Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

غاية النفخ بقربة مثقوبة

من يقرأ التاريخ ويعي حقائقه يدرك أن منطقه يؤكد أن الصراع ينتهي دوماً لمصلحة الشعب المتمسك بجذوره

وظف مقتدى الصدر عبر المحاصصة السياسية والطائفية أتباع تياره في الوزارات ومؤسسات الدولة (رويترز)

عندما تجد أن وسائل إعلام أميركية ومن يدور في فلكها، وهي تتناول الشأن العراقي، خصوصاً بعد نتائج الانتخابات العامة التي أجريت في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تدرك أن اهتمامها لا يتعلق بإرادة 85 في المئة من الشعب الرافض لمخلفات المحتل الأميركي من العملية السياسية والدستور والقوانين، وسلسلة انتخابات ديمقراطية مزعومة جرّتهُ نحو مزيد من التدهور والانحطاط، وتعاظم متواصل إلى الفصائل المسلحة الموالية لإيران.

فما تهتم به تلك الوسائل الإعلامية، وفق ما يخدم المصالح والأهداف لسياسة الولايات المتحدة الأميركية، التي تبرز هذا أو ذلك بحسب ما تقتضيه المرحلة، ولا غرابة في ذلك، إذ هكذا هو عالم السياسة دائماً وأبداً. ولكن ما يثير الريبة تجاهل حقائق الواقع بل وترتيبه بطريقة مقلوبة عنوة، وإعادة تصدير الوجوه كضرورة واجبة لا بديل لها.

من هنا، تجد أن مجلة "فورن بوليسي"Policy Magazine  Foreign الأميركية نشرت مقالة موسومة "مقتدى الصدر أمل أميركا في العراق"، بتاريخ 27 أكتوبر 2021. وتطرح الكاتبة أنشال فوهرا في تحليلها مغالطات تعكس فيها إما قصورها في فهم حقائق الواقع العراقي، أو أنها لا تنقل الصورة الكاملة إلى القارئ الأميركي خصوصاً، والغربي عموماً، عن تلك الحقائق. وبما أن فوهرا إحدى كاتبات المجلة ومراسلة تلفزيونية مستقلة وصحافية مهتمة بشؤون الشرق الأوسط وتقيم في بيروت، نجزم بأنها على دراية مما تكتب، لكنها لم تكن موضوعية ولا حيادية في تحليلها. فقد وصفت مقتدى الصدر بأنه "الزعيم الشيعي الذي يروج لأجندة وطنية". في حين أنه جزء فعال في العملية السياسية، فأين هي أجنداته الوطنية في 18 سنة الماضية؟ بل كان يرأس "جيش المهدي" الذي قتل العراقيين على أُسس طائفية بين عامي 2006- 2007، وما إن حلّه حتى شكّل منه "سرايا السلام" ليستمر على المنوال ذاته، وارتكب المجازر في النجف وذي قار وبغداد وبابل وغيرها من المحافظات العراقية الثائرة بين عاميْ 2020- 2121. فمن الحكمة أن تسأل فوهرا أولاً عن إنجازات مقتدى الوطنية قبل الوقوف عند حدود تصريحاته اللفظية.

والأنكى من ذلك، أن فوهرا ترى أن مقتدى الصدر عزز من شعبيته "من خلال الوعود التي قدمها للعراقيين بالقيام بإصلاحات سياسية ترمي إلى إضعاف النزعة الطائفية، والسعي إلى بناء مجتمع مدني". هل هذه الكاتبة ساذجة، لتجعل من التصريحات على أنها إنجازات تقبّلها العراقيون؟ ألم تعلم فوهرا أن مقتدى الصدر وأمثاله إن سعوا إلى بناء مجتمع مدني، يعني زوال عمائمهم الحاكمة؟ تلك العمائم الطائفية التي لا يمكن لها أن تستمر من دون وجود أتباع مطيعين تخاطبهم شعورياً، ولا يتحقق ذلك إلا بتغيب العقل ونشر الجهل والأمية وترسيخ الأباطيل والخزعبلات. وهذا ما جرى ويجري في العراق منذ الغزو الأميركي عام 2003 وتسليم السلطة إلى الأحزاب الدينية السياسية.

والمضحك في التحليل، أن فوهرا تبرز عداء مقتدى الصدر للولايات المتحدة. مع ذلك، ترى أن على "الإدارة الأميركية أن تكون سعيدة الآن بالمكانة الجديدة التي حازها الصدر". وأرى، لا داعي للتعليق على الشطر الأول من هذا القول الذي تتجاهل فيه فوهرا سنوات (2003- 2011)، التي جابهت فيها فصائل المقاومة العراقية قوات الاحتلال الأميركي، وأجبرته على الانسحاب الرسمي من العراق، لتجعل من مقتدى "كزعيم وطني عراقي" يعادي الولايات المتحدة، وقد أكسبته "سمعة سيئة لدى الأميركيين" في السنوات التي أعقبت الغزو الأميركي للعراق، فهذا التحليل مضلل يجافي الحقائق تماماً.

ولكن أود الإشارة إلى قول فوهرا "بالمكانة الجديدة التي حازها الصدر"، إذ تقصد نتائج الانتخابات التي حصد فيها على 73 مقعداً نيابياً، فهذه المكانة لم تأت من أصوات الشعب العراقي الرافض للانتخابات أصلاً، بل جاءت من أتباع التيار الصدري. وللتوضيح إلى فوهرا، فإن هذا التيار شعبي أسسه محمد صادق الصدر، فورثه أبنه مقتدى الذي حوله إلى تيار سياسي، وعبر المحاصصة السياسية والطائفية وظف مقتدى الصدر أتباع هذا التيار في وزارات ودوائر ومؤسسات الدولة، وهم يزيدون على مئتي ألف موظف وأصواتهم الانتخابية لمقتدى فحسب، إضافة إلى البسطاء والفقراء الموالين لعائلة الصدر. وهكذا، يفوز مقتدى الصدر بأكثرية من بين الكتل السياسية الأخرى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى الرغم من أن فوهرا تعترف بأن هناك أسئلة عدة حول ما يمكن تحقيقه من أجندة الصدر، ومع خطورة هذا الطرح وأهميته لكنها لا تستعرض تلك الأسئلة، ولا تقدم جواباً واحداً، بل تكتفي بالقفز إلى نتيجة مصطنعة لتجعلها حقيقة على أرض الواقع، بقولها إن "الحقيقة التي لا جدال فيها أن الصدر برز بصفته الزعيم السياسي الوحيد في العراق الذي يتمتع بشعبية كافية للدفع نحو التغييرات التي تحتاج إليها البلاد، بما في ذلك تفكيك المحاصصة الطائفية للمناصب السياسية، واحتواء الفصائل المدعومة من قبل إيران. وانطلاقاً من ذلك فإن صعود الصدر يخدم المصالح الأميركية".

إن كلام فوهرا عن "الحقيقة التي لا جدال فيها" ممجوج وسخيف ومحاولة ضد إرادة 85 في المئة من الشعب العراقي. وإذا كان "صعود الصدر يخدم المصالح الأميركية"، فكما كان بالأمس نوري المالكي، ثم حيدر العبادي وبعده عادل عبد المهدي وصولاً إلى مصطفى الكاظمي، واليوم مع مقتدى الصدر، فالجميع يؤدون دورهم في هذه العملية السياسية الفاشلة التي لم تحقق للشعب شيئاً على الرغم من الميزانيات المالية الضخمة، جراء الفساد المالي والإداري المستفحل في مفاصل الدولة.

أما كلامها عن مقتدى الصدر في "تفكيك المحاصصة الطائفية" و"احتواء الفصائل المدعومة من إيران"، فلا يقتنع به حتى المواطن الساذج، بل يدل على تسويق مرحلي، وتسطيح مبتذل تجاه الشعب الذي انتفض ضد هذه الطبقة السياسية البائسة والمدعومة من واشنطن وطهران.

عليه، فإن الغرض الأميركي من النفخ في قربة مثقوبة، لكي يستمر الوضع في العراق على هذه الحال مريضاً ركيكاً، متعلقاً بأمل التعافي منذ عام 2003، لكن الشعب العراقي فاز بامتناعه عن المشاركة بالنفخ في هذه القربة المثقوبة، ومن يقرأ التاريخ ويعي حقائقه يدرك أن منطق التاريخ يشير ويؤكد أن الصراع ينتهي دوماً لمصلحة الشعب المتمسك بجذوره وأصالته.

المزيد من آراء