Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"ممر الصدمة" لفولر: سينما وصحافة وتحليل نفسي على شاشة إشكالية

السينما الشعبية حين تدنو بقوة من الشؤون السياسية وهموم المجتمعات

مشهد من فيلم "ممر الصدمة" (موقع الفيلم)

هو أمر لا بأس من العودة إليه مراراً وتكراراً كلما جرى الحديث عن السينما وعلاقتها الوثيقة بشؤون الحياة، حتى خارج تلك العلاقة التي تم التعارف على أنها تكاد تكون علاقة جذرية بينها وبين شتى الفنون والآداب. وما نتحدث عنه هنا هو تلك العلاقة التي تقيمها السينما مع الصحافة من ناحية والتحليل النفسي من ناحية أخرى. ولئن كانت علاقة الفن السابع بالصحافة تبدت دائماً متشعبة ومتنوعة فإن علاقته بالتحليل النفسي كانت أكثر من ذلك. بل إنهما معا توأمان ولدا وترعرعا إلى حد كبير عند بدايات القرن العشرين ولم تنفصم عرى الترابط بينهما منذ ذلك الحين.

ومع ذلك تأخر الباحثون في تكريس مؤلفات عميقة لتلك العلاقة حتى وإن كانوا قد تنبهوا منذ بدايات السينما إلى قدرتها على النهل من ذلك العلم بأشكال متفاوتة. وإذا كان ثمة من بين مخرجي السينما وكتابها مبدعون نافسوا فرويد وأصحابه في الجمع بين نوعي الإبداع هذين، من دراير إلى كروننبرغ ومن هتشكوك إلى مجمل محققي أفلام التشويق والرعب الوارثين لهذا الأخير في ثنايا أفلامهم، فإن صمويل فولر الأميركي يتميز ربما بجمع السينما والتحليل النفسي إلى الصحافة في عدد من أفلام له لا تبدو في ظاهرها مهتمة بذلك الأمر، لكن التفرس فيها يوصلنا إليه كربط بين الممارسات الثلاث. ومع ذلك يمكن دائماً التوقف عند فيلمه الأشهر "ممر الصدمة" بوصفه الفيلم الذي عبر وربما بشكل يبدو خطياً عن ذلك التلاحم الذي كان من مميزات سينما فولر. ومن المؤكد أن قدرته على ذلك أتت من كونه كان صحافياً متخصصاً في كتابة حكايات الجرائم الحقيقية وتحليلها قبل أن يكون سينمائياً.

إلى الحدود الأكاديمية

ومن هنا لم يكن غريباً أن يأتي "ممر الصدمة" كموضوع أكاديمي لدراسة العلاقة التي نتحدث عنها، ناهيك بكونه الفيلم الذي أوصل مخرجه التحليل النفسي على الشاشة إلى ذروة غير مسبوقة في تاريخ السينما، موفراً لمن أتوا بعده من سينمائيين طموحين نموذجاً مبهراً في الكيفية التي يمكن فيها للسينما أن تنهل من التحليل النفسي وتصب فيه، ونموذجاً للفيلم الذي يسند الدور الأساسي فيه لصحافي، يمكن اعتباره الأنا/ الآخر لفولر نفسه، لا يقوم بعمله في الفيلم كمراقب وإنما كمنتحل لشخصية مجنون، كي يتحرى أوضاع مأوى للأمراض العقلية في لهجة اتهامية تكشف عن الدور الذي يجدر بالصحافة أن تتدخل به في الحياة الاجتماعية. ويقيناً أن القوة الرئيسة لـ"ممر الصدمة" تكمن هنا، بأكثر مما تكمن في مشاهد العنف والرعب والقسوة السادية والفساد الإداري، التي هي جميعاً من سمات هذا الفيلم ومكونات موضوعه.

نجم في عالم السينما

من ناحية مبدئية يعتبر الأميركي فولر سينمائياً شعبياً، تتسم أفلامه الحافلة دائماً بمشاهد العنف والمتأرجحة بين شتى الأنواع التي اعتاد شيء من القسوة أن يطبعها (أفلام التجسس، الأفلام الحربية، سينما الجريمة، سينما رعاة البقر)، فإن سينمائيين اثنين كبيرين من أكثر صانعي الأفلام طليعية، أشارا إليه بشكل أو بآخر، إشارة ذات مغزى، في واحد من أفلام كل منهما: فمن ناحية نجده ماثلاً في أحد مشاهد "بيارو المجنون" لجان – لوك غودار، ومن ناحية ثانية نلاحظ أن أحد شخوص فيلم "الحالمون" لبرناردو برتولوتشي، ينكب في أحد مشاهد الفيلم على مشاهدة فيلم لفولر من على الشاشة الصغيرة. في مكان ما، عرف الطليعيون كيف يجعلون لفولر مكانة في نصهم السينمائي. والحقيقة أن فيلم "ممر الصدمة" كان وحده، من بين أفلام فولر جميعاً، كافياً لإعطائه تلك المكانة.

متسلل تحت قناع مجنون

يتحدث "ممر الصدمة" الذي كتبه وحققه صامويل فولر بين العامين 1963 و1964، عن صحافي طموح رغب ذات يوم في أن يكتب تحقيقاً صحافياً ينال عليه جائزة بوليتزر الشهيرة. وتلوح له الفرصة حين تحدث جريمة داخل مصح عقلي، فيقرر أن يدَّعي الجنون ليتسلل، كمريض، إلى داخل المصح متحرياً ليس فقط عما حدث، بل أيضاً عن الحياة الحقيقية داخل ذلك النوع من المصحات. وهكذا بعدما يتدرب على "الجنون" لفترة يتمكن من التسلل إلى داخل ذلك الحصن الحصين، ليكتشف من فوره أن ثمة ثلاثة شهود على الجريمة يمكنه الاعتماد على شهاداتهم بغية تحقيق غايته: أولهم جندي أميركي سابق كان قد أُجرى له نوع من غسيل الدماغ في كوريا خلال مشاركته في حربها. والثاني طالب جامعي أسود، تعرض خلال الفترة الأخيرة للكثير من المضايقات العنصرية بحيث بات يخيل إليه الآن أنه عضو في جماعة كو كلاكس كلان، العنصرية البيضاء المتطرفة التي جعلت من اضطهاد السود سلاحها وغايتها، أما الثالث فعالم ذرة أدت به بحوثه في مجال العلوم الذرية إلى الإحساس بأنه قد عاد إلى الطفولة.

سر الجريمة الخفي

في الداخل إذاً، سوف يختلط الصحافي بهؤلاء الثلاثة، وغايته الوصول طبعاً إلى معرفة سر الجريمة التي هو هنا للتحقيق فيها. ولسوف يقوده عالم الذرة بالتحديد إلى كشف السر، بحيث إن التحقيق الذي يجريه الصحافي لينشره في صحيفته سوف يحقق في النهاية الغاية المزدوجة منه: حصول الكاتب على جائزة بوليتزر، وتوصل الشرطة إلى معرفة الجريمة ومرتكبيها. غير أن هذا كله سرعان ما سوف يصبح ثانوي الأهمية في الفيلم. فمن ناحية أولى سيرتدي الفيلم طابعاً سياسياً واضحاً بالنسبة إلى ثلاث من المعضلات الأساسية التي كانت تواجه المجتمع الأميركي في ذلك الحين: قضية العنصرية، وقضية الحرب، وقضية دور العلم في المجتمع. فالمسألة العنصرية تبدو ماثلة بقوة من خلال النزيل الأسود الذي هو هنا ضحية حقيقية للتعامل العنصري كما كان سائداً في الولايات المتحدة خلال النصف الأول من سنوات الستين. ومن هنا لا يبدو حضور النزيل الأسود وتماهيه المتوهم مع مضطهديه من جماعة الكو كلاكس كلان من قبيل الصدفة، بل إن الفيلم يتيح العديد من السجالات والاعتراضات المتعلقة بهذه القضية، في سياقه.

الحرب وتأثيراتها

وبالنسبة إلى الحرب وتأثيرها، ليس في العدو، بل في الجنود الذين يخوضونها، كان أمراً ماثلاً في السجالات الفكرية الأميركية في ذلك الحين، أي في وقت كانت فيه أجراس الحرب الفيتنامية تقرع بقوة، وكانت أميركا لا تزال تعيش الآثار النفسية المدمرة للحرب الكورية. وهذه القضية برمتها يعبر عنها بالتالي وجود الجندي كنزيل وتأثيرات غسل الدماغ على سلوكه وحياته الآن. أما بالنسبة إلى العلم، وما يتعلق على وجه الخصوص بالسلاح الذري والهيدروجيني الذي كان على كل شفة ولسان في ذلك الحين، فها هو ذا العالم الذري النزيل، يذكرنا به. والحقيقة إن اللافت هنا في هذه الحالات الثلاث هو أن كل داء مما يصيب المجتمع الأميركي ويثير مخاوفه، إنما صور هنا من خلال انعكاسه على الأفراد وليس فقط من خلال فعله في الجماعة.

جنون الارتياب

في المقابل، هناك مسألة الصحافي نفسه، فهو، وبعد أن حقق فوزه بجائزة بوليتزر، كما حقق الكشف عن الجريمة، كان لا بد له من أن يدفع الثمن: فهو ما إن انتهى من عمله وإنجازه، حتى أدى تراكم علاقته بالمصح والشخصيات التي تعامل معها، إلى تحويله هو الآخر إلى مريض نفسي، ومن النوع الخطر تحديداً... صار ذهان الارتياب طاغياً عليه، بحيث بات -على سبيل المثال- ينظر إلى صديقته معتبراً إياها أخته. لقد حوله المصح إلى مجنون. وتلك رسالة لم يفت الفيلم أن يركز عليها، ممهداً بهذا للعديد من الأفلام التي تلته في أزمان لاحقة لتقول الشيء نفسه (الحالة الأكثر إيلاماً وطغياناً، على سبيل المثال هنا، هي حالة الشخصية التي يلعبها جاك نيكلسون في فيلم "واحد طار فوق عش الوقواق" الذي حققه ميلوش فورمان أواسط سنوات السبعين)، ففي الحالتين لدينا ذلك الاتهام للمصحات العقلية بأنها أداة لتصنيع المجانين... وهو الاتهام الذي نعرف أنه، في العقود التالية قد فتح الأبواب واسعة أمام سجالات واتهامات، من الواضح أنها لم تهدأ حتى الآن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من أميركا إلى العالم

ولد صامويل فولر (1912-1997) في ماساشوستس الأميركية وكان صحافياً وكاتباً وكاتب سيناريو ثم مخرجاً سينمائياً من النوع الذي يحلو له أن تثير أفلامه أنواع السجالات والاعتراضات. وهو كتب العديد من السيناريوهات لمخرجين آخرين، ومثل في بعض الأفلام. وكان أول فيلم من إخراجه "أطلقت النار على جيسي جيمس" (1949) والأخير "مادونا والتنين" (1990)، وحقق بينهما نحو عشرين فيلماً يمكن القول إن معظمها قد حقق نجاحات تجارية كبيرة، وبعضها حقق إلى ذلك نجاحات نقدية... في أوروبا بخاصة.

المزيد من ثقافة