Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"أيام الأدب الأوروبي" تطرح أسئلة السفر والكتابة

كاتبات وكتاب تناقشوا في مدينة كريمس النمساوية حول أدب الرحلة والحريات والحدود المغلقة

السفر في لوحة للرسام مانيه (متحف مانيه)

على مدى أربعة أيام، قبل الإغلاق النمساوي الكامل بسبب موجة كورونا الجديدة، التقى كتاب وكاتبات من أوروبا بغية الإجابة عن أسئلة طرحها "برنامج أيام الأدب الأوروبي" في مدينة كريمس الواقعة على نهر الدانوب، في النمسا. وهذه الأجوبة اختلفت من كاتب إلى آخر، ولكنها اجتمعت في أن طرق السفر منحت كل واحد منهم أفكاراً جديدة لسرد القصص والروايات. وخلال الأيام الأربعة شارك أكثر من 15 كاتبة وكاتباً من النمسا وألمانيا وبريطانيا وبلغاريا والنرويج والبرتغال وهولندا وإيطاليا والبوسنة وسويسرا، في النقاشات وأمسيات القراءة.

أسئلة وحوارات

تختلف هوية "أيام الأدب الأوروبي"، الذي يقام في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من كل عام في النمسا، عن بقية المهرجانات أو الملتقيات الأخرى، سواء التي تقام في النمسا أو في بقية عواصم الاتحاد الأوروبي، في أن برنامج هذا المهرجان لا يتضمن فقط أمسيات للكتاب وحوارات عامة معهم، بل يحدد في كل عام محاور للنقاش، وتتم خلاله محاورة بعض المشاركين حول الموضوع والمحاور المحددة، بالإضافة إلى نقاش حول أعمال الكتاب التي تدور في فضاء هذه المحاور. الأمسيات التي تقام، وأكثرها يكون سردياً بالمقارنة مع القراءات الشعرية، لا تخرج أيضاً عن هذا السياق.

وكان مهرجان العام الماضي قد حدد محوراً مثيراً للنقاش، وهو البرية، أو العراء الخالي من العمران، المراعي والغابات، وحتى الصحراء، التي لم تخنقها المدن بأسمنتها وسموم صناعاتها، بينما محور هذا العام جاء حول "طرق السفر"، أو المسارات التي تأخذنا إليها الطريق للوصول إلى الحرية.

ولا يقصد بطرق السفر فقط تلك العطلات التي يقوم بها الكتاب للحصول على وقت خالٍ من الالتزامات المعيشية والحياتية المادية، بقدر ما يتعلق باكتشاف مكان جديد، وتأمل التفاصيل التي قد تولد فكرة ما لكتابة نص أو عمل جديد، أو أن يعيد ذلك المكان إلى ذهن الكاتب، فكرة تم نسيانها بسبب إيقاع الحياة السريعة والتزاماتها التي تستغرق حياة الكاتب غير المتفرغ للكتابة.

وطرح برنامج المهرجان أسئلة كثيرة، ومنها السؤال حول إذا كانت طرق السفر تأخذنا فعلاً إلى الحرية؟ وكيف ينشأ ذلك الانجذاب إلى السفر والترحال؟ وكيف تؤثر الأعمال الأدبية وتشكل مسارات هذه الطرق؟ وإلى ماذا ترمز المسارات في طرق السفر التاريخية، مثل طريق الحرير وطريق البلقان والطريق الرقم 66 وطريق الصحراء، وبأي قضايا من حاضرنا ترتبط؟ كيف تكون آمال – ومخاوف - المسافر أو المهاجر؟ وكيف ترتبط طرق السفر دائماً برغبة المرء في الاكتشاف؟ ماذا يظهر الأدب ويدلنا عليه، الذي ارتبط منذ ملحمة هوميروس، بالرغبة في حرية الحركة والاكتشاف؟ لماذا يختار المسافرون طريقاً، أو طرقاً، معينة؟ هل تختلف طرق السفر وتنفصل عن تلك الطرق التي سلكها الاستعمار في زمن ما؟ كيف يمكن لطرق السفر أن توسع آفاق الكاتب، سواء جغرافياً أو مكانياً أو زمنياً أو كتابياً؟

تقود هذه الأسئلة إلى نقاش متأصل لا يتعلق بالكتابة والسرد والخبرات فقط، بل يثير جدلاً سياسياً كذلك، وبخاصة في وقتنا الحالي، مع تقييد السفر والحدود المغلقة أو المفتوحة. وقد اشتعل الجدل مجدداً، في عام 2020، حول القيود التي فرضت على حرية الانتقال، وضد مقولة الانتقال الحر في دول الاتحاد الأوربي التي محت الحدود فيما بينها. وكذلك حول الصورة النمطية للغرب، وهي الصورة المرتبطة عادة بالحريات.

طرق البلقان

تتعلق طرق السفر كذلك بمغامرة الهروب من أجل الوصول إلى مكان آمن، والعيش بحرية وكرامة، وكذلك الكتابة عن الرقيب الذي يمثل سيف السلطة على رقاب الكتاب.

وهذا المحور قد يبدو ضيقاً للوهلة الأولى، ولكنه محور واسع ومشبع بالتفاصيل. وخلال أيام الأدب الأوروبي لهذا العام، تم الاحتفاء بكتاب "طرق البلقان" الذي ألفه الروائي العراقي الألماني نجم والي، المقيم في برلين.

وخلال النقاش مع والي، الذي قامت به مقدمة البرامج روزا غولدسميث في راديو "بي بي سي"، سرد تجربته في الهروب الأول من نظام "البعث" في العراق، وكذلك تفاصيل رحلة هذا الكتاب، حين سلك طريقاً معاكساً لطرق اللاجئين الذين فروا بمئات الآلاف باتجاه أوروبا. ذهب والي في صيف عام 2016 من برلين إلى بولونيا ومقدونيا وبقية الدول التي كان لزاماً على اللاجئين سلوكها للوصول إلى "الجنة" الأوروبية. وبعد إقامة والي في معسكري إيدوميني ومويرا في جزيرة ليسبوس أصدر هذا الكتاب باللغة الألمانية، وهو عبارة عن بحث ثقافي واجتماعي وريبورتاج عن طرق البلقان ومآسي المهاجرين.

لكن والي، الذي نشرن صحيفة "دي برس" النمساوية واسعة الانتشار كلمته التي ألقاها في اليوم الأول للمهرجان، تحدث كذلك عن السفر كمصدر للحكمة والدهشة. وبرأيه فإن الذي لا يستطيع السفر مباشرة إلى المكان يمكنه أن يرتحل في الزمن، إلى الماضي بحثاً عن الزمن الضائع مثل مارسيل بروست، أو إلى الحاضر، إلى أميركا، مثل كافكا، أو إلى المستقبل، مثل أ. هربرت. ج. ويلز في "آلة الزمن"، أو إلى المدن غير المرئية، مثل إيتالو كالفينو، أو إلى العراء على ظهر سفينة كبيرة لصيد سمكة أسطورية، كما في"موبي ديك"، أو يتسلق أعلى جبل في أفريقيا، جبل كليمنغارو المغطى بالثلوج، كما فعل هيمنغواي. أما من لا يستطيع النوم بسبب المرارة أو الحقد أو الغضب فيشرع في رحلة إلى نهاية الليل مثل الفرنسي سيلين.

طرق الحرير

بيتر فرانكوبان (1971) مؤرخ بريطاني معروف، وهو أستاذ التاريخ العالمي في جامعة أوكسفورد، وكاتب مقالات وصاحب مساهمات منتظمة في "نيويورك تايمز" و"الغارديان" و"تشاينا ديلي"، وكتبه هي دائماً ضمن قائمة الأكثر مبيعاً، وترجم أخيراً إلى الألمانية كتابه المثير "طرق الحرير، نظرة جديدة إلى العالم"، وهو كتاب يتحدث عن طرق الحرير الجديدة، من خلال الاقتصادات والقوى الناهضة في القرن الآسيوي، موجهاً دعوة صريحة لاستيقاظ الغرب والانتباه لما يعني هذا النهوض من تغيير للعالم.

فرانكوبان حضر في اليوم الأول "أون لاين"، ربما بسبب انشغالاته الكثيرة، وتحاور لأكثر من أربع ساعات في جلستين منفصلتين، وكانت أجوبته مثيرة في ما يتعلق بهندسة العالم الجديد الذي يتم رسمه على يد الصين وصراعات روسيا وإيران وأفغانستان والهند وباكستان، وما يجري في بغداد ودمشق وصنعاء والقدس.

الشباب والسفر

تم تخصيص مسارين متفرعين عن المحور الرئيس، حول "طرق السفر واللقاءات"، وعن "الشباب وتجارب طرق السفر"، وكانا للاحتفاء بثلاثة كتاب شباب أصدروا ثلاثة أعمال تضم تعريفاً جديداً بالسفر، وإعادة تعريف علاقة السفر بالتنقل والمعلومات والتواصل والثقافات الأخرى. وهي كتب لاقت رواجاً في بلدان مؤلفيها في أوروبا، بعد ترجمتها، وأصحابها حصلوا على جوائز مختلفة عن أعمالهم. من هؤلاء الكتاب أليسا شوا دوسابين (1992)، وهي كاتبة سويسرية صدرت لها بالألمانية عام 2018 رواية "في أحد شتاءات زوكشو". وكذلك الكاتبة البوسنية لانا باستاشيتش (1986)، وهي تعمل محررة للمجلة الثقافية الإسبانية "كان دي كاب"، وتعمل كذلك ضمن مشروع "3+3 شقيقات" الذي يروج لكاتبات من دول البلقان. وحازت لانا جائزة الاتحاد الأوربي للأدب في عام 2020، ونشرت لها بالألمانية رواية "صيد الأرانب" في عام 2020. الكاتب الشاب الثالث الذي اختارته اللجنة المنظمة كان النمساوي روبرت بروسر (1983)، وهو صاحب رواية "جما حبيبي" التي صدرت بالألمانية عام 2019، وهو زار سوريا والعراق، وعاش فيهما فترة قبل الثورة، وعمل هناك مدرباً للبوكسينغ، ليذهب من بعد إلى غانا في أفريقيا، وهو موسيقي ومسرحي وشاعر وروائي، ويعمل في مؤسسة "بابل شبريش" التي تهتم بترويج الأسماء الشابة الجديدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

منذ عام 2018 بات اتحاد الناشرين النمساويين يختار توزيع جائزته المسماة "جائزة التسامح"، والبالغة قيمتها 10 آلاف يورو، في آخر يوم من مهرجان أيام الأدب الأوروبي، وقد نالها هذا العام الكاتب الألماني، من أصول إيرانية، نافيد كيرماني، وهو كاتب ومستشرق ألماني (1967) كتب عديداً من الكتب والأبحاث عن الإسلام والشرق الأوسط والحوار المسيحي الإسلامي، وأصدر عدة روايات وقصص، ترجم الكثير منها إلى لغات عدة، ومنها العربية التي ترجمت إليها روايته "حب كبير".

"أيام الأدب الأوروبي" هو احتفالية مختلفة بالفعل، سواء من خلال محاوره المهمة، أو الأسماء التي تتم دعوتها من قبل لجنة نشيطة جداً، ويحصل الحاضرون، الذين يتابعون حوارات المشاركين والندوات، على وجبة دسمة من الأفكار والمعلومات والطرائف.

المزيد من ثقافة