Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لبنان يضيء... فقط في باريس

معرض يحتضنه معهد العالم العربي يحول المأساة إلى عمل إيجابي

من لوحات المعرض (الخدمة الإعلامية)

لأن الفن التشكيلي اللبناني وبعد مرور أكثر من عام على انفجار مرفأ بيروت، ما زال قادراً على المواجهة والإبداع؛ يحتفي به معهد العالم العربي في باريس مكرماً ثلاثة أجيال من الفنانين اللبنانيين المعاصرين في مجال الفن الحديث والمعاصر من عام 1950 إلى اليوم في معرض "أضواء لبنان" المستمر حتى 2 يناير العام المقبل.

من الداخل اللبناني كما من الشتات، يقدم 55 فناناً على اختلاف أجيالهم وأساليبهم، صورة متكاملة عن الوطن الضائع، الحالم والصامد في أكثر من 100 عمل فني. صورة تصل إلى المتلقي العربي والفرنسي في عاصمة الأنوار لعلها تعكس ولو قليلاً ماهية البلد الحقيقية المتشربة للفكر والثقافة والفنون المحلية والعالمية والغارقة في الوقت نفسه في بحر من الفوضى والتشظي بسبب الحروب والظروف السياسية والاقتصادية التي عصفت به.

صندوق كلود وفرانس ليمان يتبرعان بأعمال المعرض

كلود ليمان مدير المعرض، الرجل الوفي لروحه اللبنانية، يحكي لـ"اندبندنت عربية" عن علاقته القديمة بالفن، والتي بدأت قبل 45 عاماً تقريباً، والتي تطورت عندما افتتح الجاليري الخاص به في باريس عام 1988 حيث لم يتوقف من يومها عن اقتناء الأعمال الفنية وتحديداً للفنانين اللبنانيين والعرب. مؤكداً أن تنظيم معرض "أضواء لبنان" بعنوانه هذا، كان أمنيته الكبرى في الحياة. فالفنانون في لبنان هم الأنوار الحقيقية التي جعلت منه بلاد الشرق المضيئة. ومعرض اليوم هو فضاء واسع للفن الحديث والمعاصر. والمجموعات المختارة من أعمال الفنانين منذ عام 1950 وإلى عام 2021 من شأنها أن تعكس خصوصية هذا البلد الصغير، فعلى الرغم من كل مصائبنا نحن دائماً نفوز.

وعن أسباب وتاريخ افتتاح المعرض يقول السيد ليمان: "قام كل من صندوق كلود وفرانس ليماند بالمشاركة مع متحف معهد العالم العربي بتنظيم معرض "الجزائر حبيبتي"، وهو معرض مخصص للفنانين الجزائريين من ضمن مجموعة الأعمال المتبرع بها، وكان سيتبعه معرض "أضواء لبنان". لكن وبعد تفجير 4 أغسطس في ميناء بيروت قررت أن أعكس الموعدين. لذا طلبت في اليوم التالي من الرئيس جاك لانغ عكس الجدول الزمني. إنها طريقتي للرد على الصدمات، لقد تعلمت هذا النوع من المواجهة منذ أول صدمة مررت بها في بيروت ديسمبر عام 1975، وهذه المرة أيضاً كان لا بد من تحويل المصيبة إلى فعل إيجابي يعبر عن تضامننا مع الشعب اللبناني".

وكان الزوجان كلود وفرانس ليمان قد بذلا قصارى جهدهما لإثراء مجموعة متحف معهد العالم العربي التي كانت تتألف من 47 عملاً لـ20 فناناً من لبنان، حيث تبرع في أكتوبر من عام 2018 بـ1300 عمل فني لفنانين من الشرق الأوسط من بينها 509 أعمال لـ33 فناناً من لبنان. وبعد انفجار بيروت تبرع بـ102 عمل فصارت المجموعة تضم 62 فناناً و611 عملاً: لوحات، ورسومات، ومنحوتات وأشياء، وكتب فنانين، وصوراً وفيديوهات، ومطبوعات حجرية ونقوشاً، ومنسوجات، وسيراميك وتركيبات.

ويقول كلود ليماند: "لطالما كان لبنان بوتقة انصهار ثقافي لفنانين من جنسيات أخرى مروا به وتأثروا بمجتمعه. هو بلد له تاريخه القديم ومكانته بين الحضارات والثقافات الأخرى، لجأت إليه القبائل الإثنية المضطهدة منذ زمن بعيد، فتأسس مع المضطهدين والمهجرين حتى بدايات القرن العشرين. وإن حدثاً مثل "أضواء لبنان" هو مبادرة للتعبير عن تضامننا مع الشعب اللبناني البارع في تحويل المأساة إلى فن يدوم إلى الأبد؛ إضافة إلى أنه يدعم بشكل كبير الفنانين اللبنانيين الذين يواجهون صعوبات وتحديات عديدة لا يستهان بها. هو شهادة اعتزاز بقدراتهم الإبداعية، ومساحة للتعريف بهم وللترويج لأعمالهم في أوروبا".

ويضيف: "نحن في هذا المعرض نقدم أعمالاً لفنانين من لبنان وليس لفنانين لبنانيين فقط، مثلاً الفنان عبدالرحمن كتناني هو فلسطيني من مواليد لبنان وتخرج في الجامعة اللبنانية، ولطالما أكد أنه فلسطيني لبناني. نعرض أيضاً أعمالاً لفنانين من دول عربية عديدة لكنهم عاشوا في لبنان في مرحلة ما، أخذوا منه وأعطوه في الوقت نفسه".

لبنان الشقي والجميل

ثلاث حقب زمنية بفنانيها من داخل وخارج لبنان، جميعهم رسموا وشكلوا البلد بالخطوط والألوان متأثرين بمحيطهم الاجتماعي وبظروف ووقائع كل فترة على حدة.

في أعمال فترة ما بعد استقلال لبنان عام 1943، تبرز النزعة إلى استحضار الطبيعة لدى عدد من الفنانين مثل شفيق عبود المتأثر بالمدرسة الانطباعية، والذي جسدت لوحاته المقاهي الشعبية البيروتية القديمة باعتبارها جزءاً من ذاكرته، لم ينسها حتى بعد مغادرته البلاد باتجاه باريس.

ومع إيتيل عبود ومياه بحر لبنان في رسوماتها مروراً باللبناني الفلسطيني بول غيراغوسيان الذي نقل بالخطوط والألوان حركة الناس في الشوارع وصولاً إلى صليبا الدويهي ومشاهد القرى اللبنانية بأسلوبه الانطباعي وآخرين ممن عاصروا في بدايات النصف الثاني من القرن العشرين نهضة لبنان الفنية وأسسوا لها بلوحات وأعمال تصف حالة التعقيد والثراء الفني والإنساني والجغرافي والتاريخي والثقافي للبنان.

وعلى الرغم من أن حيوية البلد كانت حاضرة بالفعل بين اللوحات والأعمال، فإن لآلامه الحصة الأكبر. كانت آلاماً تصرخ في وجه من يشاهدها من الفرنسيين وغير الفرنسيين لعلهم يسمعونها ويسمعون تلك الصرخات المدوية على أرض لبنان.

لكن ما يلفت النظر حين نتحدث عن آلام لبنان في المعرض، أنها تجلت في أعمال الفنانين الحديثين والمعاصرين بينما رسم فنانو العقود الأولى من القرن العشرين الحياة جميلة، طوباوية، تسودها الطبيعة بألوانها المتفائلة. إنها نتيجة منطقية، من دون شك، لهذا الانهيار الإنساني الذي شهدته أوطاننا في العقود الأخيرة، فمن الطبيعي أن يجسد فنانون ممن عاصروا الحرب الأهلية أو عاشوا تبعاتها على الأقل، سياسياً، اقتصادياً، اجتماعياً وحتى فكرياً، الألم والخوف كتيمتين أساسيتين لحاضر لبنان وما يجاوره من البلدان العربية. إذ وفي القسم الأخير من المعرض وهو القسم الذي يعرض أعمال الفنانين الشباب، يعرض الفنان أيمن بعلبكي لوحته الضخمة "النهاية" التي تستحوذ على كل الحائط، وهي عبارة عن مبنى ضخم مدمر، مهجور وكئيب كتب عليه بالضوء "The End". صورة محزنة مجتزأة من حياة يزدحم فيها الموت والخراب في تركيبة سريالية عبثية حتى الأقصى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وراحت الفنانة زينة عاصي تشكل من لوحتين ملتصقتين لوحة واحدة تصور فيها مدينة بيروت ذات الأبنية الملتحمة والمتجاورة وكأنها تبين طبيعة الحياة في هذه المدينة المرهَقة والمرهِقة في زمن الخوف والقتال، فكما قالت في توصيف اللوحة: الرعب ليس حرباً، إنه حياة راكدة بين نزاعين". للأسف، هذه هي الذاكرة الجمعية للمدينة.

أما عمل "شظايا" للفنان والمخرج اللبناني الفرنسي Philippe Audi – Dor، فقد استطاعت بعض القطع الزجاجية التي جمعت في شقة عائلة بعد انفجار المرفأ، أن تعيد تشكيل خريطة لبنان يجمع ما بينها 204 دبابيس. لكن هنا، ومهما كان الألم جارحاً وحاداً كما الزجاج، لا نستطيع تجاهل الأمل الكامن في التئام القطع من جديد.

وهكذا وما بين ألم وأمل، تنتقل بين أعمال المعرض بحقبه المتنوعة والمتداخلة، تصدمك بعضها بحقيقة ما توحي به أو ما تجسده، وكأنها تلمس ما في روحك وجسدك من جراح، لتشفيك غيرها بألوان من الطبيعة الأم فتهرب معها خارج الزمان والمكان.

المزيد من فنون