Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جدراننا حكاياتنا عبر الزمن

تمنحنا الظل والحماية حين نستند إليها وحين ندور لنواجهها تصبح حواجز

جدار الصين العظيم الذي بني قبل الميلاد بهدف حماية الصين في عهد الإمبراطور تشين شي هوانغ (رويترز)

"سيد غورباتشوف، إذا كنت تسعى للسلام والرخاء للاتحاد الأوروبي، فحطّم هذا الجدار"، هذا ما قاله الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان للرئيس السوفياتي في خضم الحرب الباردة، قاصداً جدار برلين الذي كان يفصل الألمانيتين الشيوعية والليبرالية. ومن الواضح في هذه الجملة أن الجدار كان عائقاً أمام السلام بين القوتين العظميين، وسبباً لعدم استتباب فكرة الاتحاد الأوروبي ورخاء الشعوب الأوروبية. لقد حقق سور برلين الأسمنتي الشائك قوة صامدة دامت 28 عاماً بنجاح في عزل برلين الشرقية عن برلين الغربية.

أفاعيل الجدار

بين عشية وضحاها، استيقظ سكان برلين في عام 1961 على جدار يفصل بينهم، فعزل الأصحاب والأهل عن بعضهم، وشق المنازل، فقسّمها لتصبح الحديقة في برلين الشرقية وبقية المنزل في برلين الغربية، وكلف ألمانيا الشرقية 150 مليون دولار، وبلغ طوله 106 كيلومتر، وأحيط بالأسلاك الشائكة التي يمر فيها تيار كهربائي، وبلغ عدد ضحاياه أكثر من 1200 شخص حاولوا الفرار من المعسكر الشرقي إلى الغربي. وكان سقوطه حدثاً جللاً في العالم، إذ وحّد ألمانيا من جديد، وأنهى الحرب الباردة، وأذن بسقوط الاتحاد السوفياتي.

والجدار، ولو كان مصنوعاً من الخرسانة والحديد، يشكل حداً فاصلاً بين جهتين ومكانين وعائلة واحدة وأهل وأقارب، فالجدار علامة فصل، ويُطلق عليه أسماء كـ"جدار الفصل العنصري" في فلسطين، الذي يبلغ ارتفاعه ثمانية أمتار، وطوله 750 كيلومتراً، وجدار المهاجرين بين المكسيك والولايات المتحدة الذي شرع ببنائه الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، ظاناً أنه بهذه الطريقة يحدّ هجرة الأميركيين اللاتينيين نحو "الحلم الأميركي"، وكذلك جدار فصل الأهل بين الكوريتين الشمالية والجنوبية، وجدار الصين العظيم الذي بُني قبل الميلاد بهدف حماية الصين في عهد الإمبراطور تشين شي هوانغ، الذي وحّد ولايات الصين المتصارعة، وضمّها بين جدران هذا السور حماية لها من غزو المغول والأتراك وهجماتهم، ليبلغ طوله أكثر من 6700 كيلومتر.

الجدار ليس عائقاً... دائماً

ولكن وصف الجدار بصفة سلبية فقط هو تجنٍّ عليه، لأنه أيضاً شكل هندسي في عالم الهندسة، يؤثث الفراغ، فيحوله إلى بيت أو مصنع أو مساحة خاصة، أو سد يحصر المياه لفائدة الشعوب التي تعيش حول النهر، ويمكنه أن يفصل بين الغرف في البيت ليمنحها شكله، ويحمي التربة من الانزلاق بالجدران الأسمنتية المسلحة، ويحافظ على القنوات وعلى التمديدات تحت الأرض في المدن، وهو الذي يصنع الأنفاق للقطارات في أسفل مدن العالم الكبيرة. وهو صانع الأهرامات العظيمة ولو بجدران مائلة، والجدران داخل الأهرامات كثيرة وكبيرة لحماية القبر العظيم للملك، حيث سينتقل إلى العالم الآخر.

وبقراءة مجمل الآثار التي تركتها الشعوب القديمة، يمكننا الفهم أن البشر حين أتقنوا صناعة الجدار وهندسته وتركيبه انطلقوا سريعاً في عالم الهندسة، فتركوا المعابد الضخمة والقبور الكبيرة والأهرامات، كبيرها وصغيرها، والقلاع العالية والمنيعة، ثم رصفوا الطرق بالحجارة كما لو أنها جدران نائمة.

لكن الجدار الأول في تكون الحياة هو جدار الخلية، أي الطبقة الصلبة التي تحيط بالخلية من الخارج لتحميها، والجدار الخلوي يتكون من ثلاث طبقات تتألف من مكونات مختلفة، وكل كائن حي من النباتات والفطريات والبكتيريا والحيوانات تملك خلايا بجدران تختلف بسماكتها من خلية وأخرى في الجسم، فخلايا القلب والجلد أقسى وأشد من خلايا الدماغ التي تحتاج إلى جدار الجمجمة لتحميها، بينما عليها أن تحمي نفسها بنفسها من عوامل الخارج، واليوم مع عمليات نقل الكروموسومات الجينية، وتلقيح الخلايا، واستكشاف مكوناتها ونواتها، بات جميع الناس يعرفون جدار الخلية بعد أن رأوه في كل البرامج العلمية والطبية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

والجدار يمكنه أن يكون نفسياً أيضاً، فيشعر شخص أن جداراً معنوياً يفصله عن آخر، فلا يمكنه مصادقته، أو التواصل معه، أو بين الدول أيضاً، وحين تتحسن العلاقات يقال، "فتحت كوة في الجدار". ويقال أيضاً "للجدران آذان" في الأنظمة التوتاليتارية الديكتاتورية حين يخاف الناس الكلام أو الاعتراض حتى في منازلهم وداخل غرفهم. والجدار يمكنه أن يكون دينياً كحائط المبكى لدى اليهود، وهو نفسه حائط البراق الذي أسرى منه نبي الإسلام نحو السماء، في مدينة القدس. والجدار مكان توضع في شقوقه التعاويذ والصلوات في ديانات كثيرة لإبعاد الشر والشياطين.

والجدار يمنح الظل والحماية حين نستند إليه ونمنحه ظهرنا، وحين ندور لنواجهه يصبح حاجزاً للمرور أو للهرب أو للانتقال، والجدار الذي يمنحنا الأمان في البيت، يمكنه أن يكون سجناً، ولا سجن بلا جدار يمنع هرب السجين. ويمكن للجسد نفسه وباجتماع أجساد أخرى أن يصبح جداراً، يسمى "الجدار البشري"، ولكن، على الرغم من ذلك، ما زال المعنى في التفكير الجمعي للناس عن الجدار سلبياً، فهو حدود، ومانع للنظر، ويبدو نفسياً كما لو أنه عائق للتقدم أو للانتقال من مرحلة إلى مرحلة. هذا في تكريس استخدامات عبارة "الجدار" الشائعة نفسياً وأدبياً واجتماعياً.

الجدار وتطور المجتمعات

يمكن للجدار أن يكون حاجة اجتماعية مثل السور الذي يفصل بين البيوت، حيث الحياة الخاصة، أو كمكان للتعبير عن الرأي بكتابة الشعارات ورسوم "الغرافيتي" التي لا تصح بلا جدران، ورسوم الإنسان القديم على جدران المغارات أول "غرافيتي" للبشر، كما الرسوم الصخرية التي تكتشف على الصخور الضخمة في صحارى وجبال المملكة العربية السعودية، والتي تعود إلى فترات متلاحقة من هجرات البشر من أفريقيا إلى آسيا ما ين عشرة آلاف و7000 عام قبل الميلاد.

لقد بدأ فن "الغرافيتي" بالانتشار والتوسع والتحول من أعمال شغب وإقلاق للراحة العامة ومخالفة للتنظيم المدني إلى فن حقيقي معترف به، في عام 1961 في لوس أنجليس، حيث كان وسيلة للتعبير لدى من يعانون الفصل العرقي والفقر والبطالة، في شوارع لوس أنجليس الخلفية، حيث يعيش السود والملونون وذوو الأصول الإسبانية. ومنها غزا كل دول العالم التي تحاول شعوبها التعبير عن مواقف سياسية أو اجتماعية أو فنية بحتة، ولكنه ظل فناً من دون فنانين معروفين، إذ غالباً ما يترك متعاطو هذا الفن لوحاتهم الجدارية من دون توقيع مهما كانت مبدعة وجميلة، خوفاً من الملاحقة القانونية، إلى أن برز على صعيد عالمي الرسام "بانكسي"، الذي، على الرغم من شهرته العالمية، واشتهار رسومه في كل مكان حول العالم، وتحديداً على جدار الفصل في فلسطين، فإن شخصيته ما زالت خفية، ولا أحد يعرف تماماً شكله حتى اليوم.

وجدران المغارات نفسها هي أول فاصل بين الخارج الواسع والخطر، حيث الحيوانات المفترسة والبرد والصقيع والمطر والحر الشديد والشمس الحارقة، والداخل، حيث الأمان والاطمئنان والحماية. وهذه الجدران يمكن وصفها بأنها أولى علامات تحضّر الإنسان وانتقاله من الهيام في الطبيعة إلى الاستقرار. ومن جدران المغارات تطورت جدران القش والأغصان، ومن ثم الحجارة، ومن ثم الطين إلى الأسمنت والزجاج، ومن الجدار بدأت التجمعات البشرية في القرى، ومنها إلى المدن الصغيرة، وبعدها ارتفعت الأبنية والعمارات عالياً، واتسعت المدن عبر الإكثار من الجدران، فالمدن يمكن اختصارها إلى نواة مصغرة جداً، وهي الجدران، والمدن جدران كثيرة شعرياً وواقعياً، يصح القول. فالجدار لا شكل واحداً له، وهو ليس عصياً على البناء، ويمكن لأي فاصل مصنوع من أي شيء أن يكون جداراً.