Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تشسواف ميووش الشاعر البولوني المنشقّ كتب أناشيد اللؤلؤة

قصائد ذات منحى رؤيوي تنطلق من أنقاض الكارثة البشرية

الشاعر البولوني تشسواف ميووش (دار الجمل)

يقول الشاعر الليتواني- البولوني تشسواف ميووش (1911-2004) الحائز نوبل للآداب عام 1980، عن أعماله الشعرية: "إنّ المنفى هو قدَرُ الشاعر في هذا العصر. وأينما وجدتَه، سواء في وطنه أو في الغربة، تراه شديد التعلّق بهذا الكون الأليف من معتقدات الطفولة وتقاليدها. وليس للمنفى، بحدّ ذاته، أي جانب سلبيّ أو إيجابي. وإنما ينبغي قبول المنفى فحسب، إذ يتعلّق الأمر بما يمكن للمرء أن يفيد منه في تلك الأثناء".

أقام تشسواف، منذ ولادته، في عاصمة ليتوانيا، فيلنيو، حيث أتمّ دروسه الثانوية والجامعية، ولما بلغ العشرين أنشأ وزملاء له إحدى حلقات الأدب الطليعي، تبلورت في اتّجاهه الرؤيوي والكارثي الذي اتّبعه. وفي عام 1933، نشر أولى مجموعاته الشعرية بعنوان "قصائد الزمن الجامد"، وقد بدا متأثّراً بالفيلسوف الصوفي الجديد إيمانويل سويدنبرغ، ولم يلبث أن نال جائزة نقابة الكتّاب البولونيين في ويلنيوس.

تنقّل الشاعر ميووش، في وظائفه؛ فكان معدّاً للبرامج الثقافية في إذاعة فيلنيوس الرسمية، وإبّان احتلال الجيش الأحمر البلاد، تابع إعداده الأكاديمي عبر المحاضرات السرية التي كانت تُعطى للطلاب والأكاديميين، ولمّا أسندت إليه مهمّة المستشار الثقافي لبلاده في الولايات المتحدة الأميركية، تحيّنها فرصة لإعلان انشقاقه عن الجمهورية الشعبية في بولونيا، طالباً اللجوء إلى فرنسا، حيث واصل دفاعه عن حرية الرأي والفكر في بلاده، لا سيما في الأدب والشعر،  ولكن من دون أن يلقى القبول لدى النخبة المثقفة هناك، الميّالة بغالبيتها العظمى إلى اليسار.

فظائع التوتاليتارية

أوائل الستينيات، انتقل الشاعر ميووش إلى أميركا حيث أمكنه أن يواصل تجربته الشعرية، وأن يصدر العديد من الأبحاث الفكرية نظير كتابه "استلام السلطة" (1962) الذي نال شهرة عالمية واسعة، وفيه تحليل للتوتاليتارية الشيوعية وكشف لفظائعها. وأعمال نقدية، من مثل "تاريخ الأدب البولوني" (1969) والذي بات مرجعاً معتمداً في هذا الشأن. وكان قد عيّن أستاذاً زائراً لدى جامعة باركلي منذ عام 1960 إلى أن حاز نوبل للآداب عن مجمل أعماله عام 1980، وخطر له أن يعود إلى بلاده بولونيا وقد انتصرت فيها نقابة التضامن وحازت قبولاً من غالبية المواطنين، وباتت أشعاره على كل شفة ولسان، ولا سيما في غدانسك، حيث نقش هذه الابيات له: "أنتَ، يا منْ جرحتَ إنساناً بسيطاً، بأن هزئتَ بمأساته. حاذرْ، فإنّ الشاعر يتذكّر ذلك. وإن أمكنك قتله فلسوف يولد آخر. ذاك أنّ الأعمال والأقوال لن تُمحى!"

بيد أنّ آماله سرعان ما خابت، بعودة الشيوعيين إلى الحكم، فأقفل عائداً إلى أميركا حيث تسلّم كرسيّ الأدب البولوني في جامعة هارفارد.

وبالعودة إلى كتاب تشيسواف ميووش المترجم إلى العربية من البولونية، على يد الشاعر والكاتب العراقي هاتف الجنابي، والصادر حديثاً (2021) عن دار منشورات الجمل، بعنوان "أنشودة اللؤلؤ" ، والذي أعدّ له مقدّمة تعريفية وافية بالغرض، وفيها تعريف باتّجاه الشاعر الخليط بين "الشعر (الخالص) والعرفان"، و"تأثّره بالثقافات القديمة وبالأديان" و"بالتصوّف والنصوص الإشراقية وبالغنوصية" وكتابات آباء الكنيسة الأوائل، ولا سيما الكنيسة الآرامية السريانية، من مثل برديصان بالقرن الثالث للميلاد، ومار يعقوب السروجي، في القرن الخامس (والذي كان أوّل من شبّه الإيمان باللؤلؤة)، بخلاف ما يقول الفيلسوف الألماني الأميركي اليهودي الأصل من أنّ أنشودة اللؤلؤة نامية إلى أصلها اليهودي. يضاف إلى هذا تأثره بأعمال فلاسفة وشعراء وفنانين غنوصيين من مثل: وليم بلايك وسويدنبرغ ودوستويفسكي وغومبروفيتش، وغيرهم.

اللغة الكثيفة

وأياً تكن هذه التأثيرات، والمدلولات الرمزية التي أعطيت للؤلؤة، على مدار الأزمنة فإنها لا يسعها أن تحجب رؤى الشاعر الفريدة، ولغته الشعرية الكثيفة التي اختلطت فيها الأساليب، بحيث اتّبع القصيدة المفردة، وجرّب الهايكو الياباني، وسعى إلى مصالحة المقدّس العرفاني مع المبتذل اليومي المستلّ من السّيرة الذاتية. كما تبيّن قراءة سريعة للمجموعة أنّ الشاعر خلط فيها السردَ بالشعر والوصفِ والتعليق، وزاوج بين الشعر الخالص والتأريخ، وأدخل التأملات الغنوصية إلى الصور الشعرية المستفادة من واقع الشاعر ورؤاه ومعاناته. وقد انقسمت المجموعة الشعرية "أنشودة اللؤلؤ" ستة أقسام غير متساوية، تسعى القراءة إلى تبيان أهم مفاصلها ومضامينها وخصائصها، على التوالي؛ فالقسم الأول، وهو بعنوان "أنشودة اللؤلؤ" يمهّد له الشاعر بإقرار صريح بأنه، فيما ينظم قصائده، إنما يحاكي أو يستوحي عملاً بهذا العنوان من أعمال الرسل، أو من تأليف برديصان (154-222م) وهو فيلسوف ومنجّم ومؤسس مدرسة الرّها، على وجه الاحتمال. وبالعودة إلى التراث السرياني، يتبيّن أنّ مار يعقوب السروجي (451-520م) هو صاحب فكرة "الإيمان اللؤلؤة"، إذ يخاطبها قائلاً: "إنّ الإيمان يُحفظ كما هو، من دون كلام كثير، إنّ المحبّة ذهبٌ، أما الإيمان فهو لؤلؤة". (مطران لويس ساكو، آباؤنا السريان). في هذه القصيدة السردية الأولى بالكتاب، يروي الشاعر بلسان شخصٍ، ربما كان الرسول توما، وقد أرسله والداه "من الشرق" وزوّداه بكنز، وكتبا في قلبه "ستنزل في مصر وتحضر اللؤلؤة التي تقع في وسط البحر ملفوفة بجسد تنّين يتثاءب".

الباحث عن اللؤلؤ

وعلى هذا النحو، يمضي الشاعر في تخيّل سيرة الباحث عن اللؤلؤة في مصر، وما يلاقيه في سبيل ذلك من مخاطر، وكيف أنه واجه التنّين، ورماه بالتعويذة المعطاة له من أمه "ملكة الشرق" حتّى غفا، فأخذ اللؤلؤة، وعاد بها إلى "بلاط ملك الملوك، وأنا أحمل اللؤلؤة". وبالانتقال إلى القسم الثاني بعنوان "الجبل السحري"، يبدو واضحاً أنّ الشاعر ههنا يعمد إلى استيلاد مناظر متخيّلة، وابتداع حوارات على ألسنة شخصيات واقعية، مثل "بودبيرغ" أو من التراث البولندي مثل شخصيّتي لورا وفيلون، أو غيرهم، نازعاً إلى استخلاص الحِكَم والعبَر والأفكار الدالة على رؤيته الغنوصية حيث تمتزج مصائر الكائنات على نحو غير مرئيّ وتتصعّد. "شعرتُ أنّ بودبيرغ كانَ على حقّ وتمرّدتُ/ فلذا لن أنالَ القوة، لنْ أنقذَ العالم؟/ والشهرةُ ستجتازني، فلا السيادة ولا التّاج/ بعد ذلك هل درّبتُ نفسي أنا الفريد على ذلك/ كي أنظم المقاطع الشعرية للنوارس وضباب البحر/ أن أصغي كيف تهمهم في الأسفل صافراتُ السّفن؟". ومن ثمّ تراه يفرد قصائد للتأمّل في الوحدة، والشيخوخة، والسقوط، والإغواء، والأمانة، والجحيم، والفكرة، والأسى، وما يستوحيه من الشعر الياباني، على التوالي، مختتماً القسم بأشعار من الهايكو، من مثل: قصيدة "نزوح": عندما أتينا كانت هنا البرّية فحسب تنمو كثيفة، أوه، كالأصابع".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما اللافت في القسم الرابع، وهو بعنوان "دفتر منفصل (1977-1979)، فهو انطواؤه على قصائد تجاور فيها الشعر الخالص مع التاريخ المستمدّة وقائعه من حياة روسيا وتاريخ التصوّف وبعض الخوارق النامية التي قد يجترحها ذوو المقامات الروحية الصوفية. وإليك مثالاً على ذلك: "يردُ في سجلّ الأحداث: بعد وفاته بفترة وجيزة بدأ يخيف الناس، منذ ذلك الوقت لم يكن هناك هدوء في القلعة، لأنّ الجميع شرعوا بالقول إنّ السيّد أوغنيوش كان يسير. وكان الأثاث يتحرّك، ويمشي المكتب في غرفته، وتعزف آلة البيانو ليلاً في مكتبه، وحدثت أشياء غريبة بالطابق العلوي...". وعلى هذا النحو، يواصل الشاعر، وعلى امتداد الفصل الرابع الطويل، بسط أسلوبه الشعري الفريد الذي لا يأنف فيه الشاعر من إيراد الوقائع التاريخية، المنتقاة بعناية لتناسب رؤيته الغنوصية، إلى جانب نصوص شعرية خالصة يستخلص فيها الشاعر حالاتٍ ويعلي قيماً ويبرز أحوالاً جحيمية وأخرى سماوية وخلاصية. "أيها الجمال، البرَكة: أنتَ كلّ ما جمعتُ/ من حياة مريرة ومشوّشة/ تلك التي تعلّمتُ فيها عن الشرّ، شرّي وشرّ سواي./ استحوذ الإعجابُ عليّ وهذا الذي أتذكّره فحسب،/ شروق الشمس على الأخضر اللامتناهي، كون/ من العشب والزهور تتفتّح على الضوء الأول/ سألتُ مراراً هل هذه حقيقة الأرض؟/ كيف يتحوّل النحيب واللعنات إلى تراتيل؟" أما القسمان الخامس والسادس (كبير، وشارع ديكارت) فقد خصّهما الشاعر باستيحاء المتصوّفين، والكتابة على هدي "كبير الهندي"، متواشجاً فيه مع التراث الصوفي المشرقي الغني.

أللشاعر تشسواف ميووش العشرات من المجموعات الشعرية والأعمال النقدية والفكرية، أذكر أهمها على توالي سنوات نشرها: رحلة، قصائد عن الزمن المتجمّد، وثلاثة شتاءات، والخلاص، والفكر الأسير، واستلام السلطة، وضوء النهار، وبحث في الشعر، وأوروبا المختلفة، والملك لوبيي وقصائد أخرى، ورؤى من خليج سان فرنسيسكو، والمدينة بلا اسم، وتاريخ الأدب البولوني، وأمبراطور المسكونة، ونشيد اللؤلؤة، والأرض غير الستنفدة، ووقفة ماورائية، وغيرها. وتجدر الإشارة إلى أنّ ترجمة الكتاب التي أنجزها الكاتب والشاعر هاتف الجنابي تستحقّ التنويه لما يفترض أن تعتريها من صعوبات متصلة بكثرة المراجع والإحالات، ومن التفاوت بين مستويات اللغة التي يحسن بالمترجم ان يراعيها لدى نقل الأصل إلى العربية.

المزيد من ثقافة