Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

في اليوم العالمي للطفلة... التمييز والحرمان رفيقا العمر

دفعت الأنثى العربية الثمن الأكبر لموجات اللجوء والنزوح والبرامج الإنسانية لا تستهدف عادة الفتيات المراهقات

فرص الطفلة وإمكاناتها في يومها العالمي تقف أمام تحديات مضاعفة عربياً (أ ف ب)

بالحجة والبرهان، كل يوم هو يوم الطفلة. لكن، يوم الطفلة العالمي هذا العام له مذاق مختلف، فالاحتفاء بها جرى في أكثر الأماكن المعروفة بعدم الترحيب بها، والدعوة إلى التعامل معها باعتبارها أميرة متكرر. لكن، أوضاعها الصعبة غير المسبوقة أيضاً واضحة، وما تتعرّض له من خروقات وانتهاكات لمجرد أنها أنثى أيضاً متكررة.

يتكرر الاحتفال بـ "يوم الطفلة العالمي" كل عام منذ عام 2012. هذه المناسبة الأممية لها وقع مختلف ومعنى مغاير عن غيرها من المناسبات العالمية. فعلى الرغم من أنه يفترض أن تكون "الطفلة" شأنها شأن "الطفل" كائناً بشرياً له الحقوق وعليه الواجبات نفسها، إلا أن مجتمعات عديدة تعتبر الطفلة واحداً منقوصاً، أو واحداً يجب أن يبقى مفعولاً به، أو واحداً أقرب ما يكون إلى الصفر على اليسار.

في الألفية الثالثة، ما زالت الطفلة في دول عدة إمّا تحفر في الصخر حتى تنجو بذاتها، أو يلتهمها الصخر وتصبح هي والعدم سواء. وسواء دوّنت وغرّدت وصوّرت ونوّهت ملايين الآباء والأمهات عن طفلاتهن العزيزات وبناتهن النابهات أو لم يفعلوا، فإن الواقع يقول إن الطفلة في يومها تشهد نقلة نوعية من حيث الحقوق في أماكن عدة، لكنها في الوقت نفسه تشهد نكسة فعلية في حياتها من ألفها إلى يائها.

"بكلماتها" تتحدث عن نفسها

من الألف إلى الياء تحكي فتيات مراهقات عربيات قصصهن التي يعشنها في ظل ظروف وأزمات إنسانية ممتدة في المنطقة العربية. "بكلماتها" مبادرة أطلقها "صندوق الأمم المتحدة للسكان" المعني بالدول العربية في مناسبة "اليوم العالمي للطفلة" هذا العام. هذه المرة تحكي فتيات مراهقات يعشن في لبنان والأردن والعراق وفلسطين وسوريا ومصر تجاربهن بأنفسهن، بدلاً من أن يحكيها آخرون بالنيابة عنهن.

آخرون قرروا أن تخوض المنطقة حروباً ضروسة بين اقتتالات وصراعات أدّت إلى موجات لجوء ونزوح وتشرد كانت الإناث، وعلى رأسهن الطفلة العربية من يسدد الثمن الأكبر. لذلك جاءت حكايات الفتيات تعبيراً عما اضطررت لخوضه وليس تعبير الآخرين كالمعتاد.

التكيف مع التردي

مناطق عدة في العالم العربي يحاول أهلها التكيف مع الآثار الطويلة للأزمات الإنسانية المزمنة والجديدة. تطورات الأوضاع في السودان ولبنان تنذر بمزيد من النزوح والاضطراب. الآثار المستمرة للأوضاع الإنسانية المتردية في فلسطين والعراق والصومال وليبيا تُخلّف تحدياتٍ لا حصر لها وطويلة الأمد. أما أزمتا سوريا واليمن فقد دخلتا عامهما العاشر.

 

ريما (13 سنة) من تدمر في سوريا تقول إنها ترقص منذ كانت طفلة وستظل ترقص حتى تصبح امرأة مسنة. على رغم الظروف والأوضاع، ما زالت ريما تحلم بأن تكون راقصة باليه أو مسرح لتسعد من حولها. تقول: "كثيرون منا نشأوا في ظل هذه الأزمة الرهيبة. لا نملك ذكريات محددة عما حدث. كما لا نعرف موعداً لنهايتها أو ما الذي سيحدث بعدها. حين أرقص، أنسى الماضي والمستقبل. المسألة لا تحتاج تعليماً أو تدريباً أو تخطيطاً. فقط تتحرّك مع الموسيقى التي تحبها".

وتضيف أنها تحلم بأن ترقص يوماً ما في كل أنحاء العالم، وأن تقابل راقصين من كل أنحاء العالم، "حين أشاهد أعمالاً موسيقية راقصة وأتابع ليونة وثقة الراقصين والراقصات في أنفسهم، أرى العالم من منظور مختلف، وهذا يساعدني على تذكّر أن الحياة مليئة بالأشياء الجميلة التي تنتظر أن نكتشفها".

اكتشافات قلّتها أفضل

لكن، لسوء الحظ كانت الاكتشافات التي حظيت بها عناية (17 سنة) من لبنان كانت تود أن لا تكتشفها. عناية واحدة من ملايين الفتيات اللاتي حرمن من الطفولة. زوجها أهلها غصباً وقت كانت في الـ 14 من عمرها، ولم تتمكّن من إتمام تعليمها. وعلى رغم أنها هددت بالانتحار، فإنهم أصروا. تقول: "تخيلوا أن طفلة في الـ 14 سنة من عمرها تضطر إلى التهديد بالانتحار دفاعاً عن حق رئيسي وبديهي من حقوقها".

"المكسب" الوحيد الذي ظنت أنها حققته كان شرطها أن تتزوج شخصاً تحبه. تقول: "واضح أنني لم أكن أعرف شيئاً على الإطلاق. عشت أبشع سنوات عمري، بدلاً من أن تكون أحلى سنوات طفولتي وتعليمي وأحلامي. كان زوجي يضربني ويهينني لفظياً، وأجبرت على العمل يومياً ساعات طويلة في الحقل، حيث تعرّضت للإساءة الجنسية من صاحب العمل. وحين لم أحمل بطفل بعد أشهر قليلة، تعرضت لقدر أكبر من الإساءة على اعتبار أنني مخطئة. وها أنا ذا، مطلقة في الـ 17 من العمر".

تهشم المبنى

وعلى رغم أن جمانة (16 سنة) من غزة أوفر حظاً من حيث عدم تعرضها للإجبار من قبل الأهل على الزواج وهي طفلة، إلا أنها تحكي معاناة من نوع آخر. فقبل أشهر انتقلت للعيش مع أسرتها في منطقة جديدة في القطاع، بدت وكأنها بداية جديدة حيث المنطقة تتمتع بالحيوية. لكن ما انتهى إليه الأمر حالياً هو أن المبنى الذي تعيش فيه تهشّم وتحول إلى حطام في إحدى موجات القصف. تقول: "الخوف وافتقاد الأمان اللذان تملكا مني لا يمكن وصفهما. كل ما أردناه أنا وأسرتي هو الحياة الكريمة. وعلى رغم أن العنف قد ينتهي في وقت ما في المستقبل القريب، لكن الخوف وافتقاد الأمان سيستمران. الحروب تأتي وتذهب، لكن آثارها تبقى".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

آثار من نوع آخر تحملها خانك (23 سنة) من نينوى في العراق. لا تتذكر التفاصيل الدقيقة لأنها كانت صغيرة جداً. كانت ليلة ليلاء شهدت نقاشاً حامياً بين أفراد أسرتها حول تلك الجماعة الغريبة المسماة "داعش" التي تجوب البلاد تقتل كل الإيزيديين الرجال وتختطف النساء والفتيات. لم تستطع أن تخلد إلى النوم في هذه الليلة وحاولت أن تقنع نفسها أن ما سمعته هو من وحي الخيال. لكن ما استيقظت عليه أكد لها أن ما سمعته هو عين الواقع. صراخ وعائلات بأكملها تحاول الهرب. حاولت أسرتها أن تهرب، وتتذكر أنها سألت والدها عن وجهتهم، ففوجئت بأبيها القوي المقدام وقد سيطر عليه الضعف وقلة الحيلة. وأثناء محاولة الهرب، تعرضت أسرتها لهجوم الجماعة الغريبة، فقتلوا أفراداً من أسرتها بينهم أخاها، وتركوا كبار السن، وأخذوا النساء والفتيات في حافلة باتجاه الموصل.

وتحكي أنه في أثناء الرحلة كان المسلحون يقتربون منهن ويخبروهن إنهم سيقسمونهن في ما بينهم بحسب رغبة كل مسلح. ووقع اختيار قائدهم عليها لتكون "عروسه". وحين اعترضت قائلة إنها صغيرة جداً على الزواج، تعرضت للضرب والتعذيب. ادعت خانك أنها في أيام دورتها الشهرية، فصدقها المسلح وتركها أياماً. لكن صديقاتها تعرضن في الليلة نفسه للاغتصاب عشرات المرات. وحدثت المعجزة حين نجحت في الهروب، ووجدت مكاناً آمناً يختبئ فيه الإيزيديون.

المدير الإقليمي لصندوق الأمم المتحدة للسكان للدول العربية لؤي شبانة يقول إن الهدف من "بكلماتها" هو البناء على الجهود المبذولة في السنوات الأخيرة لتسليط الضوء على التحديات والاحتياجات الفريدة للفتيات المراهقات، إضافة إلى مرونة الفتيات المذهلة، مضيفاً أنه من المؤسف أن البرامج الإنسانية لا تستهدف عادة الفتيات المراهقات مما يحد من فرصهن وإمكاناتهن.

فرص الطفلة وإمكاناتها في يومها العالمي في 2021 تقف أمام تحديات مضاعفة عربياً. فإضافة إلى قائمة التحديات ذات الخصوصية المتصلة بالصراعات والاقتتالات واللجوء والنزوح، هناك التحديات الكلاسيكية التي لم تعد في صدارة الاهتمام تحت ضغط الطوارئ والأزمات. فمن زواج الطفلة إلى عمالتها ومنها إلى الإساءات والاعتداءات الجنسية وختان الإناث وتضاؤل فرصتها في التعليم مقارنة بالذكور وتفضيل الطفل الذكر على الأنثى في فرص التعليم والتشغيل وحتى أحياناً في كميات الطعام والشراب المتاحة للأسر الفقيرة.

الطفلة العروس

وبحسب منظمة "يونيسيف"، فإن العالم يحمل ذنب نحو 650 مليون طفلة عروس أو سيدة تزوجت وهي طفلة، وتحتفظ منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لنفسها بنحو 40 مليوناً منهن.

وفي بداية العام الدراسي 2019 - 2020، كان هناك نحو 9.3 مليون طفل ممّن تتراوح أعمارهم بين 15 و17 سنة، أي أكثر من ثلث المراهقين في هذه الفئة العمرية في المنطقة العربية، خارج المدارس. ومثلت الفتيات أكثر من نصف الأطفال خارج المدرسة ممّن تتراوح أعمارهم بين 15 و17 سنة.

في هذا العام، كان من المقدر أن يلتحق بالتعليم نحو ثلاثة ملايين طفل ممّن هم خارج المدرسة لو لم تقم النزاعات في سوريا والعراق واليمن. ويضاف إلى ذلك عامل الفقر الكلاسيكي الذي يزيد احتمال تسرّب الأطفال بسبعة أضعاف مقارنة بأطفال العائلات الأكثر ثراءً في المنطقة العربية. ولمساعدة عائلاتهم في سدّ الرمق، يلجأ الكثيرون منهم لعمالة الأطفال أو تجبر الإناث على الزواج.

زمن المصاعب

في اليوم العالمي للطفلة، يتفكّه البعض بأن ما سبق كان في "زمن المصاعب الجميل" حيث الفقر والعادات الوخيمة والتقاليد العقيمة تتضامن لتحرم الطفلة حقوقها البديهية.

أما في زمن الوباء، فقد اتخذت مشكلات الطفلة منحى أكثر خطورة عربياً. فللعام الثاني على التوالي يعيش العالم في كنف الوباء، وهو الذي سرع من هيمنة المنصات الرقمية وتحولها إلى أداة رئيسية للتعلم والتواصل والعمل.

 

وفي اليوم العالمي للطفلة 2021، اختارت منظمة "الأمم المتحدة" التمكين الرقمي والمساواة الرقمية موضوعاً للنقاش والعمل، لا سيما لقدراته الكبيرة في التخفيف من آثار الوباء. الواقع الرقمي في ظل أزمة الوباء لم يساعد فقط في مد يد العون في مجالات التعلم والعمل، لكن سلّط مزيداً من الضوء على الحقائق الرقمية المتنوعة التي تعايشها الفتيات.

فجوة رقمية

المعايشة الرقمية أثبتت أن الفجوة الرقمية بين الجنسين، سواء في الاتصال أو توافر الأجهزة أو المهارات أو الإتاحة أو الوظائف، أمراً واقعاً. وهو واقع لا يقتصر على مناطق في العالم من دون غيرها، لكنها "فجوة للتفاوت والإقصاء عابرة للمناطق الجغرافية وللأجيال" بحسب بيان للمنظمة الأممية صدر قبل أيام، وهو ما يمثل تحدياً كبيراً للمؤمنين بأهمية التمكين الرقمي للجميع من دون تمييز.

يشار إلى أن الفجوة بين الجنسين في استخدام الإنترنت، وهي فجوة لصالح الذكور بالطبع، زادت في العالم من 11 في المئة في عام 2013 إلى 17 في المئة في عام 2019. وتبلغ الفجوة أقصاها في البلدان الأقل نمواً وتلك التي تشهد صراعات وتصل إلى 43 في المئة.

حرمان عنكبوتي

وفي سياق مشابه، يبلغ عدد الأشخاص الذين لا تتاح لهم خدمات الإنترنت في العالم نحو ملياري شخص تقل أعمارهم عن 25 سنة، وللفتيات نصيب الأسد من الحرمان.

أمين عام منظمة الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قال في مناسبة اليوم العالمي للطفلة هذا العام أن "فتيات اليوم جزء من الجيل الرقمي. ومن مسؤوليتنا أن ننضم إليهن بكل تنوعهن، وأن نعزز قوتهن وندعم ما يقدمنه من حلول باعتبارهن صانعات للتغيير الرقمي، وأن نتصدى للعقبات التي يواجهنها في الفضاء الرقمي".

وحيث إن أبرز تلك العقبات، إضافة إلى عدم الإتاحة والفقر، هي العادات والتقاليد، فقد لفتت المديرة العامة لمنظمة يونسكو أودري أزولاي إلى أن هذه الفجوة الرقمية بين الجنسين التي كانت قائمة قبل الوباء بكثير، "حالت دون تمكّن العديد من الفتيات من الانتفاع بالتعليم خلال تفشي الجائحة"، مشيرة إلى أن ذلك لا يعود فقط إلى الموانع التي لا تفرّق بين الجنسين من فقر وغيره، لكنها تعود كذلك إلى "القيود والمراقبة المفروضة على نشاطهن عبر الإنترنت بسبب العادات والتقاليد الثقافية".

تغيرات وتكريم

دول عدة في المنطقة تشهد تغيراً ولو طفيفاً في منظومة العادات المنحازة للذكور والتقاليد الرابضة على أنفاس الإناث. لكن التغير بطيء ناهيك بكونه حكراً على بلدان من دون غيرها، وفئات وليس سواها.

عربياً، ما زال المولود الذكر في بلدان عدة يحظى بفرحة أكبر وترحيب أبلغ. وما زالت فرص التعليم في حال شحها تخصص للذكور، وحصص الغذاء في حال ندرتها تذهب للذكور، وباقة الإنترنت في حال محدوديتها تستنفد من قبل الذكور. وما زال زواج الطفلة موجوداً، وختانها شائعاً. وما زالت موجات الإسلام السياسي المتراوحة بين جماعات متطرفة ومجموعات حاكمة باسم الدين وأيديولوجيات متشددة تناصب الطفلة العداء بين حرمان من التعليم وزواج مبكر وتقول إنه "تكريم".

التكريم الحقيقي الذي تستحقه الطفلة العربية تحفل به منصات التواصل الاجتماعي حالياً حيث تفاخر آباء وأجداد، بعضهم في مناطق ريفية ويسكنون أحياء راقية وأخرى شعبية، بعضهم فقراء والبعض الآخر متوسطو الحال ومنهم الأثرياء، يفاخرون ببناتهم وحفيداتهم في "اليوم العالمي للطفلة".