Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما بعد رفع الفائدة: هل يستعد الاقتصاد العالمي لركود جديد؟

محللون: عاصفة من التضخم تتجمع في الأفق وعواقب وخيمة لتداعيات مقبلة

من المتوقع أن يتسبب التشديد النقدي في ركود للاقتصاد الأميركي وكثير من الاقتصادات حول العالم (أ ف ب)

اتفق محللون ومتخصصون اقتصاديون أن عمليات رفع أسعار الفائدة يصب في صالح قوة الدولار الأميركي مقابل العملات الأخرى، ما يزيد التحديات أمام الاقتصادات الناشئة ويسحب السيولة منها إلى الولايات المتحدة، ما يهدد بتعثر مالي محتمل وإفلاس دول وعجزها عن إدارة ماليتها العامة. 

وأعلن الفيدرالي الأميركي (البنك المركزي)، الأربعاء، عن أكبر زيادة في سعر الفائدة منذ 28 عاماً في إطار جهوده المكثفة لكبح جماح ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية، مشيراً إلى أن الاحتياطي الفيدرالي رفع سعر الفائدة القياسي بمقدار 75 نقطة أساس ليصل إلى 1.75 في المئة.

ويأتي هذا الرفع، وهو الثالث منذ شهر مارس (آذار)، بعد زيادة مستوى التضخم بشكل غير متوقع لأعلى مستوى في أكثر من أربعة عقود الشهر الماضي. وتوقع حدوث مزيد من الزيادات.

وأظهرت التعليقات الصادرة بعد الاجتماع أن المسؤولين يتوقعون أن تصل أسعار الفائدة إلى 3.4 في المئة بحلول نهاية العام، وهي خطوة سيتأثر بها الناس في صورة ارتفاع تكاليف الاقتراض الخاصة بالرهون العقارية وقروض المدارس وبطاقات الائتمان.

وقال المحللون في تصريحات لـ"اندبندنت عربية"، إن أسعار الفائدة سيكون تأثيرها سلبياً على الأسواق المالية مع تفضيل المستثمرين البعد عن المخاطرة والاستثمار في أدوات الدين الأقل خطراً، والذي من الممكن أن يقود في النهاية إلى ركود اقتصادي عميق يحتاج العالم.

ضغوط متزايدة

من جهته، قال الرئيس التنفيذي لمركز "كوروم للدراسات الاستراتيجية" في لندن، طارق الرفاعي، أن زيادة أسعار الفائدة سيؤدي إلى تعزيز قوة الدولار الأميركي مقابل العملات الأخرى، مما يسبب ضغوطاً متزايدة على الاقتصادات الناشئة، لا سيما مع توقعات استمرار رفع الفائدة مستقبلاً.

وتوقع الرفاعي أن يتسبب التشديد النقدي في ركود للاقتصاد الأميركي وكثير من الاقتصادات حول العالم مع اضطرار الدول لمواكبة تحركات الفيدرالي بشكل متزامن، وهو من شأنه فرض حالة من الركود التضخمي في بعض تلك الدول، وسيكون لها تبعات على قطاع الأعمال والمستهلكين في جميع أنحاء العالم.

ويرى الرفاعي أن بنك الاحتياطي الفيدرالي والبنوك المركزية الكبري تأخرت في رفع أسعار الفائدة، إذ كان بإمكانهم القيام بتلك الخطوة على نحو متدرج خلال العام الماضي، ولكن ترددوا بسبب الخوف على النمو الاقتصادي.

وفى خطوة مماثلة للفيدرالي الأميركي، رفع بنك إنجلترا المركزي أسعار الفائدة للمرة الخامسة على التوالي منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ليرتفع سعره القياسي فوق 1 في المئة للمرة الأولى منذ عام 2009 بمقدار 25 نقطة أساس إلى 1.25 في المئة، وأرسل أقوى إشارة حتى الآن بأنه مستعد لإطلاق العنان لتحركات أكبر إذا لزم الأمر لترويض التضخم الذي قفز إلى 9 في المئة في أبريل (نيسان).

كما رفعت كل من البرازيل وكندا وأستراليا أسعار الفائدة، وقرر البنك المركزي السويسري رفع أسعار الفائدة بشكل غير متوقع لأول مرة منذ عام 2007 بمقدار 50 نقطة أساس إلى سالب 0.25 في المئة، بينما أشار البنك المركزي الأوروبي الأسبوع الماضي إلى أنه سيرفع أسعار الفائدة في يوليو (تموز) للحد من ارتفاع التضخم في منطقة اليورو الذي بلغ 8.1 في المئة الشهر الماضي. 

قوة الدولار 

ويقول المحلل المالي طاهر مرسي، إن هذا الارتفاع بالتأكيد سيصب في صالح الدولار في أسواق الصرف، وهو الذي يسجل ارتفاعات متتالية منذ الرفع الماضي، والذي كان بنصف نقطة فقط، وتجاوز فيها مستوى 105 نقاط على مؤشر العملة الشهير مقابل ست عملات رئيسة على رأسها اليورو والاسترليني والين الياباني. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأشار مرسي إلى أن ذلك يوضح حجم الصعوبات التي ستواجه هذه العملات أمام الدولار بعد الرفع الأخير بثلاثة أرباع نقطة، بخاصة مع التزام البنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان بخفض مستويات الفائدة، وهو ما يعني إمكانية تحسن وضع عملتها أمام الدولار في حال توجهت للرفع مستقبلاً، موضحاً أن ارتفاع الدولار يرتبط بانتعاش أسواق السندات، والاستثمار في أدوات الدخل الثابت بشكل عام، مع تأثر أسواق الأسهم بالسلب. 

ولفت إلى أن الأموال ستتجه إلى البنوك للاستثمار كودائع للحصول على فوائد مرتفعة نسبياً، وأقل مخاطرة مقارنة بأسواق الأسهم، مما يقلص التدفقات الداخلة لأسواق الأسهم، ويزيد التدفقات الخارجة، مما يؤثر على السيولة ومجمل تحركات الأسواق.

ويرى مرسي أن توجه السيولة للبنوك سيؤثر سلباً على حركة الاستثمار، والإنتاج عموماً، ما يؤثر بالسلب أيضاً على سوق العمل، بالتزامن مع خطط خفض التكاليف، التي يعززها تراجع الطلب، مع ارتفاع تكاليف الاقتراض والتي ستؤثر بشكل أكبر على الشركات الصغيرة والمتوسطة، من القطاع الخاص بشكل خاص وقطاع الإسكان، وقطاعات التشييد والبناء، والخدمات العقارية والتي تعتبر من أكبر المتضررين بشكل خاص من رفع الفوائد، حيث ترتفع تكلفة قروض العقارات والسكن، إضافة لارتفاع التكاليف، مما يسبب مشكلات كثيرة لشركات القطاع. 

قمم جديدة 

وبدوره، قال المستشار الاقتصادي محمد مهدي عبد النبي، إنه على الرغم من التداعيات السلبية الناجمة عن ارتفاع الدولار الأميركي على الاقتصاد، فإن الطلب عليه قد يستمر لفترة من الوقت وهو ما يؤثر بالسلب على النشاط الاقتصادي والصادرات الأميركية، بالتالي انكماش النمو الاقتصادي.

وأوضح أن العالم مهدد بشدة بالركود بسبب الإجراءات الأميركية التي ستسحب الأموال من كثير من الدول وتوجهها إلى الولايات المتحدة لتستفيد من أسعار الفائدة المرتفعة. 

ورجح أن الأسواق العالمية ستعاني رفع الفائدة، مع انتعاش أدوات الدخل الثابت، والقطاع المالي، والذي يتحول لأكبر المستفيدين مع ازدهار الأعمال المصرفية في مثل هذه الظروف. 

السيطرة على التضخم 

وبدوره، أكد رئيس قسم الأبحاث لدى "إيكويتي جروب"، رائد خضر: أن الفيدرالي الأميركي فاجأ الأسواق في اجتماعه الأخيرة برفع الفائدة بواقع 75 نقطة أساس، في أعلى وتيرة لرفع الفائدة منذ عام 1994". 

وأوضح خضر أن هذه الزيادة جاءت في إطار محاولته للسيطرة على وتيرة نمو التضخم، والأمر لم يقف عند هذا الحد، بل رفع البنك توقعاته لمسار رفع الفائدة على أن تصل بحلول نهاية العام الحالي ما بين 3 في المئة إلى 3.50 في المئة. 

المشكلة الأساسية تبقى قائمة، وهي أن ارتفاعات الأسعار لم ترجع فقط بسبب السياسات النقدية التوسعية وضخ سيولة في السوق التي لجأت لها البنوك المركزية وقت جائحة كورونا، بحسب الخضر. 

وأوضح خضر أن ارتفاع الأسعار يعود بشكل أساسي إلى كسر سلاسل التوريد، سواء مع استمرار الحرب بين روسيا وأوكرانيا والتي تسببت في نقص المعروض وارتفاع أسعار السلع الأولية. أو بسبب التداعيات السلبية الناجمة عن تفشي الوباء واستمرار الإغلاقات في الصين حتى وقتنا هذا. 

ولفت إلى أن استمرار الإغلاق في الصين قد يتسبب في تفاقم اضطرابات سلاسل التوريد، بالتالي المشكلة الرئيسة لن تكون في السياسات النقدية، لأنه طالما استمرت التوترات الجيوسياسية ستكون هناك صعوبة في نجاح الفيدرالي بالسيطرة على معدلات التضخم. 

وأشار خضر إلى أن رفع الفائدة بوتيرة سريعة قد تتسبب في زيادة الدين العام وزيادة تكلفة الإقراض الخارجي والواردات، بالتالي تباطؤ قوي في الاقتصادات الناشئة وتعثر موازنتها. 

تأثر أسواق الأسهم 

وبدوره، أوضح محلل الأسواق العالمية، محمود عطا، أن سوق الأسهم الأميركية التي انخفضت بنسبة 20 في المئة تقريباً منذ يناير (كانون الثاني) الماضي غالباً ما ستتأثر بالسلب بسبب قرار الفيدرالي، فعلى الرغم من توقع 85 في المئة من المتعاملين في السوق الأميركي لهذا القرار، فإن تطبيق القرار فعلياً دائماً ما يكون له آثاره، لأن رفع الفائدة يقترن بمخاوف الركود ويعطي بديلاً مقبولاً في السندات مقارنة بالأسهم. 

وأكد عطا أن الأسواق تتصرف على مرحلتين الأولى هي "التحوط" للأزمة أو الصدمة، والثانية هي "امتصاص" الصدمة، مشيراً إلى أن الاتجاه الهابط يعززه بالفعل رفع الفائدة الذي يدعم مخاوف الركود ويقود السوق نحو مزيد من التراجع.