Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أحلام شباب السودان تجهضها كوابيس السياسة والاقتصاد

يريدون تشكيل واقع تتحقق فيه الحرية والسلام والعدالة بدل المعاناة وعدم الاستقرار

لدى الشباب السوداني كم هائل من الطاقة وقدرة على العطاء والعمل لكنه غير موظف من جانب الدولة (اندبندنت عربية - حسن حامد)

مع تعرض الشباب السوداني لعدد من المؤثرات المباشرة سياسياً واقتصادياً خلال السنوات الثلاث الماضية، تشكلت لديهم تطلعات إضافية فرضها الوضع السياسي الصادر من الثورة والإعلام الجماهيري والمناقشات العامة، والمواجهة مع الظروف القاسية، فتجاوزت أحلامهم الفردية المقتصرة على ما يصبون إليه وأسرهم.

ولمضاهاة الحالة، اطلعنا على استطلاع مصغّر أجرته نشرة إلكترونية لبرنامج الشرق الأوسط في مؤسسة "كارنيغي للسلام الدولي" (صدى)، ووجدنا أن ضمان الحقوق المدنية والسياسية، وتنمية الاقتصاد وحل مشكلة البطالة، والاهتمام بالتعليم والتقنيات المتقدمة، احتلت المراكز الثلاثة الأولى في ترتيب أولويات التغيير التي يتطلع إليها الشباب العربي لإحداث تغييرات جوهرية بشأنها في بلدانهم.

وجاء بعدها تحقيق السلام والاستقرار وتوقف الحروب والانقسام، واحترام حقوق المرأة، ورعاية الثقافة والفنون. وشمل الاستطلاع الذي نُشر في 11 يناير (كانون الثاني) 2022، 79 مشاركة من 19 دولة عربية، على رأسها الأردن والمغرب والعراق واليمن وليبيا.

أما في ما يلي هذا التقرير عن تطلعات الشباب في السودان، فإنها لا تختلف كثيراً عما جاءت به تطلعات الشباب في دول عربية أخرى، لكن تكمن خصوصيته في ما تمر به البلاد من عدم استقرار منذ اشتعال ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018، واستمرار الحالة الثورية مع العنف ما انعكس على الشباب، الذين مثلوا وقودها، وأسهمت في تشكيل تطلعاتهم ورؤاهم في هذه المرحلة الزمنية.

في بلد يتسم بصغر أعمار سكانه، إذ تقل أعمار 60 في المئة من السكان عن 25 عاماً، يقل أيضاً احتمال مشاركة الشباب في القوى العاملة، أو حصولهم على فرص عمل، بحسب مدونة البنك الدولي الصادرة في أغسطس (آب) 2021.

وبوصفهم قادة التغيير المأمول، سألت "اندبندنت عربية" عدداً من الشباب والمتخصصين عن تطلعاتهم، وأثارت النقاش حول هذا الموضوع بالتركيز على محور التغيير، الذي يرغبون في أن يشهدوه في السودان عام 2022، ومدى أهميته.

طاقات كامنة

وقال أحمد عبد الخالق عثمان، وهو طبيب (26 سنة)، "نحن كشباب لدينا طاقات كامنة تنتظر التفجير بالإنتاج في شتى المجالات، لكن تكمن المشكلة في الفرص الوظيفية، فهناك عدم مساواة في توافر الفرص، إذ تحكم بحيثيات خارجة عن التقييم المهني للشاب، سواء عرقية أو جندرية، أو غالباً تخضع للمحسوبية (الواسطة) التي تحتكرها فئات معينة في المجتمع. وأتمنى أن يلتفت القطاعان العام والخاص لتوظيف الشباب وتأهيلهم وتطويرهم بورش عمل تطويرية لقدراتهم، وأن يتم التقييم بمقاييس مهنية تساعد على تطوير العمل، وتأهيل شباب قادر على نهضة الدولة والمجتمع".

وأضاف، "أتطلع كذلك إلى أن ينظر للمرأة ككيان مستقل لا يحكم بولي أمر (سواء أب أو أخ أو زوج) أو بمعرقلات إجرائية حتى تكون عضواً فاعلاً في المجتمع، وأن يكن رائدات، وأن يستفاد من عقولهن وطاقاتهن حتى يصنعن التغيير أسوة بنماذج عالمية كثيرة".

أما فدوى عبد الصادق، طبيبة أسنان، 24 سنة، فقالت "نحن كشباب لدينا كم هائل من الطاقة وقدرة على العطاء والعمل، وحس عال بالانتماء للوطن والاهتمام بالشأن العام، إلا أن ذلك غير موظف من جانب الدولة. وعلى الرغم من انخراطنا في أغلب المجالات المهمة والمؤثرة على المجتمع، فإن مشاركتنا في الجانب السياسي تعد قليلة جداً، ونتطلع إلى زيادة التوعية والتثقيف السياسي منذ الصغر والتنمية الفكرية والسياسية، التي تؤهلنا للمشاركة في عملية صنع القرار. واستثمار الشباب في التنمية السياسية".

تغيير سياسي

أما باسل بابكر، طبيب، 26 سنة، فقال "لم يشهد السودان استقراراً منذ استقلاله في عام 1956، لعدم التوافق بين الأحزاب السياسية والفجوة الكبيرة بينهم وبين الشباب، والتنوع الكبير في السودان سواءً كان عرقياً، أو عقائدياً أو جغرافياً. كل ذلك مع عدم وجود فكرة أو مشروع يرى كل أطياف السودان فيه أنفسهم، وهي ما تسببت في فشل المشروع السياسي في السودان. لذا، فإن تطلعاتنا هي أن يزول تهميش الشباب الذين يمثلون 70 في المئة من الشعب السوداني".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأوضح، "لهذا نرى أن الشباب السوداني فقير سياسياً رغم وطنيته. وأتمنى أن يكون هناك اتفاق شامل بين هذه الأحزاب، لتجاوز الأزمة الحالية من دون استثناءات وتقديم رؤية موحدة للنهوض بالسودان. كما آمل أن يجري إدراج الشباب في نشاطات الأحزاب السياسية والاستفادة من حماسهم وحسهم الوطني العالي للنهوض بالدولة السودانية".

وفي السياق نفسه، ذكر حسام هيثم، مهندس، وأمين عام منظمة الشباب الثوري للديمقراطية والتنمية، 25 سنة، أن "التغيير الذي نرغب به هو أن تنتهي حالة الاختناق السياسي، ويعم الاستقرار الاقتصادي والسلام الشامل البلاد في إطار الانتقال المدني الديمقراطي. ولن يتم هذا إلا بإنهاء الحالة الانقلابية التي تعيشها البلاد، وتعود إلى ما قبل إجراءات 25 أكتوبر (تشرين الأول)، لعدم جر البلاد للتمزق والانهيار والتقسيم والحروب الأهلية".

وتابع، "أتمنى فتح حوار جاد بين القوى الثورية الحية والسياسية، وأن نعيش حياة مستقرة ننعم بالتنمية والتعليم الجيد والصحة. وأن تكون البلاد آمنة ومستقرة في علاقاتها الخارجية، لأن ذلك يؤثر في فرصنا في التعليم والدعم الدولي، خصوصاً في مجالات التقنية".

من جهتها، قالت منار مصطفى، طالبة في كلية الإعلام، 22 سنة، "أتمنى أن أرى حرية التعبير عن الرأي تتحقق في السودان، وأن يزول التضييق على الصحافة والإعلام، وأن تكون الصحافة أكثر استقلالية وشفافية، وتقوم بمواجهة تحديات حقيقية، مثل تصاعد حدة الصراعات العنصرية والثقافية والطائفية حتى يسود السلم الاجتماعي".

وبينت، "أتمنى أن يسمح لمنظمات المجتمع المدني أن تمارس دورها، وتضغط على الحكومة، حتى تزيل القوانين القامعة للحريات، وردم هوة الثقة بين الصحافة والسلطة. كما آمل أن يجري تأهيل الصحافيين في دورات إعلامية وتدريب في الداخل والخارج".

تطوير المبادرات

وشملت التطلعات أيضاً ما جاءت به سحر علي، ناشطة مجتمعية، 27 سنة، بقولها "أتمنى أن يتم إيلاء الأطفال المشردين والنازحين من مناطق الحروب الاهتمام الذي يستحقونه. ومن النازحين أيضاً نساء وشباب كبروا، وهم يكابدون حالات العوز والجوع والمرض والجهل. وفضلاً عن أن هؤلاء ضحايا، فقد انعكست أوضاعهم ومرورهم بصدمات نفسية، مؤثرة على الأمن المجتمعي. ولذا آمل أن يعم الأمن وتنخفض الجرائم ومنها جرائم الأحداث في المناطق الطرفية للعاصمة الخرطوم وفي الأقاليم التي تقطن بها جماعات النازحين من مناطق الحروب. أتمنى أن يكون للدولة التزام أخلاقي وإنساني تجاه هذه الفئات".

وفي السياق، أفاد محمد همشري، أحد مؤسسي لجان المقاومة الشبابية في منطقة الخرطوم وسط، "لاحظت تطلعات الشباب في مجتمع مدني ديمقراطي ينعم بالسلام والحرية والعدالة أن يكون مجتمعاً بلا عنف، ومن دون عنصرية، وأن يجدوا فرصاً لتفجير طاقاتهم واستغلال موارد البلاد الضخمة، وأن يعم الحب والأمان بين المكونات المجتمعية والسياسية".

وأضاف، "أنه على الرغم من العقوبات الدولية التي كانت مفروضة على السودان، وأخرت مواكبة البلاد للتقنية، إلى أن هؤلاء الشباب استطاعوا أن يلحقوا بركبها، ويأملون توفرها بشكل أكبر وتوظيفها لتطوير البلاد".

وأعرب عن إيمانه بأن تذلل الصعوبات من أمام هؤلاء الشباب لـ"تطوير مبادراتهم الحالية في العمل الخيري والإنساني من خلال منظمات المجتمع المدني والمسؤولية الاجتماعية والتنمية التشاركية".

ضوء في آخر النفق

أوضحت المحاضرة بقسم علم الاجتماع والأنثروبولوجيا الاجتماعية بجامعة الخرطوم، عروب الأمين، أنه "نسبة إلى تباين المواقف السياسية والاقتصادية والاجتماعية لدى الشباب وتأثرهم بالوضع الحالي، ظهرت تطلعاتهم وطموحاتهم وآمالهم من خلال الشعارات التي أطلقوها منذ ثورة ديسمبر وحتى الآن".

وأضافت، "ليس من الضروري أن يكون هؤلاء الشاب منظمين سياسياً، فأغلبهم ليس بينهم وبين الأحزاب السياسية وشيجة، لكنهم دخلوا ساحة الفعل السياسي، وهو ما كان غائباً عن أنشطتهم. كما حدث بسبب ذلك تحول في آمالهم تختلف عما قبل ثورة 2018، وبدرجة ما عما قبل حراك سبتمبر (أيلول) 2013. وهذا يعني أن السنوات الأخيرة من عهد حكومة (الإنقاذ) شهدت انتقال هؤلاء الشباب من خانة المتفرج السلبي إلى خانة المتفرج الإيجابي للساحة العامة".

وذكرت، "بإدراكهم أن لهم دوراً يجب أن يقوموا به، تشكلت رؤى الشباب بالتحول من المتفرج الإيجابي إلى خانة المشارك الفاعل، ما يدل على حدوث تغيير في الثقافة السياسية لهم، إذ أصبحوا أكثر اهتماماً بقضية التغيير السياسي والاقتصادي للمجتمع السوداني، كما صاروا على قناعة بأنهم يجب أن يكونوا جزءاً من المشهد السياسي الحالي، وأن على عاتقهم تغيير هذا المشهد وإعادة تكوينه باعتبارهم فاعلين رئيسيين فيه".

وتابعت، "لكن عندما ننظر إلى التغييرات التي يطمح لها الشباب في المجال السياسي، التي تتضمن على سبيل المثال إجراء تغييرات جراحية عميقة ومفصلية في بنية وهياكل حكم الدولة، وبنية الأحزاب السياسية وتوسيع قاعدة المشاركة الشبابية والنسائية فيها، وإعادة تشكيل علاقات القوة بين المكونات المدنية والعسكرية من جهة، والمكونات المدنية الحزبية واللاحزبية من جهة أخرى، وغيرها من التغييرات المطلوب تحقيقها أو تبنيها، والسعي في تحقيقها بواسطة القوى السياسية، نجد أنه قد ازداد عمق الهوة بين رؤى الشباب الثورية، وما انتهت إليه الثورة سياسياً، لكن لا يزال ثمة ضوء في آخر النفق".

تحول نوعي

لا يزال الشباب السوداني يتعثر في واقعه الحالي المفروض عليه نتيجة لفشل إدارة الدولة والاقتصاد، لكنه رغماً عن ذلك يرسم عوالم مختلفة تتقاطع فيها أحداث ما كان وما يجب أن يكون.

ومن دون انفصال عن الواقع، عبر هؤلاء الشباب في هذا التقرير عن أن ما يحتاجونه ربما يكون أكبر من أعمارهم المنفلتة من عقال الأحلام العادية. قالوا إنهم يريدون تشكيل واقع تتحقق فيه (الحرية، والسلام، والعدالة)، بدلاً من المعاناة وعدم الاستقرار. اعترفوا بأن أحلامهم مثقلة بالتمني، لكن لتغيير واقع مأزوم، لا بد من الرهان على ما يؤمنون به، وما يراه البعض مستحيلاً، ربما يتحقق قريباً أو يؤسس لمشروع تحول نوعي في حياتهم وحياة مجتمعهم.