Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما الذي أوصل جيل دولوز إلى إبداعات الكاتب الإنجليزي صموئيل بتلر؟

تبديل في الترجمة جعل صاحب "اللا مكان" من مؤسسي النزعة الفوضوية

صموئيل بتلر (يسار) مع عائلته عام 1865 (كلية سانت جونز في جامعة كامبريدج)

من المعروف عن الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز صعوبة نصوصه وغوصها في تقنيات ومفاهيم لا تعصى فقط على الترجمة بل حتى على القراءة. كذلك من المعروف عنه ترفعه عن البسيط من النصوص ليغوص في أكثرها تركيبية. ومن هنا يبدو مشروعاً السؤال عما جعله ما لا يقل عن ثلاث مرات يعود في واحد هو على أية حال من أصعب كتبه، "الاختلاف والتكرار"، إلى نصين من نصوص الكاتب الإنجليزي صموئيل بتلر، هما "اللا مكان" و"الحياة ومجرى العادة"، كما يعود إليه من جديد في كتابه "آنتي – أوديب" الذي كتبه شراكة مع زميله عالم التحليل النفسي فيليكس غاتاري، مستعيناً ببعض أفكار بتلر بل حتى مصحح في هامش من هوامشه الترجمة التي كانت معتمدة لعنوان الكتاب الأول. فلئن كانت العادة قد جرت على أن تعتبر الحروف التي تشكل عنوان الكتاب نوعاً من التلاعب المقلوب بالحروف التي كانت تشكل تعبير "لا مكان"، أتى دولوز ليفتي بأن هناك تلاعباً لكن الحروف الأصلية تعني "هنا والآن" ما سهّل ضم بتلر إلى طائفة من فوضويين جعلوا هذا التعبير الأخير شعارهم، وقلب نهائياً النظرة إلى بتلر جاعلاً له من النزعة الفوضوية ما يتراكم فوق العديد من الأفكار والأصناف الأدبية والفكرية والفنية التي مارسها وآمن بها في حياته.

استيحاء تجربة شخصية

والحقيقة أن تلك الأصقاع التي يتحدث بتلر عن اكتشافها على غرار ما يفعل عدد من كبار الكتاب "اليوتوبيين" الإنجليز وغير الإنجليز من أمثال فرنسيس بيكون وتوماس مور وصولاً إلى جوناثان سويفت وويليام موريس وغيرهما كانت مستوحاة من المناطق التي عاش فيها بتلر في نيوزيلندا موصلاً ذكرها إلى الكتاب الذي يروي دون أن يحدد المكان، وصول شاب في الثانية والعشرين إلى مستعمرة أوروبية نائية حيث يعمل راعياً للأغنام في منطقة تحيط بها الجبال من كل أطرافها بحيث لا يصل إليها الغرباء إلا بصعوبة ولا يعرف عنها أحد في العالم الخارجي شيئاً بل لا يدري أحد بوجودها أصلاً. ولا يعرف من يسكنها شيئاً عما يمكن أن يوجد في ناحية من نواحي تلك الجبال. وإذ يرى الشاب أن في إمكانه استكشاف ذلك، يقنع شاباً من أهل المنطقة بمرافقته في رحلة استكشافية. والحال أن هذا الشاب الأخير سرعان ما يرتعب ويتراجع متخلياً عن مرافقة بطلنا الشاب الذي لا يجد مفراً من متابعة طريقه إلى المجهول وحيداً. وتكون مكافأته مجزية، إذ إنه يكتشف أن المجهول ليس سوى مجتمع باهر سرعان ما يتبين له أن من يعيش فيه إنما هم ورثة القبيلة الضائعة من قبائل اليهود العشر. وهم يعيشون نسق حياة مدهشاً وغريباً.

كل شيء بالمقلوب

فعلى سبيل المثال وجدهم يعالجون المرضى كمجرمين يجب معاقبتهم، والمجرمين كمرضى يجب شفاؤهم. ووجد المصارف لديهم تتعامل كدور عبادة ودور العبادة كمصارف. وهكذا وسط هذا المجتمع الذي يثير كل ما فيه دهشته يجد الشاب نفسه على علاقة مع حسناء من أهل البلاد، لكن لون شعره الأشقر سرعان ما يثير غضب الملك عليه فيقرر محاكمته لكن الفتى يسعى إلى الهرب مع محبوبته في منطاد يكاد سقوطه يقتلهما، لكنه ينجو بأعجوبة إذ يسقط في بحر تنتشله منه سفينة إيطالية كانت تعبر المنطقة صدفة، فيقرر أن يكتب حكايته وأن يعود بعد ذلك بصحبة بعثة تبشيرية تعيد الناس هناك إلى الصراط المستقيم.

من مناصرة داروين إلى معاداته
ولنعد هنا إلى بتلر نفسه. ففي أصقاع نيوزيلندا، حدث للشاب الذي كانه صموئيل بتلرعند منتصف سنوات القرن التاسع عشر، أن قرأ بما يشبه الصدفة كتاب تشارلز داروين "أصل الأنواع" فأحسّ على الفور أن حياته كلها انقلبت رأساً على عقب، وأنه هو الذي اختار تجارة الماشية عملاً له، ونيوزيلاندا مهجراً يبعد فيه عن عسف أهله وتعنتهم، وجد ضالته في صفحات ذلك الكتاب، لذلك سوف يختط منذ ذلك الحين طريقه ليصبح كاتباً. هو الذي كان تعليمه الابتدائي والثانوي يؤهله أصلاً ليصبح أسقفاً أسوة بأبيه وجده من قبله، لكنه كان قد بدأ إيمانه باكراً بالفكر إذاً، وجد الفتى في "أصل الأنواع" ضالته، غير أنه بعد سنوات قليلة، وفي خضم ألوف الصفحات التي راح يخطها لم يفته أن ينتفض على ذلك الكتاب. وعلى مؤلفه مشبعهما نقداً ونقضاً. ومن هنا ولدت أسطورة في الأدب الإنجليزي في القرن التاسع عشر، هي أسطورة صموئيل بتلر، الكاتب المتمرد حتى على نفسه. وعلى التقاليد الإنجليزية، وعلى الأفكار العلمية الراسخة، وعلى صرامة العهد الفكتوري، والذي أوصلته شكوكه وضروب تمرده لأن يؤكد، ذات يوم، في دراسة له أن مؤلف "الأوديسة" لا يمكن أن يكون إلا... امرأة. وجعلته يعيد الاعتبار لنظرة الناس إلى سونيتات شكسبير.

عدو الملكة فكتوريا
صموئيل بتلر الذي كان معادياً للملكة فكتوريا، كان من حظه أن يموت في الوقت الذي ماتت فيه تقريباً، كما كان حال عدوها الآخر أوسكار وايلد، لكأن الثلاثة أرادوا بموتهم معاً أن يعلنوا نهاية عصر بأكمله. فقد رحل بتلر عن عالمنا يوم 19 حزيران (يونيو) 1902 فيما الزمن الحديث يطل على بداياته. وكان بتلر من مؤسسي ذلك الزمن على أي حال. وكان الرفض والتشكيك رائده في كل ما فعله، وفي ما فكر به، كان العقل مرشده الأول وطريقه الذهبي: كان في ذلك وريث القرن التاسع عشر، ولكن أيضاً فاتحة القرن العشرين.
غير أن لا شيء في طفولته وصباه كان يشير إلى ذلك بشكل مبكر، باستثناء نزعته التمردية التي جعلته يرفض "مهنة" آبائه حين قررت عائلته أن يصبح قسيساً، وهكذا كان في الرابعة والعشرين من عمره عام 1859 حين هاجر إلى نيوزيلاندا بفضل ثروة صغيرة كان يملكها وانصرف إلى تجارة الماشية. وهو منذ لقائه مع كتاب تشارلز داروين، بدأ يهمل تجارته بعد نجاح ساحق، ثم قرر أن يعود إلى إنجلترا وقد أضحى مستقلاً من الناحية الاقتصادية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حياة للقراءة والرسم والكتابة
في إنجلترا كرّس بتلر أيامه خلال المرحلة التالية للرسم والكتابة والقراءة. كان يرسم كل شيء ويكتب في المجالات كافة، في الأدب كما في السياسة، في التربية كما في الدين. أما كتابه الأول الذي نشره في عام 1872 فكان أهم كتبه "لا مكان" -حملها العنوان بالإنجليزية مقلوبة الحروف كما أشرنا- غير أن هذا اللا مكان كان في الحقيقة بلده إنجلترا، الذي استخدم تلك التورية لكي ينتقده وينتقد أخلاقياته، ويروي كيف أن الجريمة فيه تتحوّل إلى مرض، والمرض إلى جريمة، وكيف أن الدين يتحول إلى نظام مصرفي والعكس بالعكس... إلخ.
ولسنا بحاجة إلى الإشارة، طبعاً، إلى أن هذا الكتاب قد حقق من فوره نجاحاً كبيراً سرعان ما جعل اسم بتلر على كل شفة ولسان. غير أن بتلر لم يكتفِ، طبعاً، بذلك النجاح، إذ نراه خلال العقود الثلاثة التالية يكتب عشرات الكتب والمقالات، التي نشر معظمها خلال حياته، غير أن بعضها لم ينشر إلا بعد موته المفاجئ. وكتاباته شملت كل شيء ولا سيما المواد العلمية حيث نراه يخصص أربعة أجزاء لبحوث بيولوجية عارض فيها نظرية داروين حول مبدأ الوراثة. ومن أهم كتبه في هذا المجال "الحياة ومجرى العادة" 1878، و"الصدفة والضرورة".

في عالم الإبداع

في مجال الأدب والفن نشر بتلر دراسات عديدة أيضاً أبرزها كتابه "جبال الألب ومنغلقات بييمونتي"، إضافة إلى أنه ترجم الإلياذة والأوديسة إلى الإنجليزية، حيث إن ترجمته لهما ما زالت هي المعتمدة في الإنجليزية حتى يومنا هذا. علماً بأن ترجمته للأوديسة جعلته يكرس لها دراسة تثبت أنها كتبت في صقلية وأن مؤلفتها هي الشاعرة نوزيكا! إضافة إلى هذا كله، لم يفت صموئيل بتلر أن يلتفت إلى الموسيقى، حيث نراه يؤلف عدة مقطوعات كانت شهرتها، على أي حال، عابرة، لأنها لم تقنع نقاد الموسيقى ولا الجمهور كثيراً، مثلها في هذا مثل لوحاته.
مهما يكن يبقى من بتلر حضوره الطاغي في زمنه، ولكن أيضاً كتابان هما الأشهر من بين كتبه، نشرا معاً بعد رحيله وهما "هذا مآل كل جسد" وهو يضم سيرته الذاتية على شكل روائي، و"دفاتر الملاحظات" الذي يعتبر أشبه بوصية ويضم ملاحظات وأفكاراً مدهشة.

المزيد من ثقافة