Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"نوبل" الآداب تذكر حضرموت بابنها المهاجر

ابن شقيق عبد الرزاق يروي لـ "اندبندنت عربية" قصة الأسرة التي أنجبت الأديب من هجرتها إلى زنجبار حتى استقرارها في بريطانيا

المنزل الذي ترعرع فيه عبد الرزاق قرنح الفائز بجائزة نوبل للأداب لعام 2021 ( محمد مفلح)

احتفلت حضرموت كبرى محافظات اليمن مساحة، بفوز الأديب العالمي ذي الأصول الحضرمية عبدالرزاق قرنح بجائزة نوبل للآداب، وبعد أسبوع من إعلان فوزه، أقامت الحكومة المحلية فعالية احتفالية متواضعة في بلدة الديس الشرقية التي تنحدر منها أسرة الأديب.

وزارت شخصيات سياسية وحكومية وثقافية منزل أسرة قرنح التي باتت محل اهتمام كبير بعد فوز ابنها بالجائزة العالمية، إذ لا تزال الأسرة تحتفظ ببعض مما تيسر من تاريخ لفت أنظار كثيرين.

جذور قرنح

وبحسب جمال قرنح ابن شقيق الفائز بجائزة نوبل للآداب، تنتمي عائلة ٱل قرنح إلى قبيلة كندة، وهاجر جدهم الأول عبدالشيخ من منطقة حريضة في وادي دوعن قبل حوالى ثلاثمائة عام، وأخذ ابنه الوحيد في ذلك الوقت سعيد عبدالشيخ الذي استوطن المكلا، بينما اختار عبدالشيخ في ما بعد العيش في مديرية الديس.

الهجرة إلى الشرق الأفريقي

وحول هجرة الأسرة إلى الشرق الأفريقي، يوضح قرنح في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، أن جذور الهجرة الأولى للأسرة إلى جزيرة زنجبار (تنزانيا) تعود إلى عام 1850، إبان حكم أسرة آل بو سعيد العُمانية، بسبب البحث عن مصادر الرزق، إذ كانت حضرموت في تلك الحقبة الزمنية مناطق تعتمد على الزراعة وصيد الأسماك بخاصة مناطق شرق حضرموت، وكانت مصادر الرزق شحيحة جداً، ما اضطر الناس إلى الهجرة الداخلية إلى مثل عدن، أو الهجرة الخارجية إلى شرق أفريقيا، بخاصة إلى مدن "كمباسا وتنجانيقا وزنجبار ودار السلام ونيروبي ومقديشو"، وغيرها.

ويضيف قرنح "عمي الروائي عبدالرزاق، والده سالم عبدالله قرنح، هاجر إلى جزيرة زنجبار في الأربعينيات، وعمل في التجارة إبان حكم الأسرة العُمانية ٱل أبوسعيد للجزيرة، وتزوج الجد سالم ثلاث نساء، الأولى والثانية حضرميتان قبل الهجرة، أما الثالثة تزوجها في زنجبار، وهي امرأة من أصول حضرمية أيضاً، تنتمي إلى عائلة باسلامة من مدينة الشحر الحضرمية، وأنجبت له عبدالرزاق عام 1948 وأحمد وأربع بنات".

ويشير قرنح إلى أنه بعد اندلاع ثورة 1964 ضد الحكم العُماني لزنجبار، تعرض الحضارم والعرب لمضايقات شتى، فقرر أعمامي عبدالرزاق وأحمد الهجرة إلى بريطانيا عام 1968.

هجرة الحضارمة

فوز المهاجر ذو الأصول الحضرمية قرنح بجائزة نوبل، يقود إلى الحديث عن هجرة الحضارمة التي لطالما عرفوا بها منذ الفتوحات   الإسلامية حتى القرن العشرين، وتأثرهم في مواطن المهجر ونبوغهم ونجاحهم.

يعزو عبدالباسط الغرابي رئيس لجنة التراث المشقاصي أهم أسباب الهجرة الحضرمية التي اشتهرت، إلى البحث عن الرزق لا سيما أن حضرموت عاشت فترات من القحط والظروف المعيشية الصعبة، فيما كان العامل الديني المتمثل في حب الحضارم لنشر الدعوة الإسلامية سبباً آخر للهجرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويردف "كانت الهجرات المتأخرة من حضرموت في أواخر القرن التاسع عشر إلى شرق آسيا وأفريقيا والسعودية والخليج، ونقلوا معهم ثقافتهم الإسلامية والعربية، وعرفهم من يعاشرهم بالصدق والأمانة والوفاء بالعهد، وعمل معظمهم في التجارة، وكان لعديد منهم دور في نشر الإسلام في شرق آسيا وسواحل أفريقيا بحسن الخلق والمعاملة، أما بالنسبة إلى هجرتهم إلى السعودية فكان لموقعها الديني المقدس لدى المسلمين، فكانوا يأتون أفواجاً للحج والعمرة، واتخذها عديد منهم موطناً لهم، وقد نجح كثير منهم في حياتهم العامة والخاصة".  

 أسلوب حياة مختلف

تمكن عدد من المهاجرين الحضارم من إقامة نشاط تجاري مستقل في دول شرق أفريقيا بخاصة القرن الأفريقي، بينما اشتغل الأغلبية من الفقراء غير المتعلمين في أعمال البناء والزراعة ودباغة الجلود، وغيرها من الأعمال التي تحتاج إلى جهد بدني في موانئ الساحل الأفريقي.

 ونقل صالح علي باصرة رئيس جامعة عدن السابق عن المقيم البريطاني في زنجبار "أف بي بيرس" عام 1919، قوله عن الحضارم "إنهم  يشكلون قسماً مهماً من سكان زنجبار العربي، ويختلفون في مظهرهم وسعيهم للمعيشة وأسلوب حياتهم عن عرب عُمان، وفي الأحوال العادية في زنجبار هم عمال أشداء يعيشون في مساكن جماعية، وعلى الرغم من أن بعض الأثرياء منهم قد استقروا في زنجبار، فإن الغالبية يأتون لفترات يجمعون فيها بعض المال ليعودوا ثانية إلى بلادهم".

زعامة في جزر القمر

ويلفت الغرابي إلى هجرة بعض أبناء حضرموت إلى جزر القمر في شكل مجموعات بشرية منذ القرن الـ14 الميلادي، وكان معظم المهاجرين من العلويين (آل البيت الذين ينتسبون إلى الإمام علي بن أبي طالب)، ونشروا الإسلام والمذهب الشافعي في الجزر، وباتت لهم الزعامة الروحية والدنيوية التي استمرت حتى الوقت الراهن.

وأسهم الحضارم في قيادة الحركة الوطنية ضد الاستعمار الفرنسي التي كان من أبرز قادتها السيد محمد آل الشيخ أبو بكر بن علوي، وقد تولى رئاسة الحكومة قبل استقلال جزر القمر.

كما مثل السيد أحمد بن عبدالله بن عبد الرحمن العلوي جزر القمر نائباً في البرلمان الفرنسي، ثم تولى رئاسة الدولة عام 1975، وأعلن استقلال بلاده من جانب واحد بعد أن طالت مفاوضات الاستقلال في فرنسا، غير أن فرنسا أبعدته عن الحكم ونفته إلى خارج بلاده، ثم اضطرت إلى إعادته والاعتراف باستقلال جزر القمر تحت ضغط الحركة الوطنية.

وذكر الكاتب حسن صالح شهاب في كتابه "تاريخ اليمن البحري" عن أحد الغربيين، قولاً يلخص دور وتأثير المهاجرين العرب بعد الإسلام في شرق أفريقيا وبخاصة في الشريط الساحلي، فكتب "على طول الشريط الساحلي الممتد من مقديشو شمالاً إلى سفالة (في موزمبيق) جنوباً والجزر المجاورة له، أنشأ العرب مستوطنات كتلك المستوطنات التي أقامها الفينيقيون على سواحل البحر الأبيض المتوسط، وشيدوا حضارة أدهش مستواها الرفيع البرتغاليين عندما شاهدوها أول مرة، وكان الدور الذي لعبه الحضارمة في بناء هذه الحضارة دوراً لم يقوموا بمثله حتى في وطنهم الأصلي".

منبع الثقافة

يتطرق الغرابي إلى تميز الحضارمة ونهضتهم الثقافية داخل أرضهم قائلاً "مجرد أن تذكر حضرموت، فإنك ذكرت  منبع الثقافة والأدب والعلم، وتخطر في البال أسماء مدنها ومعالمها التاريخية، كتريم مدينة العلم والعلماء، والشحر أرض عاد، والأحقاف شبام حيث ناطحات السحاب، والمكلا وبحرها، وأرض المشقاص في الديس الشرقية والريدة وقصيعر، ورأس المرزبان التاريخي الذي اتخذه الفرس مقراً لحكمهم وسيطرتهم على التجارة البحرية، ومدينة الحامي وربابينها وسفنها الشراعية، وغيرها كثير من المعالم التي لا تعد ولا تحصى".

ثقافة أصيلة

ويتابع، "عندما نأتي للثقافة الحضرمية فهي ثقافة أصيلة جاءت من الثقافة العربية والإسلامية مع الخصوصية الحضرمية، فهذه الثقافة منها أتى علماء وكتاب وشعراء وموسيقيون عظام برزوا في مواطنهم وانتقلت إبداعاتهم إلى خارج حضرموت، مثل الكاتب  المؤرخ الكبير محمد عبدالقادر بامطرف، المتوفى في المكلا عام 1988".

وذكر أن من مؤلفات الراحل الجامع والشهداء السبعة والميزان وفي سبيل الحكم، والشاعر الكبير حسين أبوبكر المحضار الذي ولد في الشحر في عام 1930 وتوفي فيها في 2000، وله دور بارز في صناعة الأغنية الحضرمية، وقد أعطى الأغنية روح خلودها وتطورها، واستطاع أن يتميز عن من سبقوه مثل الفنان الكبير محمد جمعة خان في تطوير الألحان الشعبية وتطويرها موسيقياً، وقد ذاعت أغانيه واشتهرت في جميع الوطن العربي، بل إن بعضها غنيت عالمياً، مثل كما الريشة التي أدتها الأوركسترا الفرنسية، والفنان الكبير الراحل أبوبكر سالم بلفقيه الذي ذاع صيته في الآفاق.

 وفي الجانب الاقتصادي هناك طابور طويل من الحضارم الذين سجلوا أسماءهم في سجل الاقتصاد العربي والعالمي، لعل أبرزهم محمد بن لادن الذي أسس في السعودية شركة إنشاءات، ولفت انتباه الملك الراحل عبد العزيز بن سعود من خلال مشاريع البناء، وبعد ذلك حصل على عقود لأعمال ترميم كبرى في مكة.

 ويخلص الغرابي إلى القول، إن حضرموت تبقى ولّادة بالمواهب والمبدعين في مختلف مجالات الحياة، ولعل من أبرزهم المخترع هاني باجعالة، الذي له رصيد حافل من العطاء والإنجاز، وحصد عدداً من الجوائز الدولية في اختراعاته.

المزيد من فنون