Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بتلر ربط التطور البشري بهيمنة الآلات قبل قرن ونصف القرن

هرب من أهله ومن الملكة فيكتوريا ليرعى الماشية فأحدث ثورة في العلم

من رسومات صامويل بتلر (غيتي)

منذ عام 1950، ورواية إيزاك عظيموف الكبرى "صراع يمكن تفاديه"، وصولاً إلى فيلم "ماتريكس" للأخوين واشوفسكي، مروراً بأعمال يمكن دائماً تصنيفها في خانة الخيال العلمي والأدب المستقبلي، مثل "هل يحلم الأندرويد بخراف كهربائية؟" لفيليب كي ديك، التي حولها ردلي سكوت إلى فيلمه الرائع "بلاد رانر"، و"ديون" لفرانك هربرت التي حولها ديفيد لينش بدوره إلى فيلم بالعنوان نفسه، طغت خلال النصف الثاني فكرة مرعبة تتناول هيمنة الآلة على الإنسان وتحكمها بمصيره.

صحيح أن كثيرين أرجعوا الفكرة إلى تشارلي شابلن وبعض سمات فيلمه "الأزمنة الحديثة"، لكنهم لم يكونوا على حق. فإذا كان هناك مرجع إبداعي أو فكري ينبغي العودة إليه للتعمق في فكرة الصراع بين الآلة والبشر، لا شك أن ذلك المرجع يجب أن يكون مقالاً كتبه شاب من أصل إنجليزي كان قد اكتشف الفكرة لتوه وهو يشرف على رعي قطعان ماشيته في نيوزيلندا، حيث كان قد هرب من "سخافة المجتمع البريطاني" ليعيش وسط الطبيعة. وتقول الحكاية إنه حدث لذلك الشاب أن قرأ بما يشبه الصدفة كتاب تشارلز داروين "أصل الأنواع"، فأحس على الفور بأن حياته كلها انقلبت رأساً على عقب، وأنه وجد ضالته في صفحات ذلك الكتاب، لذلك سيختط منذ ذلك الحين طريقه ليصبح كاتباً، وهو الذي كان تعليمه الابتدائي والثانوي يؤهله، أصلاً، ليصبح أسقفاً، كما كان حال أبيه وجده من قبله.
انقلاب على داروين

وجد الفتى في "أصل الأنواع" ضالته، غير أنه بعد سنوات، وفي خضم آلاف الصفحات التي راح يخطها لم يفته أن ينتفض على ذلك الكتاب، وعلى مؤلفه، مشبعهما نقداً ونقضاً. ومن هنا ولدت أسطورة في الأدب الإنجليزي في القرن التاسع عشر، وهي أسطورة صموئيل بتلر، الكاتب المتمرد حتى على نفسه، وعلى التقاليد الإنجليزية، وعلى الأفكار العلمية الراسخة، وعلى صرامة العهد الفيكتوري، والذي أوصلته شكوكه وضروب تمرده لأن يؤكد، ذات يوم، في دراسة له أن مؤلف "الأوديسة" لا يمكن أن يكون إلا... امرأة، وجعلته يعيد الاعتبار لنظرة الناس إلى سونيتات شكسبير!

فما علاقة هذا الكاتب الذي عاد من غربته ليخوض معارك عديدة ربما كانت أهمها معركته ضد الآلة، أو على الأقل معركة تنبيه قرائه إلى أن عصر البشرية سينقضي ليحل محله عصر الآلة؟ ولنتنبه هنا إلى أن بتلر طرح تلك الفكرة منذ عام 1863، بالتالي قبل قرن وثلث القرن من ولادة الكومبيوتر والإنترنت وما رافقهما من حلول فعلي للآلات في حياة المجتمعات واقتصاداتها ومجالاتها الفكرية محل الإنسان!

من المقال إلى الكتاب

في الأصل، عبر بتلر عن فكرته في مقال طويل نشره في صيف 1963، عارضاً فيه كيف أن الآلة تحل بالتدريج محل الإنسان في القيام بعدد كبير من الأشغال، وتساءل ضمن إطار نزعة داروينية تطاول فكرة التطور عن "الكائن" الذي سيقيض له يوماً أن يحل مكان البشر، بعد أن حل الإنسان مكان الحيوان، وهذا مكان النبات، الذي حل بدوره مكان المعادن في التراتبية التطورية؟ وقد انطلق في رصده لما يحدث من حوله للتأكيد أن الكائن "البديل" المقبل سيكون الآلة. وهنا حين انتشرت مقالته، وفعلت فعلها، جمعها بتلر مع عدد من مقالات أخرى له مماثلة، في كتاب حمل عنوان "داروين بين الآلات"، وركز فيه، من موقع علمي هذه المرة، لا من موقع خيال علمي، على أن "الانتخاب الطبيعي" سيوصلنا إلى تلك المرحلة، لكنه طمأن قراءه بأن ثمة قروناً لا تزال تفصلنا عن تلك الحال. وإذا كنا قد بدأنا نرصد حتى في حياة بتلر إرهاصات ما تحدث عنه في المقال، ثم في الكتاب، لا بد لنا من الإشارة إلى أنه كان دقيقاً في تشخيصه مع فارق قرون طويلة. وعلى الأقل بالنسبة إلى الكتاب الذين لمحنا إليهم؛ فما وعد به تحقق أبكر كثيراً مما وعد!

رفض وتشكيك

صموئيل بتلر الذي كان معادياً للملكة فيكتوريا، كان من حظه أن يموت في الوقت الذي ماتت فيه تقريباً، كما كان حال عدوها الآخر، أوسكار وايلد، ولكأن الثلاثة أرادوا بموتهم معاً أن يعلنوا نهاية عصر بأكمله. فقد رحل بتلر عام 1902، في حين كان زمن حديث يطل على بداياته. وكان بتلر من مؤسسي ذلك الزمن على أي حال، ولو في مستوى الكتابة الإنجليزية وحدها. هو الذي كان واحداً من مؤسسي مذهب الرفض والتشكيك في تلك الكتابة.
في كل ما فعله بتلر، وفي ما فكر به، كان العقل هو رائده الأول، وطريقه الذهبي. كان في ذلك وريث القرن التاسع عشر، ولكن أيضاً فاتحة القرن العشرين، غير أنه لا شيء في طفولته وصباه كان يشير إلى ذلك بشكل مبكر، باستثناء نزعته التمردية التي جعلته يرفض "مهنة" آبائه حين قررت عائلته أن يصبح قسيساً، وهكذا كان في الرابعة والعشرين من عمره عام 1859 حين هاجر إلى نيوزيلاندا بفضل ثروة صغيرة كان يملكها وانصرف إلى تجارة الماشية، وهو منذ لقائه مع كتاب تشارلز داروين، بدأ يهمل تجارته بعد نجاح ساحق، ثم قرر أن يعود إلى إنجلترا وقد أضحى مستقلاً من الناحية الاقتصادية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


وهم اللا مكان

وفي إنجلترا كرس أيامه خلال المرحلة التالية للرسم والكتابة وللقراءة. كان يرسم كل شيء، ويكتب في كل المجالات، في الأدب كما في السياسة، في التربية كما في الدين. أما كتابه الأول الذي نشره في عام 1872، فكان أهم كتبه، وعنوانه "لا مكان" - حملها العنوان بالإنجليزية مقلوبة الحروف - غير أن هذا "اللا مكان" الوهمي الذي راح يصفه كان في الحقيقة بلده إنجلترا، الذي استخدم تلك التورية لكي ينتقده وينتقد أخلاقياته، فحقق من فوره نجاحاً كبيراً سرعان ما جعل اسم بتلر على كل شفة ولسان. غير أن بتلر لم يكتفِ، طبعاً، بذلك النجاح، إذ نراه خلال العقود الثلاثة التالية يكتب عشرات الكتب والمقالات، التي نشر معظمها خلال حياته، غير أن بعضها لم ينشر إلا بعد موته المفاجئ. وشملت كتاباته كل شيء، ولا سيما المواد العلمية، حيث نراه يخصص أربعة أجزاء لبحوث بيولوجية عارض فيها نظرية داروين انطلاقاً من مبدأ الوراثة الذي وجده أجدر بالاهتمام من مبدأ الانتخاب الطبيعي، ومن أهم كتبه في هذا المجال "الحياة والعادة" عام 1878، و"الصدفة والضرورة" عام 1886.
في مجال الأدب والفن نشر بتلر دراسات عديدة أيضاً أبرزها كتابه "جبال الألب ومنغلقات بييمونتي"، إضافة إلى أنه ترجم "الإلياذة" و"الأوديسة" إلى الإنجليزية، حيث إن ترجمته إياها ما زالت هي المعتمدة في الإنجليزية حتى يومنا هذا. وترجمته "الأوديسة" جعلته يكرس لها دراسة تثبت أنها كتبت في صقلية، وأن مؤلفتها هي الشاعرة نوزيكا!
إضافة إلى هذا كله، لم يفت صموئيل بتلر أن يلتفت إلى الموسيقى، حيث نراه يؤلف عدة مقطوعات كانت شهرتها، على أي حال، عابرة، لأنها لم تقنع نقاد الموسيقى ولا الجمهور كثيراً، مثلها في هذا مثل لوحاته.

متمرد حتى النهاية
مهما يكن، يبقى من بتلر حضوره الطاغي في زمنه، ولكن أيضاً كتابان هما الأشهر من بين كتبه، نشرا معاً بعد رحيله، وهما "هذا مآل كل جسد"، وهو يضم سيرته الذاتية على شكل روائي، و"دفاتر الملاحظات" الذي يعد أشبه بوصية، ويضم ملاحظات وأفكاراً مدهشة. ومع هذا، يبقى الأشهر من كتبه كلها الكتاب الذي جمع فيه مقالاته العديدة حول الآلة، بما في ذلك مقالته الأشهر "داروين بين الآلات"، الذي إضافة إلى كل ما ضمنه إياه، عارض في ثناياه نظرية داروين حول التطور الطبيعي بنظرية مبتكرة حول قانون الوراثة. ولعل تلك المعارضة المفاجئة تمثل التطور الذي بلغه فكره بين اللحظة النيوزيلندية التي أعادته إلى وطنه الإنجليزي وسنواته الأخيرة التي ازدادت فيها شكوكه حول كل فكرة تشغل باله لتهيمن على كل إبداعاته الفكرية أو الفنية أو الذاتية.

المزيد من ثقافة