Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إيران: المواجهة الضرورية والحرب المكروهة

لم يعد بالإمكان السكوت عن تجاوزات طهران... ومن الحتمي تصعيد الضغوط لتهدئة الخليج

الرؤساء والزعماء العرب في قمة منظمة المؤتمر الإسلامي بمكة المكرمة  (رويترز)     

استضافت السعودية في نهاية شهر مايو (أيار) الماضي قمتين عربية وإسلامية في مكة المكرمة بشأن المخاطر الناجمة عن الممارسات الإيرانية ضد جيرانها العرب بالخليج العربي، وسياسات وممارسات خشنة، بل عدوانية، تمثلت في تدخلاتها في الشؤون الداخلية بالسعودية والبحرين واحتلالها لجزر إماراتية، ودعمها للحوثيين في اليمن، وبسط نفوذها في المشرق العربي عبر العراق في لبنان وسوريا، بوسائل وطرق مختلفة بما في ذلك ميليشيات عسكرية غير مشروعة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 وبعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي المبرم بين إيران والدول الخمس الدائمة العضوية بمجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا، وفرضها عقوبات إضافية على إيران، والضغط على الدول المتعاونة معها اقتصادياً أو تجارياً، أعلنت إيران رفع مستوى إنتاج اليورانيوم منخفض التخصيب لأربعة أمثاله، بعد أسبوع واحد من توقف طهران رسمياً عن بعض الالتزامات بموجب الاتفاق النووي، فضلاً عن تهديد أمان الملاحة التجارية في المناطق المحيطة بالخليج، وهناك معلومات متداولة أن الحرس الثوري كان وراء تعرض سفن تجارية إماراتية لمحاولات تخريب.

وشهدنا في الأيام الأخيرة حراكاً سياسياً وعسكرياً وإعلامياً متصاعداً، وخاصة بين إيران والولايات المتحدة، شمل تصريحات خطيرة وغير مسؤولة عن استخدام القوة ضد الطرف الآخر، مما خلق مناخا من التوتر والاضطراب، وجاء ذلك مصحوباً بتناقض في التصريحات والتوجهات الإيرانية والأميركية مما صعّب من إمكانية قراءة المشهد بوضوح، ويزيد من المخاطر واحتمالات الصدام المقصود أو عن طريق الخطأ.

وكان التيار المتشدد في إيران قد أعلن أنهم سيتعرضون لمصالح الولايات المتحدة، في حين وجدنا وزير الخارجية الإيرانية ينشط دبلوماسياً، وينفي احتمالات نشوب حرب بالمنطقة، قائلاً "لا تهددوا إيران أبداً، جربوا الاحترام فهو أفضل"، واستقبل عدد من المسؤولين الأجانب والعرب من ضمنهم وزير الدولة للشؤون الخارجية العُماني يوسف بن علوي، الذي ناقش المسائل الإقليمية مع نظيره، بعد أيام من اتصال هاتفي أجراه وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو مع سلطان عُمان قابوس بن سعيد.

وفي المقابل تنقل معلومات جادة وعن مصادر عليمة داخل الإدارة الأميركية أن مستشار الأمن القومي جون بولتون، وكذلك وزير الخارجية الأميركي، يؤيد استخدام القوة ضد إيران، في حين لا تؤيده وزارة الدفاع الأميركية، وأن الرئيس الأميركي أيضاً غير مرتاح لتَسرّع بعض المسؤولين بالإدارة في الدفع ببديل الحرب، وعقب ذلك غرد ترمب ينفي تفكيره في إيفاد 120 ألف جندي أميركي لمنطقة الخليج، ثم استقر الرقم على إرسال 1500 في نفس الوقت الذي أرسل فيه حاملة طائرات أميركية، وأصدر تصريحات عنيفة من ضمنها أنه "إذا أرادت إيران القتال فستكون النهاية الرسمية لها، لا تهددوا الولايات المتحدة مرة أخرى أبداً".

   والسؤال الغالب على الساحة السياسية هو هل نحن أمام حرب مع إيران أم لا؟ كأن الخيارات هي بالضرورة بين الحرب واستمرار الوضع على ما هو عليه، أي المهادنة، وهذا في رأيي خطأ وخطيئة.

  والمسألة في الحقيقة أقرب إلى أن تكون اختياراً بين المواجهة السياسية الضرورية والحرب المكروهة، فلم يعد بالإمكان السكوت على السياسات الإيرانية الخشنة، وممارساتها المهيمنة وغير المشروعة، والتي ينفذها في المقام الأول الحرس الثوري الإيراني، وبات من الضروري تصعيد الضغوط السياسية والنشاط الدبلوماسي العربي والدولي، لحث إيران على ضبط النفس ومراجعة سياستها واتخاذ إجراءات ملموسة على الأرض، احتراماً لسيادة جيرانها، وتمهيداً لتهدئة الأجواء بمنطقة الخليج واتصالاً بها في المشرق العربي.

     وكان السكوت طويلاً على السياسات الإيرانية خطأً كبيراً، شجعها على التمادي في ممارساتها، والتوسع في طموحاتها، وأعتقد أن انتهاء الأزمة الحالية دون مواجهة المجتمع الدولي لتلك السياسات سيخدم التيار المتشدد، ويجعله أكثر جرأة وتطلعاً، معتبراً أن بلاده فوق المحاسبة كقوة إقليمية، يعمل لها المجتمع الدولي ألف حساب، بخاصة في ظل الأوضاع الدولية والشرق أوسطية من الضعف والفضاء العربي عامة، والتردد الأميركي في الدخول في حروب جديدة.

       أدعو بكل جدية إلى مصارحة ومواجهة سياسية مع إيران، لإرسال رسالة قوية، مع تحرك دبلوماسي نشط لتوضيح مغبة التصعيد المفرط، والبحث عن حلول سياسية ودبلوماسية للجميع. وكان من المفترض أن تقودها الدول الخمس الدائمة العضوية بمجلس الأمن باعتبارها كانت شريكاً أساسياً في الاتفاق النووي مع إيران، ومن منطلق مسؤوليتها الخاصة في الحفظ على الأمن والسلم الدوليين.

  وأقترح تحديداً أن يكلف مجلس التعاون الخليجي شخصية سياسية عربية مرموقة، من أعضاء المجلس أو إحدى الدول العربية الأخرى ليكون مبعوثاً خاصاً للتشاور مع الدول الخمس الدائمة العضوية بمجلس الأمن وسكرتير عام الأمم المتحدة، لتنسيق المواقف ولنقل رسالة سياسية بما هو مطلوب من الجانب الإيراني وعواقب عدم الاستجابة لها، وبغية التوصل ـــــ ضمن أمور أخرى ـــــ إلى "إعلان حول علاقات حسن الجوار في الخليج العربي" وعدد من الإجراءات المحددة تتخذها إيران تجاه جيرانها.

      ولا زلت أرى أن المواجهة السياسية والعمل الدبلوماسي هو السبيل المنطقي والأفضل للخروج من الأزمة السياسية الحالية، لأن استخدام القوة خسارة كبيرة للجميع دون استثناء، بخاصة إيران، التي ستتحمل خسائر إنسانية ومادية ضخمة، أمام عمليات عسكرية أميركية تركز على استهداف مواقع إيرانية استراتيجية ومحددة في إيران أو في مناطق نفوذها إقليمياً، والسعي لتدميرها عن بعد باستخدام صواريخ أرض جو أو تطلق من سفن حربية أميركية.

 وستتفوق الولايات المتحدة في المعارك العسكرية كما تفوقت في العراق نتيجة لقدراتها العسكرية، وإنما ستخسر أيضاً ما خسرته في العراق، من مصداقية دولية لدخولها الحرب بادعاءات باطلة حول وجود أسلحة دمار شامل، فليس هناك شك في أن العديد من السياسات الإيرانية لا تتفق مع القانون الدولي، وإنما نسمع اليوم اتهامات غير موثقة تُنقل عن وزير الخارجية الأميركي أن إيران تنمو علاقاتها بتنظيم القاعدة، ليبرر تحرك الولايات المتحدة عسكرياً ضد إيران، دون تفويض أو إنذار من مجلس الأمن الدولي، مما سيضع الولايات المتحدة وليس إيران في الموقع المخالف للقانون الدولي.

     وللدول العربية الخليجية وغيرها أسباب كثيرة ومشروعة للاعتراض على التصرفات الإيرانية، ودفعها لتغيير سياساتها وتقويم أوضاعها، وإنما ليس من المصلحة نشوب حرب أخرى بالمنطقة، يتحمل تكلفتها وتداعياتها المادية الأطراف العربية، كما سبق وأوضح ترمب ذاته، وكان ذلك على الاستثمار والتجارة أو على أسعار البترول، وستتخذ إيران أي تحرك عسكري ذريعة إضافية للدفع بعمليات ضد مصالح عربية مختلفة، لا يستثنى أو يستبعد منها الأهداف المدنية، وفضلاً عن احتمالات إغلاق أو تعطيل الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب بكل ما يحمله ذلك من تداعيات إقليمية ودولية.

 الخلاصة إذا: يجب عدم السكوت عن التصرفات والسياسات الإيرانية، ومن الضروري مواجهتها بصراحة وعزيمة، وإنما يفضل أن يكون ذلك بإجراءات سياسية ملموسة ومؤثرة وعمل دبلوماسي متكامل يرمي ليس فقط إلى التهدئة، وإنما نحو تغير السياسات الإيرانية، أما الحرب فهي فكرة كارثية يجب العمل على تجنبها بكل الوسائل المتاحة.

المزيد من آراء