Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حميد سعيد شاعر الحنين إلى بغداد تجذبه أصوات وأزمنة

"المعلقة البغدادية" دراسة تتناول مساره الإبداعي وخصائص تجربته

لوحة للرسام العراقي ضياء العزاوي (صفحة الرسام على فيسبوك)

حميد سعيد (1941) أحد الشعراء العراقيين من جيل الستينيات من القرن الماضي، وقد تهادى أثره الشعري على امتداد خمسين عاماً، طوال سنوات النهضة العراقية، الأدبية والفكرية والفنية والعمرانية، ومركزها مدينة بغداد، إلى جوار شعراء كبار من مثل: سعدي يوسف، وحسين الصافي، وحسين مردان، وحميد العقابي، وحياة النهر، وخزعل الماجدي، وكثيرين. أما وقد ثبتت شاعرية الشاعر سعيد، وكثر قراؤه ومتذوقوه، في العراق وخارجه، فقد شاء الناقد الأكاديمي ضياء خضير أن يصدر كتاباً نقدياً عنه دارساً مختارات من شعره، أو بعض قصائده التي نظمها من منفاه، بعد هجره بغداد عام 2003، ولجوئه إلى بلاد الاغتراب. والكتاب النقدي صادر هذا العام (2021) عن دار دجلة، بطبعته الأولى، وبعنوان "المعلقة البغدادية: محاولات في تحليل قصائد حميد سعيد"(دار دجلة).

إذاً، يتضمن الكتاب اثني عشر مبحثاً معمقاً، متفاوتة الأحجام، يتناول كل منها جانباً لافتاً من جوانب كتابة الشاعر حميد سعيد الشعرية. وقد افتتح الباحث الكتاب بدراسة حول المعلقة البغدادية التي جعلها عنواناً لكتابه النقدي، باعتباره شعر "حميد سعيد" مندرجاً في عداد التراث الشعري العربي، الممتدة جذوره حتى جاهلية العرب، ومعلقاتهم التي كانوا يقفون فيها على الأطلال ويبكون ويستبكون؛ وإذا الشاعر العراقي بحسبه، في أغلب قصائده التي نظمها بعيداً عن مدينته بغداد، يقف على أعتابها، ويستذكر أبوابها، وأشهر شعرائها وكتابها، ويستحضر معالمها المشبعة بالذكريات المطبوعة في نفس كل بغدادي عاش زمناً فيها، فكيف بالنفس المستوحدة تستشعر بالغربة عن تلك المعالم، وتضطرم مشاعر الحنين إليها، مختلطة باللوعة من اغتراب الشاعر، وعجزه عن ملاقاة مدينته واستئناف دورة الحياة مع أطيافها العظام.

النبرة الغنائية

يقول "ضياء خضير" في تعريفه بشعر حميد سعيد: "لا أعرف في الواقع كثيراً من القصائد العربية التي تجمع هكذا بين مثل هذه النغمة العاطفية القوية والنبرة الغنائية العذبة، وبين إحساس الفجيعة والضياع الذي يتلبس هذه القصيدة، ويغطي مفاصلها كلها بالحنين والروح الشجية التي تستحضر الحاضر القريب والتاريخ البعيد، وتصورهما مجسدين في مشاهد ووجوه للمدينة التي تحولت إلى امرأة يحاورها الشاعر ويستعرض علاقته بها وماضي البلد البعيد...".

وفي المبحث الثاني من الكتاب يعالج الكاتب ضياء خضير ظاهرة التناص في شعر سعيد، إذ يستحضر الشاعر شخصيات أسطورية، وأخرى روائية من المصنفة روائع أدبية خالدة من مثل: عوليس، وتيليماك، وبنيلوب، من إلياذة هوميروس، ورواية جايمس جويس بعنوان أوليس، وآحاب من رواية موبي ديك، لمؤلفها هرمان ملفيل، وإيما بوفاري، من رواية فلوبير، وغيرها من الشخصيات، وذلك من أجل أن يسجل لدى كل منها سمة شبيهة بما في ذاته، ويحاكيها في غربتها، وغرابتها، وينظر في مأساة غربتها عن مجتمعها وناسها- وهي بينهم أو بعيدة عنهم مكاناً- أو من أجل أن يسقط على كل منها لوناً من ألوان وجدانه وحنينه إلى موطنه المنفي عنه لسنوات بعيدة مضت.  

 ولئن كشف الباحث خضير عن بنية الخيبة في مسار التناص الجاري اعتماده من قبل الشاعر حميد سعيد، بدليل أنه يرافق الشخصية في غربتها عن وطنها، وفي انكسار آمالها وطموحها، وفي يأسها من الزمن العاق على الرغم من جهودها الجبارة في صد الغوائل عنها، فإن الالتفات إلى السمات التي يضفيها على كل من هذه الشخصيات كفيل بفهم الغاية الخلقية التي من أجلها أحياها واستنطقها وحكى عن مسارها شعراً حراً؛ فلو نظر القارئ إلى كل من تلك الشخصيات، من هذه الوجهة، لرأى أنها تمثل كناية كبرى عن ذات الشاعر المنكسرة، والمتغربة، والمنفية، والذائبة حنيناً إلى البلاد، و"لا بلاد لها".

"يسأل عوليس... إلى أين سأمضي؟/ لا مكان لي.../ وليس لي من سفن تعيدني إلى فردوسي البعيد/ إيثاكا... التي تعثرت بأبجدية الأحلام/ لو عدت إليها.../ من سيعرف القادم من متاهة خرساء".

مرايا وأقنعة

ولكن قبل استئناف الكلام على أهم الشخصيات التي حاورها الشاعر، وتمثل أحوالها، يمكن الإشارة إلى لعبة المرايا والأقنعة التي سبق أن اعتمدها شعراء الشعر الحر، لا سيما خليل حاوي في محاورته شخصية السندباد، والدرويش، وفي تلبسه شخصية لعازر الشهيرة، وغيرها، مما يفيد في صوغ غلالة أسطورية حول الذات الشعرية، بالمعنى الذي أراده شارل مورون، أي تلك الصورة الغائمة والمضخمة والدراماتيكية التي شاءها الشاعر بديلاً عن صورته الواقعية المركونة في الظلال.

ومن ثم يفرد الناقد مبحثاً آخر لقراءة قصيدة حميد سعيد في "دون كيخوتيه وصاحبه سيدي حامد بن الإبل"، فيرى أنها تحقق أموراً عديدةً هي من مأثور الشاعر، وأهمها: أنه جعل من شخصية سيدي حامد بن الإبل، العربية الأندلسية المولد، صاحب الفضل في حث دون كيخوتيه على القيام بمغامراته، وفي جعله راوياً تلك المغامرات وقتاله الطواحين قتالاً عبثياً، ومدوناً مآلها الميلودرامي، وقد فارق الناس من أجل حب دولثينيا وقراءة الروايات، ولكن الحبيبة غدرت به ولم يبق له سوى الحكايات.

ويقول الشاعر حميد سعيد، طبعاً بلسان دون كيشوت: "بل حاولت أن أكشف ما في الر وح من أسى/ وفي العالم من شرور/ في مدن تقيم في الديجور/ لأفتح الأبواب/ لنجمة ضائعة تبحث عن مدار/ لضحكة حبيبة / أوقفها المدججون بالعصاب خلف هذه الأسوار".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الكتاب عن المعلقة البغدادية ينطوي على أبحاث أخرى حول قصائد للشاعر سعيد، تستحضر شخصيات ذات أثر بالغ في الشعر والسياسة الثائرة، مثل شخصية الشاعر لوركا، يتقصى فيه دلالات عبارة "أخضر" و"خضراء" في شعر لوركا، بل في شعر حميد سعيد عن المدينة- الحبيبة، والتي خص بالذكر حبيبة الشاعر غارثيا لوركا، على سبيل الاستفاضة. وفيه ينتهي الباحث إلى أن الشاعر سعيد، لا يني يستثمر كل ما يحدث في نفس المتلقي الأثر الدال على صدق مشاعره، وعميق تعلقه بمدينته بغداد، إلى حد حصر الصلة بها بالحب والعشق وتمني الموت بموتها، على ما يختم القصيدة، قائلاً "وخاطبتك في السر/ وفي العلن اخترت أناشيد العشاق/ بريداً بين اثنين/ سميتك باسم حبيبات جميع الشعراء/ من ليلى المجنون/ إلى معشوقة غارثيا لوركا الخضراء/ عرفتك قبل نضوج ثمارك خضراء/ وعرفتك بعد نضوج ثمارك/ بعد جفاف/ أخاف/ أن أفصح عما في النفس...".

وفي نهاية المطاف، يمكن القول إن الباحث ضياء خضير، أفلح، عبر أبحاثه التي انتقينا منها ثلاثة على سبيل المثال، في  تقديم بعض من أعمال الشاعر حميد سعيد إلى جمهور القراء العرب، وإن يكن من منظار الشخصيات التي سبق الكلام عليها.

علماً أن للشاعر حميد سعيد أعمالاً شعرية من مثل: شواطئ لم تعرف الدفء، لغة الأبراج الطينية، وقراءة ثامنة، والأغاني الغجرية، وحرائق الحضور، وطفولة الماء، ومملكة عبد الله أو بستان عبد الله، وباتجاه أفق أوسع، وفوضى في غير عنوانها، ومن وردة الكتابة إلى غابة الرماد، وغيرها من الدراسات والأعمال النقدية والفكرية.

المزيد من ثقافة