Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"لا أرى أي بصيص أمل": الحرب تفاقم ارتفاع الأسعار في أوروبا

أدّت الحرب الروسية في أوكرانيا إلى تسارع وتيرة التضخم في جميع أنحاء أوروبا وارتفاع أسعار الطاقة ومواد البناء والمواد الغذائية بمعدلات غير مسبوقة منذ عقود

لا أرى أي بصيص أمل (أ ب)

يتفقد إدواردو رونزوني موقع ورشة بناء على مقربة من مدينة ميلانو كان قد اضطر إلى تعليق العمل فيها في شهر مارس (آذار) عقب ارتفاع تكلفة مواد البناء بشكل حاد. ليس بمقدوره استكمال أعمال بناء دوار نصف جاهز يقع عند تقاطع يعرف بكثرة الحوادث المرورية البسيطة، وذلك لأن تكلفة الأسفلت وأنابيب الحديد الصب والخرسانة أضحت باهظة جداً نتيجةً لتفاقم الأسعار جراء الحرب الروسية في أوكرانيا.

توقفت مشاريع القطاع العام في إيطاليا تماماً في الوقت الذي يضخ فيه الاتحاد الأوروبي 108 مليار يورو (نحو 114 مليار دولار) من الأموال المخصصة للتعافي من الجائحة بهدف إطلاق مشاريع بناء غير مسبوقة.

ويشعر رونزوني بالأسف لأن شركته فوتت فعلياً الأشهر الثلاثة الأكثر ازدحاماً بالعمل وهو يتوقع الأسوأ في المستقبل. ويقول: "نخشى ألا نتمكن من العمل هذا العام. ونقوم حالياً بإغلاق جميع ورشنا".

وأدّت الحرب إلى تسارع وتيرة التضخم في أنحاء أوروبا والعالم وزيادة أسعار الطاقة ومواد البناء والمواد الغذائية بمعدلات لم نشهدها منذ عقود، فقد أصبحت الأسعار خيالية وصادمة في متاجر البقالة ومحطات الوقود وفواتير الكهرباء ومواقع البناء.

إن ارتفاع أسعار النفط والغاز هو المحرك الرئيس للتضخم في أوروبا، التي تعتمد بشكل كبير على الطاقة الروسية لتوليد الكهرباء وصناعة الطاقة. ومن المتوقع أن يصل التضخم إلى زهاء 7 في المئة هذا العام في الاتحاد الأوروبي الذي يضم 27 دولة، ويسهم في إبطاء توقعات النمو.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لقد اضطر تجار الأسماك والمزارعون إلى فرض أسعار على صيدهم ومحاصيلهم هم أنفسهم يعتبرونها أسعاراً فلكية. فارتفاع أسعار الوقود يهدد بشل حركة النقل البري للبضائع في حين تشهد أسعار الخبز ارتفاعاً من بولندا إلى بلجيكا. وفي بلدان مثل بلغاريا اندلعت احتجاجات جرّاء ارتفاع الأسعار، ومع أن الحكومات استجابت من خلال تخفيضات ضريبية ومساعدات أخرى، فإنها تواجه قيوداً في تخفيف تأثير أسواق الطاقة المتقلبة.

حتى المقتصدون في المصروف، والذين يربون الدجاج في الفناء الخلفي، يتساءلون عما إذا كان سعر العلف يستحق البيض الذي تنتجه الدجاج. تقوم ألينا تشيرنيك، التي تعمل مساعدة متجر في وارسو، بحساب مصروفها بدقة في ظل زيادة أسعار الحبوب التي تطعم دجاجاتها بها بنسبة تتراوح بين 150 في المئة إلى 200 زلوتي (45 دولاراً) لكل 100 كيلو غرام (220 جنيهاً).

تعطي هذه الحسابات المرء إحساساً بعدم الجدوى، لا سيما لذوي الدخل المنخفض.

تقول إيفا فوشسوفا، وهي أم لثلاثة أطفال تعيش في بلدة توسكوف في غرب جمهورية التشيك: "لطالما كنت شخصاً إيجابياً، ولكن في الوقت الحالي لا أرى أي بصيص أمل يلوح في الأفق. يجب أن أقلل من نفقاتي. أشتري الفواكه والخضراوات حتى يحصل أطفالي على كل شيء، ولكني لا آكل منها".

يصفها الاقتصاديون بأنها عاصفة هوجاء هبّت عندما أطلقت الدول العنان للإنفاق لتحفيز الانتعاش الاقتصادي من جائحة "كوفيد-19". طغى ارتفاع طلب العملاء على المصانع والموانئ ومناطق الشحن، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار.

أضف إلى ذلك أن الحرب في أوكرانيا منعت صادرات المواد الخام مثل الحديد الصلب والمعادن التي حافظت على نشاط وقوة أوروبا الغربية، وكذلك السلع مثل الحبوب وزيت البذور، مما زاد من حدة النقص في جميع أنحاء العالم.

وتشهد بلدان أوروبا الوسطى والشرقية معدلات تضخم عالية جرّاء قربها من ساحات القتال في أوكرانيا، إذ ارتفعت الأسعار في أبريل بنسبة 14.2 في المئة في جمهورية التشيك، و12.3 في المئة في بولندا، و10.8 في المئة في اليونان في حين زادت بشكل لافت للنظر في تركيا بنسبة 61 في المئة، مما تسبب في خسارة عملة البلاد 44 في المئة من قيمتها مقابل الدولار العام الماضي.

يقول عمال المتاجر من وارسو إلى إسطنبول، إن مشتريات العملاء تقلصت، وأصبحوا يشترون سلعاً منخفضة السعر، وتوقفوا عن شراء الأصناف الجمالية مثل الزهور الطبيعية والأصناف التي يمكن أن يؤجلوا شراءها مثل الملابس الجديدة.

وفي العاصمة التركية، قال القصاب بيرم كوزا إنه شهد انخفاضاً في المبيعات بنسبة 20 في المئة بعد أن تضاعفت الأسعار تقريباً، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى تكلفة العلف. وأوضح أن ذلك يجعل تربية الماشية غير مربحة، مضيفاً أن عدداً كبيراً من المزارعين باعوا مزارعهم، وانتقلوا إلى المدينة.

وأشار، "حتى في (منطقة الأثرياء) كانكيايا، لم يعد الناس يشترون وفقاً لاحتياجاتهم، ولكن وفقاً للتكلفة التي يمكنهم تحملها. فالذي كان يشتري كيلو غرامين من اللحم المفروم أصبح يشتري الآن كيلو على الأكثر".

وفي جزيرة رودس اليونانية، يستيقظ صاحب مطعم الأسماك باريس باراسوس عند الفجر للذهاب في رحلات صيد للتقليل من التكاليف، لكنه ما زال مضطراً إلى رفع الأسعار في مطعمه في المدينة الرئيسة بالجزيرة بسبب ارتفاع أسعار زيت الطهي أربعة أضعاف. إضافة إلى ذلك، زادت فواتير غاز الطهي والكهرباء ثلاثة أضعاف.

وقال باريس: "يمكنني خفض جودة الطعام والإكثار من استخدام الزيت، لكنني أرفض اللجوء إلى ذلك. نريد أن يعود العملاء إلينا ويتوقعوا أن يجدوا نفس الجودة".

وفي بولندا، ارتفعت أسعار الخبز بنسبة 30 في المئة، مما دفع المتسوقين إلى اللجوء إلى منافذ البيع ذات الأصناف المخفضة. ويقوم الخبازون في بلجيكا بتسريح العمال جراء ارتفاع أسعار الرغيف بمقدار 30 سنتاً، إلى 2.70 يورو (2.85 دولار أميركي).

وقال ألبرت دينونسان، رئيس اتحاد المخابز الناطق بالفرنسية، لراديو "لوس أنجليس بريمير": "أعرف بعض الخبازين الذين يعملون 13 أو 14 ساعة في اليوم للخروج من هذه الأزمة والالتزام بسداد قروضهم. ويمكننا أن نفعل ذلك لفترة من الوقت، ولكن عندما أسمع إدارة البنك الدولي تقول إن هذا الوضع سيستمر حتى عام 2024، أعرف أننا لن ننجح".

في إسبانيا، حصل سائقو الشاحنات على إعفاء من أسعار الديزل بفضل التدابير الطارئة التي اتخذتها الحكومة، بما في ذلك خصم بسيط، وسمح لهم بأن يحسبوا تكلفة وقود عالية على العملاء.

ومع ذلك، فإن العبء ما زال ثقيلاً، حيث يقول أوشكار بانيوس، الذي يقود مقطورة البضائع الخاصة به من بلدة بلنسية بوسط إسبانيا، إن الإطارات ارتفعت من 400 إلى 500 يورو، وزادت تكلفة كابينة الشاحنة الجديدة من 100 ألف إلى 120 ألف يورو في حين ارتفع لتر الديزل من 1.20 إلى 1.90 يورو، العام الماضي، وذلك يعادل غالوناً من البنزين ارتفعت تكلفته من 4.80 دولار إلى 7.60 دولار.

ويضيف، "هناك قدر كبير من عدم اليقين يشوب جميع المجالات، وليس فقط قطاعنا".

ويواجه سوق السيارات في أوروبا أيضاً ارتفاعاً في الأسعار، حيث شهد إغلاق مصانع في أوكرانيا وفرض عقوبات على روسيا ونقص أشباه الموصلات العالمي الحالي، مما يعوق إمدادات المكونات اللازمة لصنع السيارات.

ونتيجة لذلك، من المتوقع أن يرتفع متوسط أسعار السيارات الجديدة في أوروبا من 500 دولار إلى 2000 دولار هذا العام، وفقاً لنيشانت ميشرا، المدير المساعد لأبحاث الاستثمار في شركة (Acuity Knowledge Partners).

وبالعودة إلى ميلانو، يُعد مشروع الدوار واحداً فقط من عدة مشاريع اضطر رونزوني لإغلاقها في الأشهر الأخيرة، ويواجه صعوبة في تسليم الأعمال المطلوبة بحسب الأسعار المتعاقد عليها.

فارتفاع التكاليف يعني أن الشركات لن تشارك في أي عطاءات لتنفيذ مشاريع عامة، بما في ذلك جسر في روما، كان من المقرر أن يكون أول مشروع يتم بناؤه بتمويل من صندوق التعافي الأوروبي. إن الأموال التي خصصها الاتحاد الأوروبي للبنية التحتية، والتي تبلغ نحو نصف قيمة 220 مليار يورو معرضة للخطر، إلى جانب الوظائف التي ستوفرها، وفقاً للرابطة الوطنية لعمال البناء.

أعلنت الحكومة 3 مليارات يورو للمساعدة في تغطية زيادة الأسعار، ولكن شركات الإنشاء ترى أنها ليست كافية، بسبب ارتفاع متوسط التكلفة بنسبة 40 في المئة، وأحياناً أعلى من ذلك بكثير. وقال رونزوني، إن أسعار الحديد، على سبيل المثال، ارتفعت بنسبة 170 في المئة.

"وذلك يُعد ارتفاعاً هائلاً".

أسهم مراسلو وكالة أسوشيتد برس سوزان فريجر من أنقرة، تركيا، ومونيكا سيسلوسكا من وارسو، بولندا، وجوزيف ويلسون من برشلونة، إسبانيا، وديريك جاتوبولوس من أثينا، وكاريل جانيسك من براغ، وكلفن تشان من لندن، وبول وايزمان من واشنطن، وصمويل بيتركين من بروكسل، وفيسيلين توشكوف من صوفيا، بلغاريا.

 

نشرت اندبندنت هذا المقال في 20 مايو 2022

المزيد من دوليات