Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إسرائيل تستعد لـ "شهر التصعيد"

الفلسطينيون المحكومون بالانقسام في مواجهة أحادية السياسة الأمنية الإسرائيلية

في مواجهة التصعيد المرتقب لا يتوقع أن ترتقي العلاقة بين الفصائل الفلسطينية إلى مستوى الرد الملائم (أ ف ب)

كل الدلائل تشير إلى احتمال مزيد من التفجر في العلاقة بين الفلسطينيين والسلطات الإسرائيلية في الضفة وقطاع غزة وداخل الخط الأخضر.

الذين يتوقعون مثل هذا التطور يربطونه بحلول شهر رمضان وعيد الفصح اليهودي والصراع على المقدسات، وليس في ذلك جديد، فالصراع أصلاً لم يهدأ لينطلق مجدداً وإن كانت مناسبات وظروف محددة تسهم في تسعيره.

لم يهدأ الصراع لأن مشكلة الصراع قائمة، ولأن الشعب الفلسطيني لم يتمكن من تحقيق الحد الأدنى من أهدافه الوطنية، وفي التكرار الموسمي للصدامات العنيفة لم يظهر أن الأطراف المعنية تعلمت شيئاً، وهي تكرر نفسها في مواجهة الأحداث.

كانت إسرائيل تتأهب لموجة عنف توقعتها في الضفة الغربية أو على حدود قطاع غزة عندما واجهت ثلاث هجمات في عمق أراضيها أسفرت عن 11 قتيلاً. هجمتان منها سارع تنظيم "داعش" إلى تبنيهما في انخراط مفاجئ لهذا التنظيم الذي يضع فلسطين عادة في أسفل جدول اهتماماته، أما الهجوم الثالث الذي أسفر عن مقتل خمسة أشخاص فقد نفذه شاب لا ينتمي إلى أي تنظيم، واعتبر والده أن ما قام به ابنه إنما يرجع ببساطة إلى الحياة غير الطبيعية في ظل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي.

ربما كانت صدفة تزامن الهجمات مع انعقاد الاجتماع العربي - الإسرائيلي- الأميركي في النقب، مع أن دخول "داعش" على الخط يثير التساؤل عن احتمال استياء بعض مشغلي التنظيم من عقد اللقاء المذكور، لكن اللجوء إلى العنف يبقى قائماً لأسباب أعمق بكثير من تسجيل موقف في المناسبات التي لا تفعل سوى زيادة تذكير الفلسطينيين بأن قضيتهم قد تذهب مرة أخرى إلى النسيان.

اجتماع النقب ركز في أبحاثه على انعكاسات الحرب في أوكرانيا وخطورة الدور الإيراني في المنطقة مع اقتراب التسوية الأميركية - الإيرانية، ولم يول اهتماماً كبيراً بالمسألة الفلسطينية، ومثلما اندلعت الانتفاضة الأولى في ظروف الحرب الإيرانية - العراقية (1987) التي جعلت من مسألة فلسطين قضية ثانوية، ربما تكون بدايات الغليان الحالي بمثابة تذكير للعالم بأن هناك شعباً في القرن الـ 22 لا يزال رازحاً تحت الاحتلال ونظام الفصل العنصري.

تعرف إسرائيل ويعرف الفلسطينيون ومعهم العالم كله أن الأوضاع مهيأة لتوترات وصدامات واسعة ليس في الأراضي المحتلة عام 1967 فقط، بل في داخل إسرائيل نفسها، حيث زاد انخراط العرب في الاحتجاجات منذ تفجر مشكلة مساكن الشيخ جراح في القدس، ويضع الجميع مواعيد للانفجار في خلال الأيام المقبلة، لكن لا أحد من الأطراف المعنية يحاول الاستعداد لإجراء مقاربة عملية وجدية تصل إلى حلول للأزمة من جذورها، فإسرائيل تلغي المسائل السياسية وتجري استعدادات أمنية خطرة كفيلة بتأجيج العنف، وما قامت به بعد الهجمات الأخيرة يدل بوضوح أنها لم تخرج من سياستها الثابتة في تجاهل جوهر الصراع، واكتفى مسؤولون فيها بانتقاد جهاز الأمن "الشاباك" لتقصيره في الكشف المسبق لنيات الهجوم على الرغم من أن عملية غزة في مايو (أيار) الماضي "كانت دعوة استيقاظ لدولة إسرائيل والتشديد على العرب" فيها، كما كتب المراسل العسكري لـ"يديعوت أحرونوت" يوسي يهوشوا.

ذهبت الحكومة الإسرائيلية في المسار الأمني من دون التفكير بنتائج استمرار وتوسع سياستها الاستيطانية، وآخر قراراتها في هذا المجال إقامة أربع مستوطنات في النقب، وكان رد الحكومة على بوادر الانفجار مزيداً من صب الزيت على النار.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

دعا رئيس الوزراء حملة تراخيص السلاح إلى حمله والانتظام في الحرس المدني التابع للبلديات واتخذ قرارات بنشر 15 كتيبة إضافية من الجيش في الضفة وتجنيد كتائب احتياط في حرس الحدود وإلحاق مئات الجنود بالشرطة.

تصرفت الحكومة الإسرائيلية كمن ينظم حرباً أهلية داخل الخط الأخضر ويستعد لحملة قمع شاملة في الضفة وضد غزة، ولم تقدم جديداً يسهم أو ينم عن نية في الوصول إلى تسويات أو البدء بمعالجة سياسية للمشكلة الأصل. وذهب وزير الأمن بيني فانتس ورئيس الأركان أڤيڤ كوخافي إلى إصدار أمر للجيش بالاستعداد لـ "شهر من التصعيد" وطلبا تكثيف "العمل الاستخباري إزاء سوريا وسيناء والفلسطينيين في لبنان"، في إغفال صريح للتنظيمات التي تتهمها بالولاء لإيران في غزة ولبنان.

في مقابل ردود إسرائيل الأمنية البحتة، تجد السلطة الفلسطينية نفسها عاجزة، فهي واقعة بين انهيار شعبيتها التي عبرت عنها الانتخابات المحلية الأخيرة، وبين الضغط الإسرائيلي لإلزامها بالتعاون من دون تقديم أي تنازل على الرغم من الاتفاقات، ولن تكون راغبة أو قادرة في أي حال، بعد أن حاصرتها إسرائيل وأسهمت في إضعافها، فيما تواصل تحميلها مسؤولية التوتر وتفجر الأوضاع.

ولا تتحمل إسرائيل وحدها المسؤولية عن ضعف العامل السياسي الفلسطيني، فالانقسام بين الضفة وغزة سبب رئيس في هذا الضعف الذي ينهك الجسم الوطني الفلسطيني، وفي مواجهة التصعيد المرتقب لا يتوقع أن ترتقي العلاقة بين الفصائل الفلسطينية إلى مستوى الرد الملائم الموحد، مما يجعل الأحداث المحتملة مجرد صفحة إضافية في سجل الصدام بين سلطة مدججة بالسلاح وجمهور يفتقد إلى قيادة موحدة على قدر التحديات.

كان تفجرّ الأوضاع إثر محاولات إخلاء سكان عرب من حي الشيخ جراح في القدس مايو (أيار) العام الماضي، وامتداد الاحتجاجات لتشمل ما يسمى "عرب إسرائيل"، فرصة لإعادة صياغة مشروع لوحدة فلسطينية وطنية متكاملة، لكن الانقسامات استمرت تغذيها أموال وارتباطات إقليمية مؤثرة، خصوصاً في غزة، وامتدت هذه الانقسامات إلى عرب إسرائيل أنفسهم، فهؤلاء أيضاً لم ينجحوا في بلورة برنامج وطني، وعندما جاءت الانتخابات إلى الكنيست بعد انتفاضة الشيخ جراح الشاملة ذهب بعض نوابهم إلى دعم والمشاركة في الحكومة الإسرائيلية الحالية التي تمضي في تنظيم " شهر التصعيد" بحصيلته الدموية المرتقبة.

المزيد من آراء