Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما دلالات الإعلان عن مقبرة للجنود المصريين في القدس؟

هدفه تعكير أجواء العلاقات بين البلدين واختبار قدرة يائير لبيد على التعامل مع الحادثة

تزامن الإعلان الصحافي عن الحادثة مع تولي لبيد رئاسة الحكومة المؤقتة في إسرائيل (أ ف ب)

كشف الصحافي الإسرائيلي يوسي ميلمان عن إحراق القوات الإسرائيلية ما لا يقل عن 20 جندياً مصرياً خلال حرب 1967، ودفنهم في مقبرة جماعية لم توضع علامات عليها ومن دون تحديد هويتها باللطرون قرب القدس، في مخالفة لقوانين أسرى الحرب.

وتزامن ذلك الإعلان مع تولي رئيس الوزراء الإسرائيلي يائير لبيد مهماته في رئاسة الوزراء.

وتشير الشواهد إلى أن القاهرة ستتعامل بهدوء مع تبعات ما يعلن إسرائيلياً وأن هذا الأمر سيجري في سياق ثنائي ومن خلال توجيه مصري للسفارة المصرية في تل أبيب بمتابعة ما أعلن، ووضعه في سياقه بالتنسيق مع الجانب الإسرائيلي وبصورة رسمية، وليس من خلال الاعتماد على وسائل الإعلام الإسرائيلية التي تتحرك في مساحات كبيرة من التباين والتجاذب بخاصة في الوقت الراهن، ومع بدء الحملات الانتخابية باكراً قبل إجراء الانتخابات البرلمانية الخامسة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

الواقعة المحددة

وفقاً للمعلن صحافياً فإن الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر كان وقع قبل أيام من نشوب حرب 1967 اتفاق دفاع مشترك مع العاهل الأردني الملك الحسين بن طلال، وبمقتضاه نشرت مصر كتيبتين من الكوماندوز في الضفة الغربية قرب منطقة اللطرون، وكانت مهمتهما الهجوم داخل إسرائيل والاستيلاء على مطار اللد [AA1]  والمطارات العسكرية القريبة، وعندما وقع تبادل إطلاق النار مع جنود الجيش الإسرائيلي وأُسر بعضهم، أطلق الجيش الإسرائيلي قذائف هاون في آلاف الدونمات غير المزروعة ليقتل ما لا يقل عن 20 جندياً مصرياً في حريق الأحراش.

ونقل الصحافي الإسرائيلي عن زين بلوخ (90 عاماً) القائد العسكري لكيبوتس نحشون (ما زال حياً) قوله "لقد انتشر الحريق سريعاً في الأدغال، وفي اليوم التالي جاء جنود من الجيش الإسرائيلي مجهزين بجرافة إلى مكان الحادثة وحفروا حفرة ودفنوا جثث الجنود المصريين".

وأثار الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي خلال اتصال هاتفي مع رئيس وزراء إسرائيل يائير لبيد هذا الموضوع، وجرى التوافق على فتح السلطات الإسرائيلية تحقيقاً كاملاً وشفافاً في شأن ما تردد من أخبار في الصحافة الإسرائيلية، وأكد لبيد أن الجانب الإسرائيلي سيتعامل مع هذا الأمر بكل إيجابية وشفافية وسيجري التواصل والتنسيق مع مصر في شأن مستجدات الأمر بهدف الوصول إلى الحقيقة.

ملابسات ودلالات

وتزامن الإعلان الصحافي عن الحادثة مع تولي يائير لبيد رئاسة الحكومة المؤقتة، وهو ما يؤكد أن هناك في الواجهة الإعلامية من يسعى إلى توتير أجواء العلاقات المصرية - الإسرائيلية باكراً، بخاصة أن لبيد تربطه علاقات جيدة مع القاهرة التي زارها مرتين، كما أنه سيظل إحدى الشخصيات المهمة التي ستنافس على رئاسة الحكومة، ولا تقل فرصه عن فرص وزيرة الأمن الداخلي إيلي شاكيد أو وزير الدفاع بيني غانتس.

ومن غير المستبعد أن تكون بعض الشخصيات السياسية وراء الدفع في هذا الاتجاه أو المشاركة في صنعه بعد السماح بنشر الموضوع إعلامياً من خلال صحافي وليس عبر شخصيات سياسية أو عسكرية بارزة، ولم تتبع الرقابة العسكرية القواعد والضوابط التي تطبقها في الإعلان عن مثل هذه القضايا، بخاصة أن الذي بادر بالكتابة صحافي معروف وله ارتباطات محددة بالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، ثم نشرتها صحيفتا "يديعوت أحرونوت" و"جيروزاليم بوست"، وليست شخصية عسكرية أو منتمية إلى المؤسسة العسكرية، مثلما جرى في حالات أكبر وأهم.

سيناريو التعامل

وسيجري التنسيق المصري - الإسرائيلي في إطار ثنائي ومن خلال القنوات الدبلوماسية العادية، والمعلوم أن النقاشات والحوارات المصرية - الإسرائيلية تجري في سياق تبادل المعلومات والاتصالات التي تجري دورياً، وفق صيغة معاهدة السلام بين البلدين، ودورياً في بئر السبع والعريش، ومن ثم فإن الإعلان عن توجيه مصر السفارة المصرية في تل أبيب للتعامل والمتابعة يأتي في سياق ما ينشر إعلامياً وليس دبلوماسياً، فهناك قنوات مصرية - إسرائيلية متخصصة، وعبر لجنة اتصال.

ومن المؤكد أن الأمر سيجري في سياقات محددة وليس عبر وسائل الإعلام التي تريد أن تحرق مهمة ودور الصحافي والإعلامي يائير لبيد وليس رئيس الحكومة المؤقتة، قبل أن يبدأ مهمات عمله رسمياً وحتى نوفمبر المقبل، وقد أوعز رئيس الوزراء الإسرائيلي يائير لبيد إلى سكرتيره العسكري آفي جيل بالتحقيق في الأمر بكل ملابساته.

وفي حالات سابقة تعاملت إسرائيل رسمياً كرد فعل على ما نشره عسكريون سابقون، وشكلت لجان تحقيق رسمية بناء على توجيه من رئاسة الحكومة الإسرائيلية، وجرى إخطار مصر بتفاصيل التحقيقات الرسمية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومن الواضح أن هذا السيناريو سيطبق بصورة أو بأخرى، بخاصة أن الحكومة الإسرائيلية الراهنة تتعامل بمنطق الحرص على علاقاتها مع القاهرة بعد التطور المفصلي الواضح في العلاقات المصرية - الإسرائيلية، وبعد النقاشات الممتدة في شأن توسيع نطاقات الـ "كويز" واستمرار التعاون الاقتصادي وبحث تطوير منظومة التعاون، وجرت زيارات متبادلة بين الوزراء المعنيين بين البلدين مما أدى إلى تحسن العلاقات بينهما في إطار الواقعية السياسية اللافتة التي تجري في الإقليم، وارتكاناً إلى 43 عاماً من تجربة السلام بين البلدين والتي كثيراً ما يشاد بها مصرياً، وبدليل عدم حدوث أية مناكفات أو توترات عسكرية على الحدود، ومن ثم بات السلام بين البلدين مستقراً وهادئاً.

كما أن توقيع مصر وإسرائيل والاتحاد الأوروبي اتفاق نقل الغاز أخيراً إلى أوروبا يشير إلى مرحلة مهمة من العلاقات تعتمد على معادلة المصالح المشتركة والفوائد المتبادلة التي يمكن أن تكون عنواناً لما هو قادم من تطورات حقيقية.

تداعيات محدودة

ومن المستبعد أن يؤثر الإعلان عن حادثة الجنود المصريين في مسارات العلاقات المصرية – الإسرائيلية خلال المديين القصير والمتوسط، بخاصة مع حرص البلدين على استمرار المشهد الراهن في مستويات العلاقات، وهو ما يؤدي إلى سيناريوهات إيجابية وليست صدامية، بخاصة مع الزيارة المتوقعة للرئيس الأميركي جو بايدن للمنطقة، وحرص الولايات المتحدة على إعادة ترتيب الأجواء بين كل الشركاء القدامى مثل الأردن، إضافة إلى العمل على ترطيب الأجواء في العلاقات مع كل من الإمارات والسعودية.

وبالنسبة إلى إسرائيل فهناك حرص حقيقي على دعم مجالات التعاون الإقليمي بين إسرائيل والدول العربية الرئيسة، وقد قطعت كل من مصر وإسرائيل مسافات جدية في هذا الإطار لقيت تقديراً كبيراً في الأوساط الأميركية التي تدرك أن نموذج السلام مع مصر والموقع منذ 43 عاماً قابل لأن يكون المثال لسائر الدول العربية التي أبرمت معاهدات سلام مع إسرائيل، أو التي تعتزم تحقيق ذلك وفقاً لحساباتها السياسية وأوضاعها الداخلية.

مصالح كبرى

جملة من المصالح الكبرى بين القاهرة وتل أبيب تتجاوز أي إشكالات، فبعد فتح خط الطيران المباشر بين البلدين واستقبال رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت ورئيس الوزراء الإسرائيلي الراهن يائير لبيد فإن اتجاهات العلاقات بين البلدين تحكمها ضوابط أهمها خبرة التعامل المشترك، فقد تعرضت العلاقات المشتركة ومنذ سنوات إلى اختبارات حقيقية وأحداث مشابهة، وجرى تجاوزها ثنائياً،من دون تدخل أي طرف ثالث، بما في ذلك الوسيط الموقع على معاهدة السلام وهو الجانب الأميركي، ومن ثم فإن ما سيتم من تحقيق ومتابعة في شأن حادثة الجنود سيتم في هذا السياق ومن خلال بنود معاهدة السلام المستقرة.

وهناك حالات مشابهة في هذا الإطار جرى التعامل معها بواقعية وتجاوزتها الأحداث، إضافة إلى حرص الحكومة الإسرائيلية على تقديم المعلومات التي تملكها وفقاً لمصادر الرقابة العسكرية وما تسمح به، بخاصة أن الحكومة الإسرائيلية تدرك أن مثل هذه القضايا موجهة بالأساس للرأي العام الداخلي في كلا البلدين، وأن الإعلان عن هذه القضية قد يؤدي إلى تبعات على علاقات مصر بإسرائيل خلال الوقت الراهن، وقد تؤدي إلى مشكلات حقيقية ما لم يتم التعامل معها بجدية والإعلان عن تفاصيل ما جرى، بخاصة أن هناك دعاوى مصرية مرفوعة في قضايا مشابهة، وما زال القضاء المصري ينظر في تفاصيلها، وبالتالي فإن مسار أي تحرك إسرائيلي رسمي سيمضي في اتجاه الحرص على العلاقات المصرية - الإسرائيلية وعدم توتيرها، وقد يصدر توجيه حكومي بعدم النشر لاحقاً أو متابعة مثل هذه الأحداث.

وتعلم الحكومة الإسرائيلية الراهنة أن هناك قوى متربصة بكل ما يجري، وأن الهدف إحراجها واختبار قدرتها على التعامل في ظل رهانات بعض القوى الحزبية وبعض رموز الأحزاب اليمينية على عدم منح رئيس الوزراء الراهن يائير لبيد قدرة على توطيد دوره وتنمية حركته السياسية إقليمياً، بما قد يؤدي إلى تغيير في المعادلة الحزبية الراهنة، كما يعلم رئيس الوزراء الإسرائيلي، وهو صحافي وإعلامي معروف في إسرائيل، حيل ومكائد الإعلام الإسرائيلي الملون الذي يوجه بكثير من الدعم المالي الضخم، ومن خلال رجال مال وأعمال يسعون إلى بناء مصالحهم عبر وسائل الإعلام.

الخلاصة

القضية إذاً لن تكون البحث في ملف رفات جنود أو حرق جثث لوقائع تاريخية ربما تكون قد تجاوزتها الأحداث مع التقدير الرمزي لتوابعها وتأثيراتها، إنما الأمر متعلق بمنظومة العلاقات المشتركة مع مصر، ومن المرجح أن لا تتأثر العلاقات بمثل هذه الأحداث وغيرها، وإن كان من الواضح جلياً أن العلاقات مع مصر ستكون أحد مرتكزات الحملات الانتخابية في إسرائيل، وأن كل القوى الحزبية ستسعى إلى إدخال القاهرة في المعادلة المعقدة، باعتبار أن العلاقات مع مصر "ترمومتر" العلاقات مع الإقليم، وبالتالي فإن كل ورقة ستُمنح لرئيس الوزراء الإسرائيلي المؤقت يائير لبيد قد تدفع به إلى موقع رئاسة الحكومة، وأي تعامل مصري مع بعض الشخصيات الوازنة سواء كانت عسكرية أم مدنية سيكون لها تأثيرها الكبير.

وفي ذاكرة القادة الإسرائيليين أن مصر لم تمنح الفرصة لرئيس الوزراء الأسبق نتنياهو لزيارتها ومنحتها لنفتالي بينيت، وهو ما يشير إلى أن القاهرة لديها التأثير والتحرك والتوجيه إن أرادت، وقد سبق أن وجّه الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى الرأي العام الإسرائيلي رسائل مهمة كان لها تأثيرها المباشر الذي عكس طبيعة علاقات القاهرة وتل أبيب، وقبول الجانبين تطوير منظومة العلاقات، بما في ذلك قبول الجانب الإسرائيلي تعديل البروتوكول الأمني الحاكم لمعاهدة السلام بين البلدين.

المحصلة أن حادثة الجنود المصريين موجهة للرأي العام في مصر وهي محاولة لتعكير أجواء العلاقات واختبار قدرة رئيس الوزراء المؤقت يائير لبيد على التعامل، ومحاولة لدفع القاهرة نحو التصعيد في مواجهة ما يُعلَن إسرائيلياً، لكن الواقع يشير إلى أن مصلحة البلدين هي في المضي قدماً نحو تطوير العلاقات المشتركة وفقاً لقاعدة المنافع المشتركة التي ستصبح العنوان الأكبر والمستمر في إطار علاقات البلدين.

المزيد من تحلیل