Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا لم يصبح "أرض رجال الشرطة" من كلاسيكيات السينما؟

كان من المفترض أن يكون فيلم الإثارة البوليسي الصادر عام 1997 الذي يمتلك كل المقومات المعادل الجديد لـ"الأصدقاء الطيبون"، لكن العمل حوصر بالمشكلات التي سببها المنتج التنفيذي هارفي واينستين

استديو ميراماكس كان يأمل أن يفعل "أرض رجال الشرطة" لسيلفستر ستالون ما فعله فيلمها السابق "خيال رخيص" (1994) لجون ترافولتا أي تغيير الصورة النمطية عن الممثل (شاترستوك)

يصيح الشرطي المخضرم في قوات أمن نيويورك راي دونلان (أدّاه الممثل هارفي كيتيل) باحتقار منادياً مسؤول الشؤون الداخلية مو تيلدن (روبرت دي نيرو) الذي كان ينسحب أمامه "أيها الجرذ اللعين"، في بداية فيلم "أرض رجال الشرطة" Cop Land الصادر عام 1997 من كتابة وإخراج جيمس مانغولدز. كان لقاؤهما الخاطف في المقهى مشحوناً جداً - وكان ذلك المشهد المرة الأولى التي يجتمع فيها كيتيل ودي نيرو أمام الكاميرا بمثل هذه الضراوة في فيلم إثارة منذ أن التقيا أيام الشباب في فيلمي المخرج مارتن سكورسيزي "شوارع عنيفة" Mean Streets و"سائق التاكسي" Taxi Driver عامي 1973 و1976 على التوالي.

ربما كان الممثلان صديقين في الواقع، لكن هذا لم يمنعهما من التنافس أمام الكاميرا. كان كلاهما يحاول خطف المشهد من بين أسنان منافسه. يعبث "مو" - الذي يجسده دي نيرو - بالسكر لشرب قهوته، بينما يتذكر راي - الذي يؤديه كيتيل - الفترة التي كانا فيها زميلي دراسة في أكاديمية الشرطة. على الرغم من كل ما يبدو عليهما من حميمية، من الواضح أنهما يبغضان بعضهما البعض. يمثل "مو" سيادة القانون، وراي الشرطي المنحرف، الذي وصل إلى أعلى درجات الفساد الممكنة: شرطي قديم يتحكم بالأمور في بلدة غاريسون المتخيلة، وهي بيئة ضواحي خاملة تبعد أميالاً قليلة عن نيويورك على الجانب الآخر من جسر جورج واشنطن. يعمل نصف سكان البلدة كضباط شرطة هناك.

في أعقاب مقتل جورج فلويد، يبدو الفيلم أكثر موضوعية من أي وقت مضى. ترتكز حبكته على تحقيقات "مو" في مقتل مراهقين أسودين على يد شرطي شاب أبيض متهور. كانت الحكاية مستوحاة من التجارب الشخصية لمانغولد الذي نشأ في واشنطنفيل، وهي بلدة مثل غاريسون الخيالية تقع مقابل نيويورك على الجانب الآخر من النهر.

يوضح الكاتب والمخرج، أن "البيئة التي نشأت فيها كانت نتيجة لما يسمى "الهجرة البيضاء" التي شهدت انتقال أكثر من 800 ألف شخص من البيض من نيويورك بحثاً عن عمل نتيجة معدلات البطالة غير المسبوقة في السبعينيات". كانت هذه حقبة بدت فيها نيويورك سيتي متعفنة من الداخل وتتآكل بسبب الديون والعنف ووحشية الشرطة. يتذكر مانغولد، "خرج الكثير من الشبان ورجال الشرطة ورجال الإطفاء وغيرهم من موظفي الخدمة المدنية. واصلوا عملهم في نيويورك، لكنهم كانوا يعيشون خارج المدينة".

مانغولد الذي تحدث إليّ أثناء استراحة مما بعد عمليات الإنتاج لفيلم "إنديانا جونز"Indiana Jones المقبل الذي لم يحمل عنواناً بعد، كان طفلاً نصف يهودي، ونصف مسيحي. كان والداه فنانين يتمتعان بقيم ليبرالية للغاية. يقول المخرج متذكراً، "[لكنني] نشأت في بلدة كانت التعريف الحرفيّ لـ[معتقدات] ريغان المحافظة، يسودها ارتياب شديد من دولة الرفاهية، في حين أنني لن أقول إن [رجال الشرطة الذين يعيشون في المدينة] كانوا جميعاً عنصريين، لكنهم أصيبوا بجروح عاطفية شديدة بسبب شعورهم بأن وظائفهم كانت عقيمة".

شبه رجال الشرطة أنفسهم بـ"عمال جمع القمامة"، وكانوا يعتقلون الأشخاص نفسهم مرة تلو الأخرى. يقول مانغولد، "المجتمعات التي نشأ فيها معظم رجال الشرطة في مدينتي - بروكلين وكوينز وبرونكس - أصبحت الآن مجتمعات عرقية بالكامل، ولم تعد مناطق بيضاء. في فترة ما كانت برونكس وكوينز مناطق بيضاء بالكامل، يسكنها الإيطاليون والإيرلنديون - لكنها لم تعد كذلك الآن".

لهذا السبب حرص الكثيرون على نقل عائلاتهم خارج نيويورك. وأثرت تحيزاتهم على مواقف أطفالهم - كان زملاء مانغولد في الفصل الدراسي على سبيل المثال - يمتلكون القدر نفسه من عدم الثقة و"النظرة المحتقرة للأعراق الأخرى".

يعتقد مانغولد أن كونك شرطياً في نيويورك في هذه الفترة كان بمثابة "أن تكون جندياً في حرب فيتنام، يعمل بدوام كامل من الساعة التاسعة إلى الخامسة... عاش رجال الشرطة تلك الحياة القاسية بشكل لا يصدق، والتي كانت تتمثل في عبور الجسر والنزول إلى شوارع نيويورك التي كان الجنون يسيطر عليها في ذلك الوقت. كانت الحرب على المخدرات في أوجها وأزمة الإيدز في ذروتها وكانت أزمة الإدمان في أعلى نقطة لها. أفرز ذلك ظلامية من نوع ما. كانت [نيويورك] منطقة حربهم، لكنهم كانوا يعودون إلى منازلهم في مناطق خالية من تلك المخاوف".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في الفيلم، يتم تطبيق القانون في بلدة غاريسون بالفعل بطريقة خاصة متمثلة في العمدة المحلي فريدي هيفلين (أدّاه سيلفستر ستالون)، لكنه شخصية متثاقلة وبطيئة الفهم. إنه أصم في أذن واحدة ويقضي أيامه في التحقيق في المخالفات المرورية البسيطة وفي المساء يلعب لعبة الكرة والدبابيس. صديقه المقرب هو غاري فيغيس (الممثل راي ليوتا)، شرطي مدمن على الكوكايين، يقوم في مشهد مبكر آخر لا ينسى، بإدخال سهم يستعمل في لعبة السهام المريشة في أنف ضابط مارق يضايقه في الحانة.

يقوم مانغولد بالتحقيق في العنصرية والكسب غير المشروع داخل قسم شرطة نيويورك. إنه يقدم ذلك النوع من الألق البصري وصياغة الشخصيات والحوار المتنوع والناضج الذي شهده فيلم "الأصدقاء الطيبون" Goodfellas للمخرج مارتن سكورسيزي قبل بضع سنوات (1990). وبينما كان سكورسيزي يغوص في داخل عالم المافيا في نيويورك، كان مانغولد يضع قوة شرطة المدينة تحت المجهر. تبدو كل منظمة وكأنها انعكاس مشوه للأخرى. تماماً مثل رجال العصابات، يعيش ضباط شرطة نيويورك وفقاً لقانون التكتم على الجرائم "بأسلوب المافيا" الخاص بهم.

كان "أرض رجال الشرطة" يمتلك كل العناصر التي تؤهله ليكون من كلاسيكيات السينما المعاصرة. قدم ليوتا، الذي توفي بشكل مفاجئ الشهر الماضي عن عمر يناهز 67 عاماً، أحد أفضل أداءاته بعيداً من "الأصدقاء الطيبون" في دور فيغيتس الذي يصب كل اهتمامه على نفسه، بضمير منهك وغارق في الندم على دوره في أعمال دونلان السيئة. قدم كيتيل أداءً بنفس الجودة في دور عديم الأخلاق الذي يشبه شخصية الشرير إياغو في مسرحية عطيل لشكسبير، المخلص بشدة لزملائه في الشرطة ولكنه مستعد لقتل أقرب أقربائه لحماية شبكته الإجرامية، هذا الفيلم هو المرة الوحيدة التي يخرج فيها ستالون من صورته النمطية المألوفة كبطل أفلام آكشن، كما أن دي نيرو الذي أطال شاربه من أجل الدور، يضفي كثافة ساخرة على دوره كضابط للشؤون الداخلية.

خلال مرحلة ما قبل الإنتاج، ساند دي نيرو مانغولد - الذي كان مخرجاً شاباً يصنع ثاني أفلامه فقط. يقول المخرج، "قام روبرت بكل ما باستطاعته أثناء الإعداد للفيلم لتمديد فترة العمل لتمضية المزيد من الوقت سوية وفي تحضير السيناريو. عرفني على هارفي [كيتيل]، الذي كان يعيش في نفس المبنى حينها".

 

لم يعمل النجم المخضرم كثيراً مع مخرجين شباب لأنهم كانوا يهابونه جداً. يقول مانغولد، "كان حله لهذه المشكلة هو أن يصادقني ويدعوني لتناول الشاي، وقد ذهبنا في رحلات استكشافية قصيرة للبحث. كان ذلك هدية كبيرة لي. لقد علمني ألا أخاف من الممثلين العظماء، ولكن أن أقدرهم وأعتز بهم. إذا كان ممثل مثل روبرت يريد هذا النوع من التفاعل، فقد افترضت أن جميع النجوم كانوا يريدون ذلك. لقد منحني الحق بألا أخجل من طلب ما أعتقد أنني بحاجة إلى الحصول عليه من الممثلين. عندما يكون لديك كل هذه الشخصيات القوية للغاية وذات السمعة الشهيرة، فهي ما زالت بحاجة إليك كي تكون الرئيس وتتخذ القرارات".

الانسجام بين المخرج الشاب ونجومه واضح. لماذا، إذاً، لم يحظَ "أرض رجال الشرطة" بتقدير أفضل بين النقاد والجمهور.

إذا كانت في الفيلم شخصية شرير لا تنسى أمام الكاميرا جسدها كيتيل، فقد كانت هناك شخصية أكثر خطورة وأضراراً خلف الكواليس تتمثل في منتجه التنفيذي، هارفي واينستين رئيس شركة "ميراماكس" الذي تدخل في كل شيء، من اختيار الممثلين، إلى المونتاج، حتى إنه حاول إعادة كتابة نهاية الفيلم.

ما زال الأثر السيئ لـواينستين يسيطر على الفيلم. كانت أنابيلا سكورا التي شاركت في بطولة الفيلم بدور زوجة ممزقة مرتبطة بأحد رجال الشرطة المارقين العديدين في الفيلم، واحدة من الشهود الرئيسيين الذين يزعمون قيام المنتج سيئ السمعة باعتداءات جنسية خلال المحاكمة التي أجريت عام 2020 وأدت إلى إدانته وسجنه.

يتأفف مانغولد بشدة من سلوك وينستاين "النفعي" وشقيقه بوب وزملائه الآخرين في ميراماكس. ويقول، "بالتأكيد، كان هارفي مخيفاً أكثر بكثير من أي شيء رأيته من قبل أو منذ ذلك الحين فيما يتعلق بالتنمر الخفي. كانت الأجواء المحيطة بهم مفعمة دائماً بالتهديد بالعنف. لم يكن المزاج والتوتر في "أرض رجال الشرطة" مختلفين عما كان في ميراماكس. لقد كانت شركة رعاع نوعاً ما". ويصر المخرج على أن "ميراماكس كانت دائماً تسعى وراء المال" على الرغم من أن أوراقها الرسمية تبين أنها شركة أفلام مستقلة. ويضيف، "لقد كانوا ينشطون في أوساط معينة من شأنها أن تمنحهم جمهوراً حقيقياً، لكن كان الأمر دائماً مجرد تظاهر، كان الحال مثله مثل أي شركة هوليوودية، لكنها تقدم عروضها أمام جمهور مختلف، لكن العنصر الفريد في ميراماكس كان الشخصيات المتضخمة والغرور والعدوانية لدى الرجال الذين يديرون الاستوديو. ونعم، لقد كان الفيلم اختباراً تحت الضغط".

 

يصف مانغولد مرحلة ما بعد الإنتاج بأنها الجزء "الأكثر إيلاماً" من العملية. يطلق مانغولد تنهيدة ويقول بحسرة عن ذكرى من الواضح أنها مؤلمة، "كان الشقيقان وينستين موجودين فعلياً في غرفة المونتاج، جالسين هناك لمدة ثلاث أو أربع ساعات في اليوم في الغرفة... يحاولان استعجال الأمور ويقترحان تقطيع المشاهد بطريقة سخيفة".

كانت ميراماكس تأمل في أن يحول "أرض رجال الشرطة" ستالون إلى شيء شبيه بما فعله فيلم "خيال رخيص" Pulp Fiction الذي أنتجته الشركة سابقاً في عام 1994 بجون ترافولتا. كانت تشجع الجماهير على رؤيته بصورة جديدة، ليس كرامبو أو روكي ولكن كممثل يلعب دور رجل ضعيف ومحطم. قبل ستالون [على مضض] زيادة وزنه من أجل الدور.

يقول مانغولد عن ستالون الذي زاد وزنه في النهاية باتباع نظام غذائي قاسٍ يتناول فيه الكثير من زبدة الفول السوداني، "لقد احتجنا إلى الضغط عليه نوعاً ما حتى يكتسب الوزن. وحتى قبل أسبوعين من البدء، كان بالكاد قد زاد نحو ثلاثة كيلو غرامات ونصف الكيلو. كان يبدو مثل أدونيس إله الخصب والجمال".

غاية الفيلم هي أن الشخصية التي يؤديها ستالون هي رجل عادي يكتشف نزاهته وشجاعته الداخلية. على الرغم من ذلك، كتب هارفي واينستين نهاية سعيدة جديدة ممجوجة للفيلم تظهر ستالون بصورة بطولية أكثر تقليدية، حيث يقوم دي نيرو بقبوله في شرطة نيويورك بينما كان على سريره في المستشفى. نبّه أحد المسؤولين التنفيذيين في ميراماكس مانغولد إلى ما فعله واينستين. نصح المدير التنفيذي مانغولد بألا يتجاهل النهاية الجديدة تماماً. يقول المخرج، "وهكذا اتصل هارفي. وقرأ علي تفاصيل ذلك المشهد... أولاً وقبل كل شيء، الفيلم مظلم للغاية لدرجة أنني لم أكن أعتقد أن الجمهور سيتقبل نهاية سعيدة. وكانت مكتوبة بشكل فظيع ولم أعرف ماذا أفعل".

في نهاية المطاف، اتصل مانغولد بدي نيرو وشرح الموقف، "قال روبرت أنه لن ينفذ تلك النهاية". يوضح مانغولد أن واينستين كان سيدفع له مبلغاً هائلاً للقيام بالمشهد. فأجاب الممثل "لا يهمني كم يدفع لي. أنا لن أقوم بهذا المشهد". كان على واينستين أن يذعن لديّ نيرو ولم يتم تصوير خاتمته.

استمر مانغولد في إخراج أعمال ناجحة مثل "وولفرين" The Wolverine 2013، "لوغان" Logan 2017، "فورد في مواجهة فيراري" Ford v Ferrari 2019، وفيلم السيرة الذاتي عن جوني كاش "السير على الحبل" Walk the Line عام 2005 الذي ترشح لخمس جوائز أوسكار وفازت بطلته بأوسكار أفضل ممثلة في دور رئيس، وإعادة صياغة فيلم الويسترن الشهير من خمسينيات القرن الماضي "3:10 ليوما" 3:10 to Yuma عام 2007، وفيلم الآكشن الكوميدي من بطولة توم كروز "الفارس والنهار" Knight and Day عام 2010.

لقد عمل بنجاح ضمن منظومة شركات الإنتاج وبشكل مستقل، بينما كان يجرب العديد من الأنواع السينمائية المختلفة. مع ذلك، لا يزال "أرض رجال الشرطة" موضوعاً مبدئياً للغاية بالنسبة له. إنه مصدر فخر وإحباط كبيرين. كان القصد من هذا العمل أن يكون فيلماً كئيباً وعنيفاً جداً. يموت جميع أبطاله الرئيسيين في النهاية تقريباً. لقد كان الفيلم بعيداً جداً عن أعمال ثقافة البوب الصاخبة مثل أفلام كوانتين تارانتينو، لكن ميراماكس كانت ما زالت تعلق آمالاً عظيمة بشكل غير منطقي على الفيلم، ولم يكن من الممكن أن يحققها.

"شعرت حتماً أنني قد فشلت. لا يفارقني هذا الشعور... أنا فخور جداً بالفيلم، ولكن لا يمكنك أبداً التراجع عن أمر حدث بالفعل. لا يمكنني أن أنسى أبداً ما مررت به أثناء صناعته"، بدأ صوت مانغولد يخفت.

لكن العزاء على كل حال هو أن الناس "ما زالوا يتحدثون" عن الفيلم، في حين أن العديد من الأفلام الأخرى من حقبة وينستين المرعبة قد اختفت من دون أن تترك أي أثر.

يتوفر فيلم "أرض رجال الشرطة" للمشاهدة عبر خدمة "أمازون برايم" للبث الرقمي. ومن المقرر عرض الجزء الخامس من سلسلة أفلام "إنديانا جونز"، من إخراج جيمس مانغولد والذي لم يتم تحديد عنوانه بعد، صيف العام المقبل.

نُشر في اندبندنت بتاريخ 10 يونيو 2022

© The Independent

المزيد من سينما