي شكّلت ثقافته ونظرته إلى الأمور.

شخصيات مجد كردية التي يصنعها من خياله، استطاعت أن تحلّق فوق المعابر، وتقفز على الحواجز والأسلاك الشائكة، حتى وصلت إلى الناس في كل مكان، حاملةً رسائل ودعوات للحب والسلام وترميم القلوب المكسورة، مشهرةً سلاح الفن في مواجهة الحرب والألم والخراب. "إندبندنت عربية" التقت الفنان مجد كردية لتتعرف على تجربته عن قرب.

 

 

صراعات النفس البشرية

عصابة الفراشة والوحش والحمار والفيل، شخصيات حاضرة بقوة في أعمال مجد، إضافة إلى "الفصاعين"، (الفصعون بلغة الشوام هو الكائن الصغير القصير، ويطلق عليه أهل مصر في لغتهم العامية اسم المفعوص)، وفصاعين الفنان السوري تسرق الأحزان وتسعى إلى خلق عالم مثالي، يقول عن أعماله وشخصياته "أستلهم أعمالي من الصراعات والجدالات والنقاشات، التي تجري داخل النفس البشرية، فهي حوارات بين الإنسان وذاته على لسان شخصيات مختلفة، والكائنات الحيّة وسيلة للتعبير ورموز مهمة لدى الفنان على مر الزمان منذ جداريات إنسان الكهف وحتى وقتنا الحاضر، وتضفي معنى كونياً أشمل، فعندما أكتب قصة عن العصفور مثلاً فأنا لا أربطه بمكان أو زمان محدد".

ويضيف، "الفن الحقيقي عابرٌ لكل شيء، لا يحتاج إلى امتطاء الطوائف والأديان والأحزاب حتى يصنع لنفسه قاعدة جماهيرية، عابر للزمن، فحين يتحدث عن الظلم فإنما يقصده في كل زمان ومكان، وليس عن حادث واحد، ورائعة العظيم أمل دنقل (سبارتاكوس) خير دليل على قدرة الفن على نقل الحدث المحلي إلى حالته الكونية الأشمل، أو كما في (غرنيكا) بيكاسو التي تحوّلت إلى رمز معادٍ للحروب".

 

 

الفن معرفة وليس جنوناً

يحتار الناس في توصيف مثل هذا النوع من الفن، يراه البعض كاريكاتيراً، وآخرون يصنفونه سيريالياً، وفريق ثالث يضعه في ميزان الواقعية السحرية، فكيف يجد الفنان هُويته الفنية، وتصير له مدرسته الخاصة، يقول الفنان السوري، "المدارس الفنية ما هي إلا مصطلحات لتسهيل دراسة الفن، لكنها لا تعبر عنه بشكل دقيق. الكاريكاتير ابن الصحافة والحدث اليومي، ويختفي أثره بتقادم الحدث، وأنا لا أتناول أحداثاً يومية. ربما تكون أعمالي مزيجاً تعبيرياً رمزياً، وربما واقعية سحرية".

وتابع، "أما عن الهُوية الفنية فلا توجد وصفات سحرية لذلك، العمل والجهد والبحث والمعرفة فقط هي السبيل لخلق شخصية الفنان، فالفن معرفة وليس جنوناً".

 

الاتجار بالمآسي

رغم أن لوحات مجد كردية تحمل خطوطاً طفولية وألواناً مبهجة، لكنها بذات القدر تمتلئ بهمّ كبير وقضايا شائكة، تقدمها بأسلوب سلس وبسيط، وعن هذا يقول "أحب أن لا أقول كل شيء، وأن أترك مساحة أو نافذة تتحرك فيها أفكار المتلقي وهواجسه، ليصبح جزءاً من العمل دون أن يدري، وبشكل عام لا أميل إلى تفسير الماء بالماء".

ويستكمل، "من جهة أخرى أحاول تسليط الضوء على المآسي، التي تحدث دون الاتجار بها، فلا أرسم صور الدمار والضحايا، وأحوّلها إلى أعمال فنية، فأرى في ذلك تسويقاً للعنف، وتحويله إلى حالة جمالية على يد الفنانين".

مواجهة القمع والقبح

العلاقة المتبادلة بين السياسة والفن، وكيفية تأثير كل منهما في الآخر دائماً ما تكون محل تساؤل خصوصاً بعد الثورات العربية، فهل أثر الفن التشكيلي أم تأثر بالسياسة يقول مجد كردية "لا توجد علاقة متبادلة بين السياسة والفن إلا في إطار قمع السياسي للفنان. هذه هي العلاقة الوحيدة بينهما. السياسة هي فن السيطرة على الحشود، والفن هو وسيلة لمخاطبة الأفراد".

ويلفت إلى أننا "بحاجة إلى 50 سنة على الأقل للحديث عن تأثير الثورات العربية في الفن التشكيلي، التجربة لم تنضج بعد، وبشكل عام كل التجارب والمخاضات الجديدة أفضل من مستنقع الركود".

وعن دور الفنان في مثل هذه الأوقات حيث التوترات السياسية يؤكد "في خضم الثورات والأحداث العظمى يتحوّل الفن من تلقاء نفسه إلى خبز تأكله الأرواح الجائعة، بينما في حالات الرخاء والهدوء يكون زخرفات تزين الجدران، وفي الثورات تعصف الأفكار الجديدة في كل مناحي الحياة، والفن واحد منها، عليه أن يمتصها، ويعبر عنها، ويشارك في صناعة مجراها المستقبلي، الفن طلقات تواجه القمع والقبح والحرب، وهذا من بديهيات أي فنان يحترم فنه وذاته، ويملك مثقال ذرة من الأخلاقيات".

 

 

ابن الحرية

ينظر البعض إلى الفنون البصرية على أنها بعيدة عن المواطن العربي وعن تلك النظرة يقول مجد "الانفصال بين عوام الناس والفنون البصرية هذا سؤال البيضة والدجاجة، وجوابه شائك، وأنا لا أمتلك الإجابة، لكن في المجمل هناك إهمال متعمد للثقافة الفنية من جهة، الفن ابن الحرية، وهذا لا يصب في مصلحة الديكتاتوريات المختلفة الأشكال، ومن جهة أخرى هناك حالة من تغريب الفن وإبعاده عن روحه المحلية، ربما كان بهدف الوصول إلى العالمية أحياناً، لكن حتى العالمية تبدأ من المحلية. إذا لم أفهم نفسي والإنسان الذي أصادفه في الشارع كيف سأدرك ذاك البعيد الذي تفصله عني بحار وجبال، ويحمل ثقافة أخرى بعيدة عن روح الشرق في الشعر والكلمة".

لست متمرداً

من يتأمل لوحات "كردية" يجد فناناً يبدو متمرداً على القواعد، وأفكاراً غير مألوفة، وأبيات شعر تزين الأعمال، عن هذا المزيج الفني يقول "لست متمرداً على قواعد الفن، ولا يستطيع أي فنان مهما علا شأنه أن يتمرد على قواعد اللون والظل وتوازن التكوين. ببساطة لا أنتج لوحة تحاكي الفن الأوروبي، وطبعاً ستكون متمردة، الفن يموت إن لم يتمرد. وبالنسبة للشعر، فالفنون في الأساس متمازجة مع بعضها، لكنها تفصل في شكلها النهائي، المقطوعة في ذهن المؤلف الموسيقي هي القصيدة نفسها في عقل الشاعر، لكن اختلف المنتج النهائي، المتنبي هو شاعري المفضل، وأعتبر أكثر ما أثر في تكويني الفني هو الجداريات الآشورية والفرعونية، كما أحب أعمال بيكاسو".

المزيد من ثقافة