Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رواية كورونا العربية لم تحقق الحدث المنتظر

هاجس الوباء تعدد في مقارباته  السردية ولا بد من الانتظار كي يتوضح المشهد

كورونا مادة روائية (موقع فن كورونا - اندنبدنت عربية)

ظل الشعر في العصرين القديم والوسيط "ديوان العرب" الذي يسجل آمالهم وآلامهم وأيامهم وما يواجهونه من أحداث كبرى، سواء جاءت من الخارج ممثلة في غزوات أعدائهم أو جاءت من الداخل ممثلة في ما يلم بهم من أوبئة. ومع نشأة الرواية واستقرارها في الثقافة العربية فإنها أخذت هذا الدور، وأصبحت كما قال علي الراعي ديوان العرب المعاصرين. ولا شك أن الشاهد الأخير على ذلك هو ملاحقتها وتصويرها لوباء "كوفيد"، ورصد آثاره وتأثيراته على مستويات الحياة المختلفة بخاصة لكونه لم يترك دولة فقيرة أو غنية ولم يفرق بين خفير ووزير، بل تساوى الجميع أمام آثاره المدمرة. ولم تكن هذه الملاحقة الروائية غربية، فقد فعلتها الرواية مع أسلاف هذا الوباء كما نجد (عالمياً) في رواية "الحب في زمن الكوليرا" لماركيز، وعربياً في سيرة طه حسين "الأيام". وقد وظف كثير من الأدباء هذه التيمة فتخيل ساراماغو انتشار وباء فقد البصر في رواية "العمى"، وتخيل جمال الغيطانى انتشار وباء العجز الجنسي في "وقائع حارة الزعفراني". ومع انتشار وباء كورونا وتحوراته، تكاثرت الروايات المعبرة عنه مثل "كجثة في رواية بوليسية" للمغربية عائشة البصري، و"أيام هستيرية" للمصري ناصر عراق، و"ليليات رمادة" للجزائري واسيني الأعرج، و"غربة المنازل" للمصري عزت القمحاوي، و"سر العنبر" للمصرية مي خالد.

صدرت هذه الروايات في عام 2021، لتكمل ما صدر من أعمال روائية عن الوباء نفسه صدرت في العام الذي سبقه. ولا ينبغي أن نتخيل وجود فوارق كبيرة بين روايات العام الأول عن الثاني. فمرور عام في عمر الرواية لا يصنع فوارق أو نقلات تقنية. وبغض النظر عن هذا البعد الزمني، فإن بمقدورنا ملاحظة شيوع دلالة "كورونا" في عناوين كثير من الروايات التي (غالباً) ماكتبت عام 2020 مثل "ألاعيب خالد مع كورونا" للموريتاني محمد ولد محمد سالم، و"هاربون من كورونا" للأردني مصطفى القرنة، و"وهم الكورونا" للعراقي حسن عبيد عيسى. ما يوحي بأن الوباء هو محور الأحداث، وقد أوحى ذلك بتأثرها بعنوان "الحب في زمن الكوليرا" لماركيز، وكشف عن محتواها منذ العتبة الأولى. بينما اختفت هذه الدلالة مع بعض الروايات (والغالب أنها مكتوبة 2021) مثل "أيام هستيرية"، و"غربة المنازل"، و"كجثة في رواية بوليسية"، و"سر العنبر". فقد اتضحت فيها سمة تأمل الحدث والتوسع في دلالاته بحيث لا يقتصر على الوباء. فهناك كثير من الأوبئة المجتمعية التي تجاوره، وقد تطغى عليه في كثير من الأحيان.

"كجثة في رواية بوليسية"اندبندنت عربية)

يبدأ العنوان بأداة تشبيه ومشبه به، ما يعني أن هناك مشبهاً محذوفاً هو في الغالب الذات المتكلمة، وهكذا يصبح أصل الجملة "أنا كجثة في رواية بوليسية". والجثة في رواية بوليسية دائماً ما يكون قاتلها مجهولاً ولا نعرفه إلا في نهاية العمل. وهو ما يوحي بالغموض المبدئي الذي يحيط بهذا الوباء المنتشر دون أن يعرف أحد سره. فهو، كما ترى الساردة أشبه بـ"كرة صغيرة حمراء ناتئة، كرة لا ترى بالعين المجردة تتجول في شوارع فارغة تطير بين المدن والدول والقارات". وعلى الرغم من اتكاء راوية "كجثة في رواية بوليسية" (الدار المصرية اللبنانية) على أحداث واقعية، حيث كتبت أثناء فرض الحجر الصحي على مدينة الرباط، وهي مهداة لموتى وباء كورونا، فإنها لا تخلو من الخيال المستمد من هذا الواقع. فحين فتحت الراوية عينيها كان العالم قد اختفى ووجدت نفسها في غرفة بيضاء تخضع لتحقيق رجل عسكري طوال ليلة تمتد أشهراً، وفي مكان ضيق يتسع ليصبح مركزاً لتجميع آلاف الجثث الموبوءة. لهذا فإن مواجهة الموت تتم على مستوى الواقع والسرد. تقول الكاتبة: "ليس من عادتي أن أكتب عن موضوع آني. لكن تحت تأثير أجواء الموت والعزلة لم أستطع تجاهل ما يحدث في العالم". في حين تسمع عبر مكبر صوت: "نأسف لعدم تمكن حالات الموت الوبائي من توديع أقربائهم وإقامة جنازات لائقة". نحن إذاً أمام أحداث موت متتابعة وقعت في عام 2020، وتحاول الكاتبة تصويرها.

من الأردن وموريتانيا

يمتد زمن رواية "هاربون من كورونا" (دار الرواية العربية) لعدة أشهر، ليشمل الهجمة التي شنها وباء كورونا وأصاب دول العالم. ويلجأ الكاتب لحيلة سردية ليوحي بعولمة هذا الوباء حين يجمع في إحدى مدن الأردن، شخصياته من دول مختلفة تلتقي معاً ليجمعها فضاء مليء بعدم اليقين والخوف من الفيروس وتداعيات الإصابة به في كل مكان في العالم. ثم يتطرق إلى تجارة الحيوانات البرية وثقافات الشعوب المختلفة في ما يخص ذلك، ومحاولة معرفة الأوبئة السابقة وطرق انتقالها من الحيوانات إلى الإنسان. ومن الحوارات الدالة على ذلك يمكن أن نقرأ، "– ماذا تريد سيدي من الجمل؟ / - أريد أن أحاكمه سترى بعينيك أنه سوف يعترف بجرمه الذي قام به إياك أن تخدعني "آي" كأني سمعت أن الخفاش هو السبب".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يقيم محمد ولد محمد سالم روايته "ألاعيب خالد مع كورونا" (المؤسسة العربية للدراسات والنشر)، على تيمة بسيطة لكنها مؤثرة. وتتمثل هذه التيمة في رغبة طفل في اللعب. فعلى الرغم من بساطة هذه الرغبة، فإنها قد أصبحت مع انتشار الوباء شبه مستحيلة. وهكذا يمكن القول إن الموضوعة الرئيسة في هذه الرواية تدور حول "معاناة طفل موريتاني تعود على اللعب مع أصدقائه بحرية في الأحياء الشعبية الموريتانية، وعندما انتقل إلى الإمارات تأقلم سريعاً مع أجوائها وكون مجموعة من الأصدقاء يخرجون معه ويشاركونه ألعابه، وعندما تظهر الجائحة يجد نفسه محروماً من الخروج". وهي موضوعة خفيفة بسيطة، لكنها معبرة عن الأجواء الكابوسية التى تسبب فيها هذا الوباء.

"غربة المنازل"

تقوم هذه الرواية على تتبع آثار الوباء من خلال العزلة التي فرضها على سكان بناية واحدة عبر حكايات وأسرار كل شقة وتعامل سكانها مع الحدث. هنا شخصيات مختلفة يجمع بينها الخوف من الفيروس: البواب، وعالِم متخصص في الذباب، وطبيب نساء، وموسيقي سابق. ويتكئ الكاتب على "حكاية عبدالله الفاضل" الواردة في "ألف ليلة وليلة" الذى كلما مر بأحد في المدينة يجده قد تحول إلى حجر. وهو ما يتوازى مع ما يحدث في المدينة المعاصرة التي أطلق عليها عزت القمحاوي "مدينة الغبار". ولكي يلم الكاتب بحكايات كل هذه الشخصيات فقد اعتمد وضعية الراوي العليم، راصداً كذلك تفاعل الناس عبر وسائل التواصل الاجتماعي مع انتشار الوباء، وما ترتب عليه من تباعد اجتماعي على مستوى العالم الواقعي.

ويمكن القول إن رواية "غربة المنازل" (الدار المصرية اللبنانية) "تجربة جديدة قوامها الصمت الذي فرضته عزلة كورونا، وفي ظل تعطل الكلام تتمدد مساحة الحواس، حيث يفسح السرد مجالاً لملمس الحياة ورائحتها وطعمها وألوانها، ما يجعل من القراءة عملاً لكل الحواس تحت المظهر المخادع لهدوء العزلة الحزين". كما تقدم الرواية بانوراما تاريخ الأوبئة وأسلاف هذا الوباء. ويرى الكاتب أن الانفصال بين الشخصيات حادث قبل الوباء، فهناك المؤرخ الوحيد المنعزل في شقته وشقيقه الذي يعرف كل شيء عن الذباب، ولا يعرف شيئاً عن المرأة، ومدير صندوق البناية الذي "تطير زوجته فجأة"، ما يجعل هذا العمل عن المدينة أكثر من كونه عن الوباء.

"أيام هستيرية"

كيف يحاصر الوباء زوجين تجمع بينهما الكراهية داخل شقة مغلقة ويدركان استحالة استمرار علاقتهما؟ هذا هو موضوع رواية "أيام هستيرية" (دار الشروق) لناصر عراق، وهو سر دراميتها وفنيتها، حتى أننا من الممكن أن نطلق عليها "الزواج في زمن كورونا". وفي هذا يقول الكاتب، "إن العالم لم يمر بجائحة شاملة ملغزة قصمت ظهر الكرة الأرضية مثل هذه. ففيروس كورونا الوغد (كما وصفتُه في الرواية)، أغلق نوافذ الكوكب كله في لحظة واحدة، الأمر الذي أثار مخيلتي الروائية بشكل كبير فابتكرت حكاية تتكىء على مشروع زواج تم سريعاً عبر فيسبوك بين رجل مصري بلغ الستين يعيش في دبي، وفتاة أربعينية تعيش في القاهرة، فلما جاءت لتعيش معه غزا الكوكب ذاك الفيروس السفاح وتعطلت حركة الطيران.

وهكذا ظل الزوجان محاصرين داخل شقة طوال مئة يوم تقريباً يمضغان النفور كل لحظة". وكأن الكاتب يريد أن يقول، إن الوباء قد أثر في أكثر شؤون الشخصيات خصوصية، وقيد حريتهم وحاصرهم رغماً عنهم. وتبدو لي "ليليات رمادة" بجزئيها (دار الآداب – بيروت) للجزائري واسيني الأعرج على العكس من ذلك. يقول الكاتب، إنه قد واجه الموت حقيقة في سبيل إنجازها. وهي تدور حول قصة حب بين الشابة "رمادة" والشخصية الاعتبارية "الموسيقار العالمي شادي"، وترصد الصراعات الناجمة عن انتشار وباء كورونا والصراعات السياسية في مدينة خيالية. ولا يختلف الأمر كثيراً في رواية "وهم الكورونا" (دار النخبة) للعراقي حسن عبيد عيسى، ورواية "عائدون بلا روح" (دار شهرزاد) للأردنية أمل عبده الزعبي، ورواية "الحب في زمن الكورونا" للمصرية أماني التونسي، التي تولت كاتبتها نشرها بنفسها على الإنترنت، عما سبق، حيث تدور جميعها حول وباء كورونا وما تسبب فيه من آثار على الحياة الخاصة والعامة.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة