Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

النفط الليبي... ورقة ضغط سياسية أم مدخل للتجاوزات الخارجية؟

امتدت آثارها لتشمل الأسواق الدولية التي تشهد أصلاً ارتفاعاً غير مسبوق للأسعار بسبب الحرب الروسية على أوكرانيا

فقدت ليبيا نصف إنتاجها اليومي من النفط جراء الاحتجاجات في الحقول والموانئ النفطية (أ ف ب)

لجأت الأطراف المعارضة لرئيس الحكومة الليبية الموحدة عبد الحميد الدبيبة، للورقة الأهم والأكثر تأثيراً للضغط عليه لتسليم السلطة، وهي النفط، بعد توالي إغلاق الحقول والموانئ النفطية في الأيام الماضية، من قبل محتجين يطالبون بنقل مهامه إلى رئيس الوزراء المكلف من البرلمان فتحي باشاغا.

وكما جرت العادة بدأت التداعيات الاقتصادية لوقف تدفق النفط تظهر بشكل فوري على الاقتصاد الليبي، مع تحذيرات مما هو أسوأ، وسط توقعات ضئيلة بأن يرضخ الدبيبة لمطالب المحتجين في الحقول النفطية، ويتنازل عن السلطة لفتحي باشاغا.

وقف مصادر الإنتاج والتصدير

وبعد أيام قليلة من إغلاق ميناء الزويتينة النفطي، غرب بنغازي، وحقل الشرارة في الجنوب الغربي، الذي يعد الأضخم في البلاد، وينتج نحو 300 ألف برميل يومياً، توالت عمليات الإغلاق للحقول والموانئ، بإغلاق ميناء البريقة وحقل الفيل الذي ينتج 125 ألف برميل يومياً، ما أدى إلى تراجع إنتاج النفط الليبي بشكل حاد، بفقدان 600 ألف برميل من الصادرات اليومية، ما يعادل النصف تماماً.

وكانت البيانات الصادرة عن المحتجين في حقول وموانئ النفط، والذين وصفوا أنفسهم بأهالي وأعيان المناطق التي تقع بها هذه المواقع النفطية، حملت مطالب متطابقة قبل إعادة فتحها، وهي التوزيع العادل للموارد النفطية بشكل متساوٍ بين المناطق الليبية كافة، وتسليم الدبيبة السلطة للحكومة المكلفة، وإقالة مصطفى صنع الله من رئاسة مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط.

إعلان "القوة القاهرة"

ورداً على الإقفال القسري لمصادر الإنتاج والتصدير، أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط حالة "القوة القاهرة" على كل هذه الموانئ والحقول، وهي ميناء البريقة والزويتينة النفطيين في الشمال الشرقي، وحقلي الشرارة والفيل في الجنوب الغربي، لاستحالة تنفيذ التزاماتها وتعهداتها تجاه السوق النفطية.

وقالت المؤسسة "في الوقت الذي تشهد فيه أسعار النفط انتعاشاً كبيراً نظراً لزيادة الطلب العالمي عليه، الأمر الذي تستغله كل الدول المنتجة لزيادة إيراداتها النفطية، يتعرض الخام الليبي لموجة إغلاقات غير شرعية، سوف يكون لها بالغ الضرر على الآبار والمكامن والمعدات السطحية لقطاع النفط، إضافة إلى فقدان خزينة الدولة فرص ربح محققة بأسعار قد لا تتكرر لعقود مقبلة".

وحذرت من "تداعيات إيقاف الإنتاج بشركة سرت لإنتاج وتصنيع النفط والغاز على استقرار الشبكة العامة للكهرباء، خصوصاً في المنطقة الشرقية، إذ إن معظم المحطات الكهربائية تتغذى على الغاز المنتج من حقول الشركة، وإن النفط الخام الوارد من حقل الشرارة النفطي يمثل المزود الرئيس لمصفاة الزاوية النفطية التي تغذي بدورها السوق المحلية بالمحروقات".

الدبيبة يفتح تحقيقاً

من جهته، طالب رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، الذي يسعى المحتجون في المواقع النفطية للضغط عليه لتسليم السلطة، "النائب العام بفتح تحقيق فوري في الإغلاقات التي شهدتها موانئ وحقول نفطية وكل من تورط فيها"، لافتاً إلى أنه "وجه الأجهزة الأمنية والعسكرية لاتخاذ الإجراءات الممكنة كافة للتعامل مع هذه الأزمة".

وقال الدبيبة، إن "الفاعل الحقيقي وراء هذه الأعمال هم أنفسهم الطبقة السياسية التي تسعى للتمديد وترفض الانتخابات من خلال التمديد لسلطة انتقالية جديدة، وعندما فشلوا في ذلك أوقفوا النفط ليستمروا في إذلال الشعب وفرض أمر واقع عليهم بالابتزاز".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بداية الأزمة

وربط محللون ليبيون بين الأزمة الجديدة التي يعيشها قطاع النفط، والاتفاقيات التي عقدتها المؤسسة النفطية والحكومة الموحدة، الأسبوع الماضي، وتبادلا من خلالها ضخ المليارات من الدينارات في حساباتهما، بعدما أطلقت الحكومة خطة قالت إنها "تهدف لزيادة الإنتاج اليومي"، وخصصت بمقتضاها ترتيبات مالية طارئة للمؤسسة الوطنية للنفط لعام 2022 بقيمة 37 ملياراً و600 مليون دينار(3 مليارات دولار تقريباً).

في اليوم التالي، أحالت مؤسسة النفط ثمانية مليارات دولار على دفعتين لحساب وزارة المالية في حكومة الوحدة الوطنية بمصرف ليبيا المركزي.

واعترض خصوم الدبيبة على هذه الخطوة، معتبرين أن المؤسسة الوطنية للنفط تدعم طرفاً سياسياً على حساب آخر بضخ هذه المبالغ الضخمة في حساباته المالية.

وكانت المؤسسة النفطية، بعد توقيع الاتفاق النفطي واستئناف الإنتاج قبل عامين، أوقفت تحويل إيراداته إلى البنك المركزي، مبقية إياها في الحساب المصرفي الخارجي الذي سددت إليه المدفوعات في بادئ الأمر، قبل أن تتخلى عن هذا الإجراء أخيراً.

تداعيات على السوق العالمية

الأزمة النفطية الجديدة في ليبيا امتدت آثارها لتشمل الأسواق الدولية، التي تشهد أصلاً ارتفاعاً غير مسبوق للأسعار بسبب الحرب الروسية على أوكرانيا. إذ كشفت وكالة "بلومبيرغ" تأثير عمليات الإغلاق في الصين وانقطاع الإمدادات في ليبيا على رادار سوق النفط العالمية، قائلة "هناك ترقب لما ستؤدي إليه بخصوص الطلب على الخام، لكن تظل النقطة الأهم هي تخلص الاتحاد الأوروبي التدريجي من واردات النفط الروسية".

من جانبها، قالت وكالة "رويترز"، إن "أسعار النفط تشهد تذبذباً في الأسواق العالمية بسبب تعطل إمدادات الخام من ليبيا مع إعلان حالة القوة القاهرة في عدد من الحقول، وتأثر الإغلاقات الجديدة في الصين لمواجهة فيروس كورونا".

وأشارت "رويترز" إلى تداول خام برنت القياسي العالمي دون 113 دولاراً للبرميل منخفضاً بـ26 سنتاً، بينما تراجع خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 107 دولارات ما يعادل 0.42 في المئة بعد أن كان في حدود 108.92 دولار.

رسائل متضاربة

واختلفت آراء المحللين في ليبيا بشأن دلالة تجدد ظاهرة الإغلاقات النفطية، ويشير المحلل السياسي أحمد المهدوي إلى أن "ما يحدث الآن من إغلاق لحقول نفطية عدة في مناطق متفرقة من ليبيا، يُعد ورقة ضغط على الدبيبة وحكومته لتسليم السلطة إلى فتحي باشاغا، ولن تؤثر على اجتماعات القاهرة، بين مجلسي النواب والدولة، التي هدفها الأساسي كسر الجمود وإزالة العراقيل أمام إجراء الانتخابات".

وأضاف أن "غلق الحقول، يعد رسالة أيضاً للمجتمع الدولي للضغط على الدبيبة من أجل التسليم، خصوصاً أن أوروبا تعاني مشكلات في إمدادات الطاقة، منذ اندلاع الحرب الروسية- الأوكرانية".

من جانبه، رأى المحلل السياسي جمال الحاجي، رسائل أخرى تكمن وراء إغلاق المواقع النفطية، واعتبر أن "قائد الجيش في بنغازي، المشير خليفة حفتر، يقود ليبيا بهذه الإجراءات إلى مرحلة التدخل الخارجي لإدارة إيراداته، حتى نصل إلى نقطة (النفط مقابل الغذاء)".

أما عضو مجلس النواب علي التكبالي، فحمّل رئيس الحكومة الموحدة عبد الحميد الدبيبة، مسؤولية تجميد صادرات النفط، محذراً من "اندلاع حالة من العصيان المدني الشامل".

وقال التكبالي، إن "السياسات التي يمارسها من هم وراء الدبيبة ومصطفى صنع الله بمساعدة محافظ المصرف المركزي، الصديق الكبير، ستقود إلى المزيد في مسلسل الإغلاقات النفطية في الأيام المقبلة".

وتابع "في النهاية سنصل إلى العصيان المدني الشامل، فليس من المعقول أن تتمتع حكومة فاشلة بخير الليبيين وتحرمهم من كل مقومات الحياة الكريمة".

ورأى عضو مجلس الدولة سعد بن شرادة، أن الحل الوحيد لتجنب الاستخدام  المتكرر لورقة النفط في الصراع السياسي، يكمن في "توافق لا مفر منه بين مجلسي الدولة والنواب، بشأن تجميد الإيرادات النفطية، أو على أي آلية لإدارتها لضمان تحييدها وبقية مصادر الدخل والثروة الليبية عن الصراع الحكومي".