Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أطباق الفطور البغدادي... إرث الترف العباسي

لا يحلو الصباح العراقي إلا بأكلات الكاهي والقيمر والبقلاء والمخلمة وكوب الشاي عامل مشترك بينها

يعود تاريخ المطبخ البغدادي إلى زمن الخلافة العربية العباسية، التي استمرت من 762 إلى 1258، أي ما يزيد على خمسة قرون، وخلالها اختلطت الأجناس وتمازجت الحضارات، لتنهل من معين "التبغدد العباسي"، وتنوّع المعارف فيها، من المنصور والرشيد إلى المأمون وبيت حكمته، حتى آخر خلفاء بني العباس الناصر لدين الله.

و"التبغدد" صفة تطلقها الحواضر الأخرى على حياة أهل بغداد، الذين وصلوا إلى مراحل من الترف وسعة المعرفة من تعاظم خزائن الخراج التي تأتي إليها، حتى غدا بيت المال فيها وزارة، وعمّاله مئات، والوافدون إليها ملايين.

ثقافة العباسيين ومطبخ أهل بغداد

ولهذا الترف العباسي مخرجات انعكست على مأكل الناس ومشربها ودعة الحياة فيها، يديمها اثنان: المياه المتدفقة على جانبي دجلة والفرات، والزراعة الوفيرة التي توفر الغلة المتنوّعة والمتعددة الصنوف، والأنواع التي كانت سبباً في تنوّع الطعام وأنواع الشراب عبر شبكة ري مدهشة تستجلب المياه من النهرين دجلة والفرات، حتى تدفق إليها الشعراء والأدباء، واستجلب لها الجواري والحسان في زمن التبغدد لخمسة قرون قبل غزو المغول والتتار لها.

وترك ذلك ثقافة وتركة من العادات والتقاليد، التي استمرت في حياة الناس وطريقة عيشهم، نراها في فرط الاهتمام بالمأكل والمشرب والارتداء والأقمشة الغالية التي تستخدم والأفرشة الحريرية والحُلي، وتنوّع الصاغة والأسواق في أزقة بغداد المتنوعة، التي لكل شارع فيها ذكريات وعادات، وتخصصات ورواد.

تنوع فطور البغداديين وعاداتهم

ومن بين عادات أهل بغداد فطورهم الصباحي، الذي يتنوّع على طول المدينة وعرضها حتى تخالها مدينة تستيقظ من أجل الإفطار، وتجلس من أجل التذوق لأطايب الطعام الذي يملأ أسواقها ويمتد إلى حاراتها.

توجد كثير من الأكلات الصباحية، التي اعتاد العراقيون تذوقها، ومن أبرزها (الكاهي والقيمر)، وهي أكلة شعبية عراقية صرفة، تجمع بين حلاوة مذاق الكاهي، وهو نوع من الخبز المشويّ المعجون بالسمنة والمحلى والمنقوع بالزيت، والقيمر وهو سمن حيواني من لبن الجاموس المُستجلب من الأرياف المحيطة ببغداد، الذي تبدأ رحلة تحضيره في الرابعة صباحاً، حيث برودة الطقس، ودعة المدينة التي لا يتحرك فيها سوى المزارعين بهدف إيصاله على عجل إلى المحلات مبرّداً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يجهّز الصناعون أطباق الكاهي بمهارة وخبرة ليكون له طعم مميز ونكهة خاصة يحضّرها عمّال مهرة لا تراهم إلا في أوقات الصباح الباكر، ويختفون في الثانية عشرة وسط انتصاف النهار، لتحضير الفطور الذي يطلق عليه أيضاً دعابة (فطور العرسان)، إذ اعتاد أهل العرسان جلب صواني القيمر وطبقات الكاهي المشوي في أفران خاصة، في أيام الأعراس الثلاثة الأولى، ويحتفون عند الصباح بعد أن يكون الكاهي الحار قد جُلب من الأفران والقيمر وصل البيوت من الأسواق القريبة من أهالي بغداد الذين يؤمون سوق الصدرية التراثي قلب شارع الرشيد الذي يمتاز بتنوّع الحياة والأسواق الضاجة بالباعة، بعد أن جرى وصوله أحياناً من مدينة الحلة القريبة أو سدة الهندية (التي تبعد سبعين كيلومتراً جنوب غربي مركز العاصمة)، التابعة لها، واستقر في سوق الصدرية أو الكسرة.

ولا يحلو الصباح البغدادي إلا بأكلة الكاهي والقيمر مع خلطة بالعسل أو الدبس، وهناك جيوش من العاملين في الأفران التي يشوى فيها عجين الكاهي المخلوط بالزيت، أو الفلاحات اللواتي يستجلبنّ حليب الجاموس فجراً للمعامل والمصانع التي تحصر طبقات القيمر الشهية. وتستمر دورة هذه الأكلة التي يعقبها الشاي، وينتهي عالمها حتى الثانية عشرة ظهراً.

ومن أكلات الفطور الصباحي الشائعة الأخرى طبق البقلاء والدهن الحر التي يعمّر البغداديون وجبتهم الصباحية فيها، وهي أكلة مليئة بالدهون التي تؤكل صباحاً أوقات الشتاء في الغالب، حين يقوم العامل المختص من نزع قشور البقلاء وقليها بالدهن الحر (الحيواني)، وتحضير طبق التشريب من الخبز المرشوش بالدهن المقرون بطبقة من البيض المقلي مع رشة بالباقلاء، مع رش مادة (البطنج) أو السنبلية، أو نعنعاع الماء، وهي مادة عشبة مستخلصة من نبتة تسمّى علمياً (لينيوس)، التي تضفي نكهة، وتبدد حدة الدهون، ويقدم هذا الطبق ساخناً بنكهات عدة.

أطباق دسمة لضرورات العمل الطويل

وهناك من يفضّل أن يبدأ صباحه بطبق الكبة الموصلية أو كبة السراي الشهيرة التي تتميز بحشوتها المليئة بلحم الغنم، مع مطيبات تعطيها نكهة، أبرزها الفلفل الأحمر، مع تناول الخبز العراقي الخاص المسمّى بـ (الصمون) الحار، وهذه الأكلات في الغالب تعطي طاقة للعمل، وتحفّز أصحابها على انتظار وجبة الغداء المتأخرة في الغالب، لا سيما أهل المصالح والورش الذين في الغالب لا يلحقون وجبات الغداء في بيوتهم حتى الخامسة عصراً، لذلك يعمدون إلى الفطور الدسم، الذي يمنحهم طاقة تسد جوعهم.

ويوجد تنوّع للكبة العراقية وطريقة عملها عن بقية المحافظات والمدن الأخرى، وفي طريق صنعها وحشوتها المليئة بلحم الخروف الطرية، سهلة الهضم، وهي تتنوّع بين المطاعم شهرتها وصناعها وحرفيها، وأسماء صانعيها، لكن كبة السراي في شارع المتنبي تعد سيدة الكبب نكهةً وطعماً وشهرةً، وإقبال الناس عليها من جمهور المثقفين والطلبة ورواد المكتبات وزوار شارع الرشيد ومبنى سراي الحكومة القديم، وتُباع على عربات مجهزة بقدور كبيرة تغلي بمراجل حرارية تديم حرارتها، لا سيما في فصل الشتاء.

وهناك من يفضّل طبق (المخلمة)، وهي خلطة من لحم الغنم والبيض المقلي والطماطم والمنكهات التي تتميز بطعمها اللذيذ، حين يُحسن الصانع لهذا الطبق الرايق.

ولا تختتم طقوس الفطور (الريوق العراقي) إلا بشرب الشاي، الذي دخل البلاد العربية مطلع القرن الماضي، وكانت البصرة بوابته مع الحملة الإنجليزية لاحتلال العراق، التي قال عنها الجنرال الإنجليزي مود جئنا محررين الفاتحين، ودخلت جيوشهم من البصرة حتى آخر محافظة عراقية قرب الحدود التركية دهوك، السليمانية التابعة لولاية الموصل.

المزيد من منوعات