ما هي الوظائف المهددة بالتلاشي بسبب الذكاء الصناعي؟

"منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية": 14% من فرص العمل ستُلغى خلال 20 عاما

كيف ستبدو الوظائف حول العالم خلال بضعة عقود؟ المتفائلون من الخبراء على اقتناع بأن التقدم التكنولوجي سيحقق الأفضل. ويتطلع هؤلاء إلى عالم تقوم فيه الروبوتات بأكثر المهمات صعوبة في حين ينصرف البشر إلى الاستمتاع بأوقات فراغهم. أما المتشائمون فيتحدثون عن سيناريو يقضي فيه "الذكاء الاصطناعي" على وظائف عدة، ما قد يولّد الفقر والصراعات الطبقية وعدم الاستقرار.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الإنسان والآلة

وإذا كان هذا التوقع مبالغاً فيه إلا أن الروبوتية باتت مصدر قلق داخل الطبقات الوسطى في البلدان الصناعية. فمع تقدم الترجمة الآلية، هل يصبح تعلم اللغات الأجنبية مهارة عديمة الفائدة؟ البعض يرى أنه لم يعد مجدياً تعلم لغة للتحدث بها بشكل سيئ، لأن برامج الترجمة حققت أخيراً تقدماً لا يُصدق. ومع ذلك، فإن الآلات لن تفهم أبداً التفاصيل الدقيقة للغات، عند إبرام عقد بقيمة 10 ملايين دولار مثلا، لأن لا شيء يفوق قدرة الإنسان. لكن في المقابل، ستسهل الترجمة الآلية التخاطب والتجارة، وستحدث تغييراً واضحاً في عالم الأعمال. وتقدر بعض الأبحاث أن فهم لغة الآخر تزيد التجارة بنسبة 50%.

ويرى شاهنواز شيخ، المدير الإقليمي للمبيعات في شركة "سونيك وول - الشرق الأوسط وتركيا" أن "المكوّن الرئيسي لنجاح الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي هو بيانات بروتوكول الإنترنت، فكلما زاد طولها أصبح في الإمكان جعل الآلة تتعلم بكفاءة أكبر"، وأوضح لـ"إندبندنت عربية"، "أنه من منظور أمن تكنولوجيا المعلومات، يُعدّ الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي ابتكاراً مهماً نظراً إلى حاجة الأعمال للحماية من التهديدات المعروفة وغير المعروفة". ويضيف أن "الأمر كله مرتبط بالمعرفة السيئة والجيدة القائمة على أساس التحليل السلوكي الذي يحدد الحزمة أو الملف داخل الشبكة وخارجها، أي البيانات المتحركة وتلك التي في حال استراحة. ومن خلال أخذ هذه الحقائق في الاعتبار يتم تدريب الآلات على آثار البيانات، والمشاركة في رصد التهديدات الذكية وتحليل السلوك المساهم في الجهاز الجديد بشكل جيد أو سيئ، ما يساعد الآلات على معالجتها بكميات كبيرة وسرعة عالية لتقديم قرار الذكاء الاصطناعي".

التحوّل الثالث

ويؤكد خبراء اقتصاديون أنه مع "الذكاء الاصطناعي والرقمي" بدأ التحول الرئيسي الثالث في تاريخ الاقتصاد العالمي. الأول كان في الانتقال من عالم زراعي إلى الاقتصاد الصناعي، وامتد من أوائل القرن الثامن عشر إلى سبعينيات القرن العشرين. وفي العام 1973 شكّل اختراع الرقاقة الإلكترونية، الذي سمح بتطوير الحوسبة، بداية التحول الرئيسي الثاني: بمعنى انتقال الإنسان من المصنع إلى المكتب. وقد ألغت الأتمتة (التشغيل الآلي) العمل اليدوي وقدمت عليه المهن التي تتطلب شهادات. أما التحول الثالث فكان مع "الذكاء الاصطناعي" الذي بات يسمح على سبيل المثال، بترجمة أكثر دقة أو بتشخيصات طبية عالية الثقة، بحيث بات يهدد توظيف خرّيجي جامعات وذوي خبرات. وهنا يجب عدم المزج بين الأتمتة والمصانع. ففي الولايات المتحدة، يعمل فقط نحو 9% من القوى العاملة في المصانع، ومنهم مهندسون لن يتم استبدالهم بروبوتات. لكن الاضطرابات الحقيقية متوقع لها أن تحصل في قطاع الخدمات والمكاتب والمتاجر.

مستقبل العمل

في تقرير عنوانه "مستقبل العمل" أعدته "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية" ونشرته قبل نحو شهرين، حاولت المنظمة الدولية الوقوف على مسافة متساوية ما بين المخاوف المشروعة والمخاوف المفرطة فيما يتعلق بهذا الموضوع. وقد طمأن خبراؤها إلى أنهم لا يميلون إلى السيناريو الأسوأ، لأن الحكومات ستكون حاسمة في ضبط عدد العاملين الذين ستحرمهم الأتمتة من وظائفهم، وفي إعدادهم لوظائف أخرى. ويتوقع هؤلاء أن تطرأ تغيرات هيكلية كبيرة على النسيج الاقتصادي وطبيعة العمالة في العقود المقبلة، بدءاً من معدل أعمار العاملين كما هو ملاحظ تحديداً في كلّ من اليابان وإيطاليا واليونان وإسبانيا أو حتى في كوريا الجنوبية والصين. ففي العام 1980، كان هناك 20 شخصاً من سن ما فوق الـ65 ما زالوا في مجال العمل من أصل 100 عامل. أما في السنة 2015، فبحسب أرقام "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية"، "ارتفع عدد هؤلاء إلى 28، ومرجح أن يكونوا 53 في العام 2050".

وظائف جديدة

"هذا بالطبع سيشكل تحديا" يقول التقرير، "فالمجتمعات المسنّة تحتاج مزيداً من الخدمات الصحية وسلعاً صناعية أقل، كالسيارات مثلاً التي تؤثر على بنية الاقتصاد، وتميل أكثر إلى اعتماد الروبوتات. ويُضاف إلى ذلك العولمة، التي أدت منذ نحو 40 عاماً إلى تكامل متزايد بين الأسواق وسلاسل الإنتاج". ووفقاً لـ"منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية"، "فإن ازدهار التجارة أوجد وظائف أكثر مما ألغى منها. لكن نقل بعض مناطق الإنتاج أدّى إلى وجود خاسرين وهذا ما يزيد قلق الناس".

وتتزايد المخاوف أكثر من التشغيل الآلي للمهمات الوظيفية. فبحسب تقرير المنظمة، يُتوقع على مدار السنوات العشرين المقبلة، اختفاء 14% من الوظائف من دول "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية" هذه النسبة هي أقل بنحو 50% مما توقعته دراسات متشائمة. وإضافة إلى ذلك، سيتحول نحو 31.6% من المناصب بسبب الروبوتية. مع ذلك، فإن التطور التكنولوجي يُوجِد بالتوازي وظائف جديدة. ويشير التقرير إلى أن "4 من كل 10 وظائف تم إنشاؤها في العقد الماضي كانت في الصناعات التي يكون فيها الاستخدام الرقمي مرتفعا".

هل خوف الناس من "الذكاء الاصطناعي" المدمر للعمالة، مبالغ فيه؟ يرى التقرير الدولي أن "وظائف عدة قد تُلغى بوتيرة سريعة جدا، لكن وظائف أخرى ستزدهر وتنتقل قطاعات إلى أغنياء جدد، لتحل مكان 10% من الممرضات مثلاً أو 10% من موظفي الاستقبال في الفنادق. أما إيجاد فرص عمل ووظائف جديدة، فيتوقع أن يكون أبطأ، والفجوة هنا تسبب قلقاً وانتكاسات في سوق التوظيف. من هنا إن الكلام على أن "الذكاء الاصطناعي" سيوجد قرابة 21 مليون وظيفة حول العالم قد يتطلب تحقيقه وقتاً طويلا. يضاف إلى ذلك أنه لا يمكن أن يحل مكان معظم الإيماءات البشرية كالتعاطف والفضول والابتكار والتكيف. وقد بلغ معدل الأشخاص الذين يتولون وظيفة في سن العمل نحو 68.6% في نهاية العام 2018، مقارنة مع 65% في بداية العام 2015. وانخفض معدل البطالة في منطقة اليورو إلى 7.8% من القوى العاملة في فبراير (شباط) 2019، وهو أدنى مستوى له منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2008، بحيث إن دولاً مثل ألمانيا والنمسا وهولندا، باتت تواجه الآن نقصاً في القوى العاملة.

سوق مستقطبة

سوق العمل باتت مع تغيّر طبيعة الوظائف أقل استقراراً وأكثر استقطاباً كما يرى خبراء "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية" فقد زادت حصة الوظائف لذوي المهارات المنخفضة والعالية، بينما تراجعت لذوي المهارات المتوسطة. ويُعزى ذلك جزئياً إلى الطفرة في التعليم العالي، بحيث ارتفعت العمالة بنسبة 27% على مدار الأعوام الـ20 الماضية، فيما انخفضت بنسبة 20% في قطاع الصناعات التحويلية.

وبحسب "منظمة التعاون" يزيد صعود العالم الرقمي والعولمة والتغير الديموغرافي من عدم المساواة بطرق عدة. فالفجوة تتسع بين "الشركات الخارقة" التي تبتكر التقنيات الرقمية وتبنيها، وتلك الأكثر عدداً التي تكافح من أجل مواكبة التحول الرقمي. وينتج عن ذلك صدع فيما يتعلق بجودة الوظائف والرواتب بين موظفي هذين العالمين. فالتقدم التكنولوجي لا يوجد وظائف أفضل، بل على العكس، يطرح مجموعة وظائف "محفوفة بالمخاطر وما دون المستوى". أما العاملون لحسابهم الخاص فيتزايد عددهم (1 من كل 7 أشخاص اليوم) وهم مبعدون عموماً عن التدريب أو إعادة التدريب، ولا يتمتعون بأمان وظيفي، لجهة المكاسب والضمانات.

المزيد من اقتصاد