Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بين التشريع والتجريم... أزمة المخدرات تتفاقم في أميركا

هل التعامل مع الإدمان على أنه مشكلة طبية وليست جنائية يعد خطوة ذكية نحو تخليص البلاد من الأرقام الكارثية التي وصلت إليها؟

تقديم المخدرات بشكل قانوني وتحت إشراف طبي ليس المقترح الوحيد لمحاولة الحد من هذه الأزمة التي حوّلت بعض شوارع الولايات المتحدة إلى مشاهد مفزعة (أ ف ب)

لا شك في أن دول العالم أجمع ما زالت إلى الآن محتارة في اختيار أنجع الطرق للتعامل مع فيروس كورونا الذي سيتمم قريباً عامه الثاني، وهو يحمل لقب وباء عالمي. لكن على الولايات المتحدة الأميركية التعامل مع أزمة ثانية، وصفت هي الأخرى بالوباء، ألا وهي مشكلة المخدرات. فقبل أسبوعين فقط سجّلت البلاد عدداً قياسياً من الوفيات الناجمة عن جرعات مخدرات زائدة خلال عام واحد تجاوز 100 ألف وفاة، وارتفعت الأعداد المسجلة بين أبريل (نيسان) عام 2020 والشهر نفسه من عام 2021 بنسبة 28.5 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وذلك وفقاً للأرقام التي نشرتها المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها.

وفي محاولة للحد من ارتفاع الوفيات الناجمة عن الجرعات الزائدة بسبب تعاطي المخدرات القوية بشكل متزايد، بدأ العمل الثلاثاء، 30 نوفمبر (تشرين الثاني) في مركزين رسميين في مانهاتن يوفران حقن المخدرات تحت إشراف اختصاصيين.

مشاهد مفزعة

تقديم المخدرات بشكل قانوني وتحت إشراف طبي، ليس المقترح الوحيد لمحاولة الحد من هذه الأزمة التي حوّلت بعض شوارع الولايات المتحدة إلى مشاهد مفزعة تشبه تلك التي نراها في الأفلام التي تتحدث عن نهاية العالم وانتشار الموتى الأحياء في الطرقات. فهناك من ينادي أيضاً، ومنذ زمن طويل، بعدم التعامل مع تعاطي المخدرات على أنه جريمة تستوجب العقاب، ولعل أبرز هؤلاء المنادين المحامي الديمقراطي لاري كراسنر، الذي يشغل منصب المدعي العام لمنطقة فيلادلفيا منذ عام 2017، ويجادل منذ سنوات بأنه لا ينبغي حبس الأشخاص بسبب إدمان المخدرات، حتى إنه حاول وضع فلسفته تلك موضع التنفيذ، من خلال تطبيق برنامج "تحويل" غير مسبوق، يقوم بموجبه المدعون العامون ببساطة بسحب التهم عن أولئك الذين يقدمون دليلاً على أنهم يتلقون العلاج من الإدمان.

وقال كراسنر سابقاً في مقابلة، "نحن على وشك إرسال كل قضية رُفعت فقط بسبب حيازة المخدرات إلى برنامج (تحويل)... نريد أن يحصل الناس على العلاج لحل المشاكل المتأصلة لوقف السلوك الإجرامي. يقول لنا جميع الخبراء إن هذه هي أفضل طريقة للقيام بذلك... ضمن إطار تحليل الصحة العامة، وبصراحة، تحليل السلامة العامة".

أغراض طبية شرعية

يجب التوضيح هنا أن الحديث يدور حول استعمال المخدرات الأفيونية الاصطناعية الخطيرة، وليس القنب الهندي الذي اكتسب استخدامه لأغراض طبية شرعية في العديد من الدول ولأغراض ترفيهية في بعضها مثل الأوروغواي وكندا، وما زالت مشروعيته قيد النقاش في دول أخرى مثل المملكة المتحدة والمغرب.

يذكر أن مقترح المدعي العام كراسنر هو تغيير بسيط لكنه جذري مقارنة بالأساليب السابقة في فيلادلفيا، حيث كانت برامج التحويل انتقائية ومقتصرة على أولئك الذين لديهم بعض الإدانات السابقة البسيطة أو أصحاب السجل الجنائي النظيف، إذ كانت تعرض المتهمين الذين يفشلون في العلاج لعواقب بما فيها الإدانات الجنائية والسجن والاحتجاز وكثيراً ما تطلبت تلك البرامج تكاليف قضائية مرهقة.

منذ أن تولى كراسنر منصبه انخفضت إدانات حيازة المخدرات خارج إطار برنامجه المقترح بنسبة 45 في المئة أو نحو 1000 قضية سنوياً. وبإمكان برنامج "التحويل" أن يشمل نحو 230 شخصاً يتم القبض عليهم كل شهر بتهمة حيازة المخدرات لم يكونوا مؤهلين سابقاً للبرنامج بسبب سجلاتهم الجنائية.

لقطات مروعة

لكن ماذا عن المشهد على أرض الواقع؟ قبل نحو تسعة أشهر انتشر مقطع فيديو نشرته صحيفة "ديلي ميل" يظهر لقطات مروعة، لمجموعة من الرجال المشرّدين المدمنين على المواد الأفيونية، الذين يكافحون من أجل الوقوف لعدم قدرتهم على الحفاظ على توازنهم، وسط شوارع مليئة بالإبر والقمامة في فيلادلفيا، وأوضحت الصحيفة أن الفيديو التقط في 10 مارس (آذار) هذا العام لأشخاص يعيشون على الأرصفة في المنطقة المجاورة لمدخل محطة قطار "سامرست"، بينما ظهر آخرون وهم يلوحون بإبر المخدرات علانية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبدا في الفيديو رجال مشردون مستلقين على الرصيف، بينما كان آخرون يلتفون بالبطانيات والملابس البالية في شارع "كينغستون" المعروف بسوء سمعته في المدينة، المليء بالقمامة والفضلات وأدوات المخدرات.

بيئة آمنة

مشهد شبيه بهذا، كان دافعاً للحكومة الفرنسية في عام 2016 لافتتاح أول مركز طبي لحقن المخدرات في بيئة آمنة في باريس، حيث يساعد المركز الفريد من نوعه المدنيين على تناول جرعات من المخدرات تحت إشراف طبي، سعياً إلى التقليل من حجم الأضرار الجسيمة التي يسببها الإدمان مثل انتقال أمراض الدم الخبيثة.

هذا هو أيضاً مسعى مركزي مانهاتن، حيث أصبحت نيويورك، المدينة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في البلاد، أول مدينة في الولايات المتحدة تفتح مواقع الحقن المصرّح بها رسمياً، واتخذت مدن أخرى، بما في ذلك فيلادلفيا وسان فرانسيسكو وبوسطن وسياتل، خطوات نحو الحقن تحت الإشراف، لكنها لم تفتح بعد مواقع وسط الجدل حول الآثار القانونية والأخلاقية لفرض عقوبات على تعاطي المخدرات غير المشروع، كما أنه لا يعرف إلى الآن فعلاً مدى "أمان" مثل هذه المراكز، إذ شهدت عيادة مانهاتن حالتي إفراط في الجرعة المتناولة خلال أول يوم من الافتتاح.

غضب

كما أن إقامة مثل هذه المراكز تثير دائماً غضب بعض المواطنين وقلق سكان المناطق المحيطة، بالإضافة إلى أن بعض المحللين يصفون هذه المراكز العلاجية بغير المجدية ويراها المعارضون مناطق جذب لتعاطي المخدرات، لكن المؤيدين يثنون على أنها توفر نهجاً أقل عقاباً وأكثر فاعلية لمعالجة الإدمان، كما أن مؤيدي عدم تجريم حيازة وتعاطي المخدرات والتعامل مع الأمر على أنه حالة طبية وليست جنحة جنائية، يقولون إنه يجب الاستفادة من رغبة الشخص في إحالته على برنامج علاجي بدلاً من جلوسه مكبلاً في سيارة الشرطة وانتظاره في الاحتجاز ساعات، وربما مواجهة المحاكمة والعقوبات الجنائية.

جهود برنامج "التحويل"

لكن البعض يشكك في جهود برنامج "التحويل" هذه، إذ قال ستيفن بيلينكو، أستاذ العدالة الجنائية وعلم النفس بجامعة "تمبل"، "إذا كان شخص ما قد بدأ العلاج وانسحب منه عشر مرات وتم القبض عليه 20 مرة بسبب حيازته المخدرات، فمن المحتمل ألا ينجح الأمر. يخضع الناس للعلاج ويتعافون، فقط بسبب حافز إسقاط التهم".

وتبقى هناك مخاطر فرض عواقب وخيمة على الأشخاص الذين يعالجون من تعاطي المخدرات ثم يعودون إلى سابق عهدهم، ويقول أستاذ القانون والعلوم الصحية بجامعة "نورث إيسترن"، ليو بيليتسكي، إن النهج الأفضل هو عدم القبض على الأشخاص بسبب تعاطي المخدرات في المقام الأول، مضيفاً، "إذا كنت مدمناً، فإن الذهاب إلى السجن هو عقوبة تخريبية معروف أنها تؤدي إلى أشكال مختلفة من الأذى، بما في ذلك، على وجه الخصوص، الخطر الكبير من تناول جرعة مخدرات زائدة".

الجرعات الزائدة

وتعليقاً على حصيلة وفيات المخدرات المرتفعة التي سجلتها الولايات المتحدة أخيراً، قال الرئيس جو بايدن في بيان، "إن إدارتي ملتزمة ببذل كل ما في وسعها لمعالجة مشكلة الإدمان ووضع حد لوباء الجرعات الزائدة، بينما نواصل إحراز تقدم في مكافحة كوفيد-19 لا يمكننا تجاهل وباء الوفيات الذي أثر في عائلات ومجتمعات في كل أنحاء البلاد".

في ظل الخطر الكبير الذي تشكله أزمة المخدرات في أميركا وغيرها من الدول، سيستمر المشرّعون والعلماء والأطباء والباحثون الاجتماعيون في سبر الطرق والوسائل المختلفة التي يحتمل أن تخفف من تبعات هذه الظاهرة، سواء بالتجريم أو العقاب أو التأهيل أو التشريع أو حتى اتباع نهج "داوِها بالتي كانت هي الداء".

المزيد من تقارير