Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف حاول بايدن ألا يكون ترمب في خطابه أمام الأمم المتحدة؟

صورة "بطل التعددية" جاءت على نقيض الانطباع الذي تركه بين بعض حلفائه

الرئيس الأميركي جو بايدن خلال حديثه أمام الأمم المتحدة (أ ف ب)

في خطابه الأول أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة رئيساً للولايات المتحدة، قدم جو بايدن، الثلاثاء 21 سبتمبر (أيلول)، خطاباً أميركياً تقليدياً يشيد بالتعددية الدولية ويدعو إلى التعاون الأوسع على صعيد التحديات المشتركة، في شأن جائحة كورونا وأزمة المناخ. وتحدث عن الدبلوماسية كأداة أولى في التعامل مع الصراعات والقضايا الدولية، فضلاً عن سعيه لطمأنة حلفائه في ظل توتر كبير بشأن أفغانستان.

في حين أن ما تحدث به بايدن يبدو للوهلة الأولى ما بشرت به حقبته، بعد خطاب سياسي صارخ يقوم على شعار "أميركا أولاً" ويتبنّى الانعزالية ساد على البيت الأبيض على مدار الأعوام الأربعة من ولاية الرئيس السابق دونالد ترمب. غير أن الرئيس الأميركي الحالي سعى، في كثير من الأحيان خلال حديثه أمام الأمم المتحدة، ألا يكون ترمب وسط اتهامات طاولته خلال الأيام القليلة الماضية بأنه يتبع سياسات سلفه عندما أسّس تحالفاً أمنياً مع المملكة المتحدة وأستراليا، تخلت بموجبه الأخيرة عن اتفاق مع فرنسا بقيمة 66 مليار دولار لشراء غواصات تعمل بالديزل، وبدلاً من ذلك أعلنت كانبيرا عن صفقة لشراء غواصات نووية من الولايات المتحدة.

يشير مراقبون من المجلس الأطلسي في واشنطن إلى أن بايدن حاول خلال خطابه الانفصال عن سلفه من خلال الحديث عن احتضان التحالفات وتصوير الصدام العالمي أنه بين الديمقراطيات والأنظمة الاستبدادية. ويقول المساعد السابق لوزير الخارجية الأميركية لشؤون أوروبا وأوراسيا دانييل فريد، إن حديث بايدن عن نظام دولي قائم على القواعد جعله يتماشى مع رؤساء الولايات المتحدة منذ فرانكلين دي روزفلت ويبعده عن القومية الأحادية لترمب. لكن في حين يرى فريد أن الخطاب كان إعادة صياغة مرحب بها تجعل القيم والمصالح الأميركية مترابطة، فإن الواقع خلال الأسابيع الماضية كان متناقضاً.

وتقول الوزيرة الفرنسية السابقة راما ياد إن صورة "بايدن كبطل التعددية" في الواقع هي على نقيض الانطباع الذي تركه بين بعض حلفائه، سواء بشأن القرار الأحادي بالانسحاب من أفغانستان أو أزمة الغواصات.

سياسات اللقاح

قال بايدن "نحن نقف في وجهة نظري عند نقطة انعطاف في التاريخ، وأنا هنا اليوم لأشارككم كيف تنوي الولايات المتحدة العمل مع الشركاء والحلفاء للرد على هذه التحديات". وأضاف "بدلاً من الاستمرار في خوض حروب الماضي"، تضع الولايات المتحدة طاقتها في "التحديات التي تحمل مفاتيح مستقبلنا الجماعي"، مثل "إنهاء هذا الوباء ومعالجة أزمة المناخ" و"إدارة التحولات في ديناميكيات القوة العالمية".

وشدد بايدن على الوحدة العالمية في تعليقاته على الوباء، مشيراً إلى "حزننا المشترك". ودعا إلى "عمل جماعي من العلم والإرادة السياسية". وأشار إلى مساهمة بلاده في الاستجابة العالمية للوباء، بما في ذلك شحن "أكثر من 160 مليون جرعة من اللقاح إلى بلدان أخرى" والعمل في شراكة وثيقة مع مبادرة "كوفاكس" لتوفير التطعيمات في جميع أنحاء العالم.

غير أن هذه العبارات القيادية الواعدة تتزامن مع تعرّض إدارته لانتقادات من جانب مجموعات طبية دولية لدفعها جرعات معززة من اللقاحات المضادة لفيروس كورونا، في الوقت الذي لا يزال الملايين في البلدان الفقيرة ينتظرون جرعتهم الأولى، وهي معضلة أخلاقية كانت منظمة الصحة العالمية صريحة بشأنها.

نسخة أكثر اعتدالاً من ترمب

دافع بايدن، الثلاثاء، عن مستوى مشاركته مع حلفائه خلال الأشهر الثمانية الماضية. وقال إنه "أعطى الأولوية لإعادة بناء تحالفاتنا وإعادة تنشيط شراكاتنا والاعتراف بأنها ضرورية ومحورية لأمن أميركا وازدهارها الدائم".

هذا فيما لا يزال كثر من حلفاء واشنطن في الحرب ضد الإرهاب، بما في ذلك حلفاء حلف شمال الأطلسي (ناتو)، محبطين بشأن طريقة تعامل بايدن مع انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان. ورأى بعض المسؤولين الأوروبيين أن الانسحاب كان متسرعاً للغاية، وأعربوا عن خيبة أملهم لعدم التشاور معهم بشكل كافٍ أولاً. فوفقاً لصحيفة "واشنطن بوست"، شعر بعض حلفاء واشنطن في "ناتو" بالتهميش جراء المغادرة المفاجئة التي أسفرت عن فوضى واسعة في كابول. وأدى اعتراف الولايات المتحدة بأن غارة جوية بطائرة من دون طيار في كابول أدت إلى مقتل 10 مدنيين، وليس من يُشتبه في كونهم من مقاتلي "داعش-خراسان"، إلى مزيد من الضرر لمصداقية الرئيس.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويواجه بايدن تداعيات قراره بشأن التحالف الأمني "أوكوس" الذي استبعد منه الحلفاء الأوروبيين وأثار غضباً واسعاً من فرنسا، الحليف الأقدم للولايات المتحدة، بعد التفاوض سراً مع أستراليا لعقد صفقة غواصات نووية بديلة لأخرى فرنسية تعمل بالديزل.

وتتردد داخل الاتحاد الأوروبي تساؤلات عما إذا كان بايدن يتبع نسخة أكثر اعتدالاً من سياسية "أميركا أولاً" الخاصة بترمب. واتهم كبار قادة الكتلة الرئيس الأميركي بعدم الولاء للتحالف عبر الأطلسي، وطالبوه بتوضيح سبب تضليله فرنسا وشركاء أوروبيين آخرين بشأن إقامة شراكة استراتيجية جديدة مع المملكة المتحدة وأستراليا في المحيطين الهندي والهادي.

ومن خلال عدم التشاور مع دول الاتحاد الأوروبي، بشأن الاستراتيجية الجديدة التي تهدف إلى مواجهة نفوذ الصين، قال رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل إن بايدن تجاهل اتفاقاً توصل إليه القادة بعد ساعات عدة من المحادثات في قمة مجموعة السبع في بريطانيا في يونيو (حزيران) الماضي للبقاء متحدين في مواجهة الأنظمة الاستبدادية، لا سيما الصين. وأضاف أن "المبدأين الأساسيين للتحالف هما الولاء والشفافية... نحن نلاحظ نقصاً واضحاً في الشفافية والولاء".

الحروب الأبدية

وأعلن بايدن في خطابه أن الولايات المتحدة لن "تخوض حروب الماضي"، مؤكداً أنه يخطط لاستخدام الدبلوماسية والتعددية حيثما أمكن ذلك، و"اليوم، لا يمكن حل عدد من مخاوفنا الكبرى أو حتى معالجتها بقوة السلاح"، مع تشديده على التزامه دعم الحلفاء.

غير أن الزميل لدى معهد "واشنطن لسياسات الشرق الأدنى"، إيدو ليفي، أشار إلى أن بايدن في هذا الصدد يواصل النمط الذي بدأ في عهد الرئيس باراك أوباما واستمر مع الرئيس ترمب، وهو تصوير الشراكات العسكرية المستمرة في الشرق الأوسط على أنها "حروب إلى الأبد" أو صراع لا نهاية له يكون فيه تدخل الولايات المتحدة باهظ التكلفة ولا يمكن أن يحدث فرقاً ولا يؤدي إلا إلى تفاقم الحرب، من دون إدراك أنها في الواقع عنصر حيوي طويل الأمد في النهج الأساسي للأمن الأميركي حول العالم.

ففي حين وصف ترمب خلال حملته الرئاسية عام 2015، الشرق الأوسط بأنه "مستنقع كبير" لا بد من الخروج منه، وتحدث عن التكلفة المادية الباهظة، فإن الموقع الإلكتروني لحملة بايدن صاغ المعنى ذاته بشكل أكثر دقة "بايدن سينهي الحروب الأبدية في أفغانستان والشرق الأوسط، التي كلفتنا دماءً وأموالاً لا توصف".

ويقول ليفي إنه بدلاً من التركيز على "الحرب الأبدية"، هناك حاجة إلى فهم أن الوجود الأميركي "المحدود" في بعض البلدان هو عنصر مهم من عناصر "السلام الدائم" في الداخل. فإنشاء قوات دائمة في ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية لعقود من الزمن لدعم تنمية تلك البلدان وإرساء الديمقراطية والدفاع ضد الخصوم المشتركين مثل روسيا والصين، أفاد الأمن القومي للولايات المتحدة.

ويسوق الباحث الأميركي مثالاً آخر على ذلك، إذ يمكن أن تكون العلاقة بين الجيش الأميركي وشركائه في حرب 2014-2019 ضد تنظيم "داعش" بمثابة نموذج للتحول المطلوب في المواقف. فمع استيلاء عناصر التنظيم على الأراضي بين العراق وسوريا عام 2014، ردت الولايات المتحدة بضربات جوية ونشرت في نهاية المطاف أكثر من 5000 جندي، معظمهم لتدريب وتمكين قوات الأمن العراقية (الجيش الوطني العراقي والشرطة) والبيشمركة الكردية، كانت فاعلة في دحر "داعش". وساعد التحالف الدولي لهزيمة التنظيم على تجميع موارد حلفاء الولايات المتحدة وتعزيز دفاعات العراق.

وعلى نقيض نهج ترمب، تجنّب بايدن استخدام لهجة صدامية مع الصين، حتى إنه تجنّب ذكر اسمها طوال خطابه، واكتفى بالإشارات الضمنية، إذ تواجه واشنطن بكين في منطقة المحيطين الهندي والهادي وحول قضايا التجارة وحقوق الإنسان. وقال إن الولايات المتحدة ستتنافس بقوة وعلى الصعيد الاقتصادي وتعمل لدعم النظم الديمقراطية وسيادة القانون. وأضاف "سندافع عن حلفائنا وأصدقائنا ونعارض محاولات الدول الأقوى للهيمنة على الأضعف، سواء من خلال تغيير الأراضي بالقوة، أو الإكراه الاقتصادي أو الاستغلال التكنولوجي أو المعلومات المضللة، لكننا لا نسعى، وسأقولها مجدداً، إلى حرب باردة جديدة أو عالم منقسم إلى تكتلات جامدة".

غير أن هذه اللغة في حديثه عن أحد خصوم بلاده، أثارت انتقادات، خصوصاً من الساسة الجمهوريين الذين اعتبروا تجنّب ذكر الصين صراحة في الخطاب دليلاً على الضعف. وقالت السفيرة الأميركية السابقة لدى الأمم المتحدة نيكي هايلي إن بايدن فشل في تحديد أسماء خصوم أميركا صراحة أو إبراز التحديات التي يمثلونها أو الانتهاكات الفظيعة التي ارتكبوها.

المزيد من تقارير