Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رحلة عبد الرحيم الخصار من سوق العبيد إلى حروب الذهب

رواية "جزيرة البكاء الطويل" تسترجع محطات القهر الإنساني حول العالم في القرن السادس عشر

سوق النخاسة في المغرب القديم (مواقع التواصل الاجتماعي)

كعادة الشعراء حينما يتوجهون إلى كتابة الرواية، يفتح المغربي عبد الرحيم الخصار باب النقاش واسعاً حول توليفته الروائية الجديدة "جزيرة البكاء الطويل"، الصادرة عن منشورات "المتوسط". ويأتي تعدد أسماء بطل الحكاية (مصطفى الأزموري، استيبان، استيبانيكو، استيفانيكو، الفاتح الأسود، الزنجي، العبد، ابن الشمس) علامة على أننا أمام عمل ينبني كلية على التشعّب والمرايا المتراصة، التي تعكس كل واحدة منها لقطات غير متطابقة للمشاهد الحية، الدائرة فوق مسرح عريض، يصل العالم القديم (المغرب، الأندلس)، بالعالم الجديد (أميركا الشمالية).

وصاحب هذه الأسماء والألقاب كلها، وغيرها، هو المغربي سعيد بن حدّو، الذي عاش في النصف الأول من القرن السادس عشر، واعتادت أمه أن تناديه بـ"الطائر الحر" قبل أن تتركه صغيراً وترحل منسحبة من واقع بائس. وبعدها، باعه أبوه للغزاة البرتغاليين في سوق النخاسة في "أزمور" في المغرب إثر مجاعة كبرى (ذروة الذل والخضوع)، لينتقل إلى إسبانيا ويباع مرة أخرى للدوق أندريس دورانتيس، الذي جعله صديقه ورفيقه في رحلات اكتشاف مدن الذهب في أميركا، ليصير "ابن الشمس" سيّداً وقائداً ورمزاً عالميّاً بعدما كان عبداً.

ولا يقتصر هذا التنوع في العمل على الأوجه المختلفة لبطله، الحقيقي/ المتخيل، التاريخي/ الأسطوري، الذي يتنقل عبر القارات في رحلة مضنية لاكتشاف ذاته والآخرين والعالم، وفهم معاني القسوة والظلم والنبل والحرية. وإنما يتجسّد التنوع في سائر عناصر العمل وأركانه وتفاصيله، من أحداث وأزمنة وأمكنة وشخوص وصراعات وغيرها، إلى جانب تعدد احتمالات تصنيف العمل ككل، وفق الرؤى المتباينة لقراءته، والمرجعيات التي تحكم وعي المتلقي وذائقته.

الأصل المهيمن

 

لعل عبد الرحيم الخصار، المولع بالسرد في دواوينه المتتالية "أخيراً وصل الشتاء" و"أنظر وأكتفي بالنظر" و"نيران صديقة" و"بيت بعيد" و"عودة آدم"، يرتاد السرد الروائي الصريح في هذه المرة، ولكنْ بأنفاس لا تخلو من شعرية بطبيعة الحال، لغة ونبضاً واستشفافاً إنسانيّاً للعمق الكامن خلف الوقائع والمواقف، ووراء الكلمات الظاهرة في الحوار الثنائي والجماعي والحديث المونولوغي الداخلي.

ومع التسليم بأن الفضاء الروائي هو الأصل المهيمن على الحالة التي يخلقها العمل ببنائه وأدواته وطبيعته الفنية، فإن الشعرية تبقى طقساً جوهريّاً من طقوسه، ونسيجاً من أنسجته، إلى جانب افتتاح معظم الفصول بقصائد من الإبداع الإنساني كتراث الهنود الحمر وغيرهم، واهتمام الشخوص الروائية بالأشعار والأناشيد والأغاني، وما تتضمنه من حكمة وفلسفة: "الرجلُ الذي يرفعُ يَديْه للسماء، وينادي القَمَرَ، رجلٌ حزين/ الدمعةُ التي تنزلُ من عينه، هي مَنْ سيَروي الحكاية/ الرجلُ الحزين، الذي يسيرُ وحيداً في الطريق، ويغنِّي للغاباتِ والجبال، لا تسألوه عن شيء/ انظروا فقط إلى عينَيْه، وإذا شئتُم وَدِّعُوه".

لكنّ التداخلات الأخرى، التي قد تؤثر على تصنيف العمل كرواية متخيلة أو تاريخية أو وثائقية أو أسطورية، هي تلك التقاطعات القوية في العمل الفني مع الوقائع التاريخية الحقيقية المسجّلة، وتلك الاستغراقات في أجواء الأساطير والأحلام والحكايات الشعبية الموروثة... إلى جانب الحياة المتخيلة "المصنوعة" والثقوب التي ملأها المؤلف في الشخصيات العامة المستدعاة والأحداث التاريخية، وهو ما يضفي زخماً على العمل المركّب المتسع لهذه المناورات والمغامرات كلها، تحت مظلة الرواية بثيماتها وتمثلاتها الكثيرة.

ومثلما يتساءل الهنود الحمر في أشعارهم التي أوردتها الرواية في افتتاحيات فصولها: "أين مَنْ زرعُوا أشجارَ التلاقي، ثمَّ جعلُوها سلاسلَ حجارةٍ تَفصِل بين القُرى؟"، فإن الرواية تطرح تساؤلاتها المحورية المتشابكة حول الإنسانية وجذورها وثمارها، والتربة الخصيبة الملائمة لنموها ونضجها، كي لا يمتد التصحر، ويعمّ الجفاف والجفاء، ويضطر الرفقاء المحاربون في جيش واحد إلى أن يقتلوا ضعفاءهم ليأكلوا جثثهم، حتى لا يموتوا جوعاً في الصحراء.

 

مثل هذه اللقطات الوحشية والدموية تتناقلها الرواية، التي تسترجع الكثير من محطات القهر الإنساني حول العالم في القرن السادس عشر، مثل بطش البرتغاليين المستعمرين بالمغاربة وشراء فتيانهم وأطفالهم كعبيد بثمن بخس، وبطش المسيحيين الإسبان بالموريسكيين وقتلهم أو إجبارهم على ترك الإسلام وتغيير أسمائهم (كما حدث لمصطفى المسلم الذي تحوّل إلى استيبان المسيحي)، وبطش المعتدين الأوروبيين بالهنود الحمر في رحلات القرصنة واستلاب الأرض ونهب ثرواتها الطبيعية.

الذهب الحقيقي

وعلى ما يبدو ظاهريّاً من تغطية الرواية وقائع القسوة وأحداث الظلم وسجلات الدم، وثائقيّاً وتاريخيّاً، من خلال استدعاء هذه الفصول من المعارك (في المغرب، وإسبانيا، وأميركا)، التي ينتصر فيها عادة الأقوياء المسلحون على الشعوب المسالمة، المتمسكة بأرضها ومعتقداتها وقيمها، فإن الأمور الأكثر أهمية التي توقفت عندها الرواية في أحداثها وتفاصيلها المتخيلة، هي تلك اللمحات الأخلاقية والدعوات الإنسانية إلى مراعاة الضمير والتمسك بالعدل وإعلاء شأن الحرية ومنح القلب حقه من المحبة اللازمة لإصلاحه وإعادة الكائن الآدمي إلى رشده وبصيرته.

هكذا، وجد مصطفى ذاته أخيراً في معالجته المرضى من الهنود الحمر، فصار "ابن الشمس" كما تقول معتقداتهم: "نحن نقدِّس الرياح والرعد والبرق والكواكب والنجوم، لكننا نقدِّس الشمس أكثر، ونرقص لها كي تمنحنا الحياة الطويلة والسعيدة، فكيف حين يكون بيننا ابنُها؟ ابن الشمس القادم من بلاد بعيدة، بلاد الأرواح، التي تمنح العالم طاقة تطهِّر الإنسان وتجعله أقوى وأقرب إلى الآلهة". كما أن الشاب المغربي الأصل زهد في الذهب، الذي لم يكن مقتنعاً بالقتال من أجله، واستجاب لمقولة العجوز الهندي "لا تشغل بالكَ بالبحث عن الذهب. ابحثْ عن نفسكَ، فأنتَ هو الذهب".

ولأن "ابن الشمس" ترك نفسه للعشق الصافي، فقد نجّاه عشقه من الموت المحقق، بحيث حذرته حبيبته الهندية "أماريس"، الملقبة بـ"ابنة القمر"، من غدر بعض الحقودين والمتواطئين والمتشككين في نياته، الذين عزموا على الفتك به، فهرب منهم قبل أن ينالوا منه. واختار في النهاية أن يحمل شارة الطبّ المقدَّس في يده، ليجوب القبائل البعيدة، ويساعد المرضى على النجاة: "أمَّا الذهب، فقد تركتُهُ لمجانينَ آخرين سيأتون إليه لا محالة/ وقفتُ مُثقَلاً بما كنتُ أفكِّر فيه، أدرتُ ظهري لنهر الزُّوْنِي، ومشيتُ بين الوديان والأدغال، عبر مرتفعات ومنحدرات وعرة، وفي طريق لا أعرف إلى أين ستنتهي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما جذوة الحرية، فهي الجمرة المتقدة دائماً على امتداد الجانب المتخيل من الحبكة الدرامية، فلا يكاد يأتي حدث أو تندلع موقعة حتى يستدعي المؤلف حديثاً عن الحرية على ألسنة الرواة المتعددين لفصول الرواية (مصطفى/ استيفانيكو، الأب حدّو، الحبيبة الهندية أماريس، الدوق أندريس دورانتيس، القائد البحري كابيزا دي فاكا). من ذلك مثلاً، ما حكاه مصطفى عن الحال في المغرب قبيل بيعه في سوق النخاسة: "مرَّت ستُّ سنوات على هذه الحال، كان الناس يرغبون فقط في البقاء عى قيد الحياة. أمَّا الحُرِّيَّة، فكانت حُلماً بعيد المنال".  

وكذلك ما ردده استيفانيكو في سوق العبيد في إسبانيا: "اليأس هو كلُّ شيء الآن. أمَّا الأمل، فهو يشبه تلك الأُحْجِيَّة التي نعرف جميعاً أنها كذبة، لكننا نحلم أن تصبح يوماً ما حقيقة". وأيضاً توضيحه أن سبب حبه لسيّده دورانتيس هو أنه "الرجل الذي أخرجني من أرض العبودية سريعاً، ودفع بي إلى بحر الحُرِّيَّة". ومن بين الافتتاحيات التي استدعاها المؤلف، مقتطف من "الجزيرة تحت البحر" للروائية التشيلية إيزابيل الليندي، يقول ممجّداً الحرية: "صار يدعوني لأضيع في الموسيقى، كما في حُلْم. يقول لي: ارقصي، ارقصي يا زَارِيْتِيْه، لأن العَبْد الذي يرقص عَبْد حُرّ.. طالما هو يرقص. وقد ظللتُ أرقص دائماً".

انتصار الحكاية

لم يرغب عبد الرحيم الخصار في حقيقة الأمر في تقديم حكايا المنتصرين والفاتحين والغزاة، وإنما راهن ببساطة على انتصار الحكاية، وعلى خصوبة اللحظات الإنسانية وزخمها الفعّال، من أجل إطلاق الطاقات القلبية والروحية للبشر، فهي التي تستعيد آدميتهم وتحميهم من توحشهم وجمودهم. وقد ترتقي بهم هذه الطاقات السحرية في بعض الحالات إلى مراتب عليا متفوقة تقربّهم من الذات الإلهية، فتكون لهم كرامات وأفعال خارقة، كما حدث مع "ابن الشمس" في علاجه للمرضى من الهنود الحمر، إذ صار بينهم رمزاً للخير "كَاتْشِيْنَا"، وكما حدث في خطفه البريء قلب "ابنة القمر"، كشابين مراهقين يلهوان معاً في حقول الذرة.

لقد تعددت حمولات الرواية، بين الشعر والفلسفة والحكمة والتاريخ والوثائق والأسطورة والحلم، ومضت في اتجاه الماضي لأكثر من خمسمئة عام، لكنها في المقام الأول تخييل ذاتي وتخليق ابتداعي لحيوات الشخوص، كما لم تسجلها الكتب والموسوعات. كما أن الرواية إضاءة للحظتنا الحالية بكل ما فيها من توترات وتناقضات، وآلام وآمال، وحرب ودمار وظلم وحصار، ورغبة في التحرر. وليس ما جرى قديماً على صفحات العمل الفني سوى إسقاط على ما يجري الآن، وسيجري مستقبلاً، في شرق الأرض وغربها، وشمالها وجنوبها، فهي "كوكب البكاء الطويل".

المزيد من ثقافة