العلمانية في سوريا تخوض أشرس معاركها لفصل الدين عن الدولة

التحالف الوليد أخذ يستقطب رواداً غالبيتهم يحملون فكراً تنويرياً مع تزايد عدد المنضمين

العلمانيون أمام تحدي الاستمرار بعد تحالفهم الجديد الذي يستقطب النخب والأوساط الشعبية (اندبندنت عربية)

لم يمض وقت على إعلان عضو مجلس الشعب نبيل الصالح، إطلاق التحالف العلماني السوري، حتى نال سيلاً من التأييد والاصطفاف إلى جانب مطالب أدرجها في بيانه الأول في 21 مارس (آذار) 2019 بصفته الناطق باسم التحالف، أبرز ما جاء فيه انتقاد عمل الأحزاب السياسية والتشدد الديني، مع رفض حالة الفساد.

 لم يرق ما ورد في البيان للكتل البرلمانية التي تنضوي تحت جناح الأحزاب السياسية (المحافظين) والتي لم تنكفئ بمطالبة رفع الحصانة البرلمانية عن الصالح، أحد مؤسسي التحالف العلماني السوري، بعد مرور شهر من إعلان تأسيس التحالف.

تحت القبة

وأثارت مداخلات البرلمانيين، جلّهم من الكتل السياسية، في 9 يونيو (حزيران) 2019 جدلاً في الأوساط الشعبية حول قبول ما يطرحهُ التحالف العلماني، واتهام نبيل الصالح، وهو برلماني وكاتب سوري، كرأس حربة لهذا التحالف وعرابه في محاربة مؤسسات الدولة التشريعية والحزبية والدينية.

وتصاعدت حدة مداخلات النواب السوريين تحت قبة مجلس الشعب، متهمين زميلهم النائب العلماني ببث الاتهامات الكيدية والكاذبة بحق الدولة ومؤسساتها، فيما طالب البرلماني عمار الأسد في مداخلته، النائب الصالح بالاعتذار من الشعب السوري ومؤسساته، منتقداً ممارساته وأسلوبه الذي "يندرج في إطار نيل إعجاب الأوساط الشعبية".

وعزا الصالح هجوم مجموعة من المحافظين إلى أنهم "يخشون كل تطور فكري جديد، في وقت يهدف تحرك العلمانيين إلى توسيع دائرة التفاعل بين المؤسسة التشريعية والشعب"، قائلاً "لا نحتاج إلى ترخيص للتواصل والتفاعل في ما بيننا، ويبدو أن التخوف يعود إلى وجود مجموعة ضغط شعبية فاعلة داخل مجلس الشعب".

أسلمة الدولة

وبات جليّاً، مع إعلان تأسيس التحالف العلماني ونشر بيانه الأول، أن غالبية المعترضين عليه هم ممن وقفوا إلى جانب وزارة الأوقاف ومؤيديهم في معركة المرسوم 16، الذي كانت بعض بنوده تهدف إلى أسلمة مؤسسات الدولة، فيما لاقت بعض بنوده الكثير من الانتقادات الشعبية، على اعتبار أنها تمنح صلاحيات واسعة للجهات والمؤسسات الدينية.

في المقابل، غالبية المؤيدين لما جاء في البيان، هم ممن وقفوا ضد المرسوم وساهموا في استجابة مجلس الشعب لهم وإقرار تعديل وحذف 26 مادة واستبدال المرسوم بقانون، ما اعتُبر سابقة في تاريخ مجلس الشعب السوري.

وقال الصالح "مع نهاية الحرب ندعو إلى تنظيم جهود القوى العلمانية السورية للحفاظ على ما تبقى من علمانية الدولة أولاً، واستكمال فصل الدين عن الدولة ثانياً".

رجال الدين

وينبري رجال الدين يراقبون حركة العلمانيين خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، مطالبين "بالعلمانية الصحيحة التي تدعو إلى قبول الآخر على اختلاف شريعته وطائفته".

الدكتور عبد القادر محمد الشهابي، أحد رجال الدين، لفت إلى ضرورة إرساء أسس المواطنة الصحيحة التي تبني الفكر والإنسان، وكان دعا في وقت سابق، أعضاء مجلس الشعب "إلى اتخاذ التدابير الوقائية ضد خطابات الفتنة التي تمزق كيان المجتمع، وفق دستور الجمهورية العربية السورية".

مطالب علمانية

ورفض العلمانيون اعتبارهم حزباً سياسياً أو بديلاً عن الأحزاب الوطنية التي يقدّرون إنجازاتها وينتقدون أخطاءها، مطالبين بـ "سوريا موحدة" بما في ذلك الجولان المحتل ولواء إسكندرون وكل الأراضي المحتلة شمال سوريا حتى جبال طوروس، ومعارضين الحركات الانفصالية.

في غضون ذلك، شدد التحالف العلماني على ضرورة احترام المذاهب والأديان ورفض عصبية المتشددين. وأدرج التحالف في معرض بيانه، في مواجهة الانتقادات، التالي "ليس لدينا برنامج سياسي اقتصادي. لدينا برنامج ثقافي اجتماعي تنويري يركز على ترسيخ الأمن الثقافي والديني، ويعمل على الكشف عن آليات الفساد المؤسساتي بالتعاضد مع مجلس الشعب والهيئة المركزية للرقابة والتفتيش وفروعها في المحافظات".

وقال النائب نبيل الصالح يوم الثلاثاء 11 يونيو، رداً على عدم السماح له بمداخلة تحت قبة البرلمان للدفاع عن نفسه، إنه "يدعم حزب البعث بانتقاد أخطاء بعض قياداته من باب الغيرة"، موضحاً في منشور له على صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، حديثه عن تأليف كتب في ما سبق عن سائر الأحزاب العلمانية السورية.

 وتابع "أحترم الثقافة الإسلامية، لقد واجهت المحرضين على الفتنة بين طوائفنا من خلال مئات المقالات والعديد من الكتب والمؤتمرات المهتمة بالتقريب بين المذاهب والأديان، وأنا مستمر في مشروعي التنويري لأني أرى أن بذرة السلام المجتمعي تبدأ بالأفكار التي تتفاعل داخل العقول قبل أن تنمو خضرتها في قلوب الناس، وأعلم أن الصراع سيكون طويلاً ومريراً ضد التعصب والاستبداد".

حراك سياسي

لم يكتف العلمانيون بإقرار عملهم تحت غطاء من البرلمان، خصوصاً أن الأحزاب السياسية تتفق مع المنظومة الدينية في المؤسسة التشريعية، على كبح تقدم هذا التحالف العلماني الوليد الذي أخذ يستقطب رواداً وأتباعاً، غالبيتهم يحملون فكراً تنويرياً وسط تزايد عدد المنضمين إلى هذه القوة العلمانية الجديدة.

في المقابل، لم تعتد سوريا حتى قبل الحرب على حراك سياسي، إذ اعتمدت النشاطات السياسية على الأحزاب المرخص لها من قبل السلطة، والتي تُسمى بـ "الجبهة الوطنية التقدمية"، وهي أشبه بتحالف سياسي يضم أحزاباً اشتراكية ووحدوية ويترأس الجبهة الحزب الحاكم "حزب البعث".

معركة شرسة بدأت تتسع بين أحزاب سياسية، عمرها الزمني يقارب المئة عام، تساندها منظومة دينية غارقة "بالقدم"، يلتف حولها أتباع لا يُستهان بتأثيرهم في الأوساط الاجتماعية والشعبية، وبين تحالف علماني جديد يحبو في أشهره الأولى، ويهدف إلى أن يكون مصدر إشعاع تنويري وثقافي.

المزيد من العالم العربي