صور من الشرق والغرب تتشابك في لوحات خالد حافظ

"حدث ذات مرة في عدن" معرض مصري

 لوحة من معرض الفنان خالد حافظ (اندبندنت عربية)

يجمع المعرض الذي تستضيفه قاعة "أفق" في القاهرة  أعمالاً تصويرية وفيديو ومجسمات نحتية أنجزها الفنان المصري خالد حافظ خلال السنوات الخمس الماضية. المعرض بجميع عناصره يمثل حالة بصرية وملمحًا قريبًا لتجربة حافظ التصويرية، فهو يحتوي حصيلة لا بأس بها من الصور والعلامات الكثيرة التي طالما وظفها الفنان في أعماله عبر مراحله المختلفة.

يقام المعرض تحت عنوان "حدث ذات مرة في عدن" ربما يكون للاسم الذي يتضمنه العنوان (عدن) وقعه الخاص، فهو اسم مألوف عند أتباع الديانات السماوية الثلاث، فعدن هي الجنة التي وُعد بها المؤمنون، وموضع الغواية التي ألقت بآدم إلى أرض المحن، وأيضًا اسم للمدينة القديمة التي تحتل اليوم صدارة الأخبار المتداولة في منطقة تكتوي بنار الحرب والصراع. يحمل العنوان أيضاً دلالة سردية تعكس ولع الفنان بالرواية والحكي، وكذلك المزج والعبور بين الحقب والأزمنة. الماضي والحاضر معاً يحتويهما الاسم نفسه، يتجاوران، ويتشابك كليهما مع الأسطورة والتاريخ والدين. ربما يكون الاسم على هذا النحو اختياراً جيداً لمعرض يحتفي بكل ذلك، معرض يتحرك بخفة على عتبات كل هذه الاستعارات البصرية الملامسة للاسم. أعمال حافظ تشكل واقعاً بديلاً، كما تبحث عن هوية إنسانية تجمع في بوتقتها الرموز التاريخة القديمة بالعلامات والأساطير المعاصرة.

كفنان مصري يوظف خالد حافظ حائط الرسم الفرعوني كخلفية لتلك الهوية البصرية البديلة، خلفية ينطلق منها لتشكيل أسطورته الخاصة أو علاماته المُهجنة. هنا تظهر الآلهة الفرعونية لتتحرك بين صفوف الجنود المعاصرين. عارضات الأزياء اللاتي نشاهدهنّ على صفحات "الموضة"، والرياضيون المفتولو العضلات، أساطير السينما ونجوم الرياضة، وشخصيات القصص المصورة (كوميكس) التي شكلت ولاتزال وعي الملايين حول العالم تتشارك فضاءً واحدًا مع الإلهة "حتحور" ربة الخير والعطاء عند المصريين القدماء. بين العلامات والصور تتكرر عناصر ويظهر غيرها على استحياء، عناصر تنتمي إلى حضارات قديمة، وأخرى تشكل وعينا الآني، وكلها تتجاور وتتشابك ملامحها على سطح المساحة، كأننا إزاء مقارنة بصرية بين الأسطورة القديمة والحديثة. الإله المصري أنوبيس الذي يحمل رأس ابن آوى تتداخل صورته هنا مع هيئة الرجل الوطواط أو "بات مان" تطالعنا أيضاً صور لطائرات وسيارات حديثة إلى جوار رسوم وتمائم تنتمي إلى حضارات غابرة... صفوف من الجنود تتحرك على مساحة اللوحة بفعل التداخل بين المساحة المرسومة والصورة المتحركة لشريط الفيديو الذي يتم بثه عبر جهاز العرض الضوئي، وثمة مُزق من أوراق مكتوبة بالحروف العربية واللاتينية.

مساحة تصويرية

نحن أمام مساحة تصويرية عامرة بالرمز والصور والأساليب، بين رسم وتلوين وكولاج (قص ولصق) ومزج بين وسائط مختلفة، هذا خلافاً للمجسمات النحتية المعروضة في وسط القاعة كبقايا مقبرة فرعونية قديمة حديثة الاكتشاف. بين المجسمات المصنوعة من الخشب والكتان، والمطرزة جوانبها باللون نلمح هياكل لمفردات قديمة إلى جانب أخرى حديثة: كاميرا صغيرة، ومضرب كرة، وساعة يد، كلها عناصر تحولت إلى مايشبه اللقى أو الأحافير القديمة، كأننا ننظر إليها بعيون أناس آخرين سيأتون بعدنا، يبحثون عن ولعنا بالأشياء والتفاصيل، وينقبون عن تلك الأساطير التي شكلت حضارتنا البائدة.

اللون في أعمال خالد حافظ هو لون صريح في معظم الأحوال. درجات اللون هنا تشي بتقاطعات من خطوط صاعدة وهابطة تتحرك حولها العناصر وتحلق العلامات. الرموز هنا هي الرموز نفسها التي استخدمها الفنان في أعمال سابقة: الصور المستدعاة من الصحف والمجلات، والعناصر المستوحاة من الرسوم الفرعونية، صورة اللبؤة التي وظفها من قبل تعاود الظهور هنا أيضاً، كما تتأكد أساليبه البنائية في تشكيل المشهد من طمس وإزاحة وتوظيف الخطوط المتقاطعة والإيهام بالحركة. كلها عناصر تشكل ملامح التجربة التصويرية للفنان خالد حافظ، كما تتقاطع أيضاً بعض ملامحها مع وسائطه الأخرى من فيديو وأعمال مركبة.

تخرج الفنان خالد حافظ في كلية الطب، ودرس الفن في القسم الحر بالفنون الجميلة في القاهرة ثم أكمل دراسة الفن تباعًا في الولايات المتحدة والنمسا. أقام الفنان أول معارضه في القاهرة عام 1987 قبل أن يتخلى عن مهنة الطب ويتفرغ لممارسة الفن في منتصف التسعينيات من القرن الماضي. بلغت حصيلة المعارض الفردية التي نظمها خالد حافظ حتى الآن أكثر من 28 معرضاً موزعة بين القاهرة وعدد من العواصم الأخرى.

المزيد من ثقافة