Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الروائي خالد حسيني يحن إلى طائرة الورق في أفغانستان

عودة إلى رواياته في الغرب لاستعادة أجواء الماضي الأفغاني والمآسي المتوالية

الروائي الأفغاني الأنغلوفوني خالد حسيني (صفحة الكاتب على فيسبوك)

"هيرات كانت مهد الحضارة الفارسية، وطن الكتاب والفنانين والرسامين والمتصوفة. لن تستطيعي أن تطأي موقع قدم من دون أن تركلي شاعراً على قفاه. أخبرها عن الملكة كوهارشاد التي رفعت المآذن المشهورة كعربون محبة لهيرات في القرن الخامس عشر".

أما "هرات" الولاية التي تقع غرب أفغانستان وتمتاز بمبانيها الأثرية، فقد سقطت في يد طالبان عام 1995 وتعرضت تلك المباني للدمار.

بعد قراءة هذه الكلمات من رواية "ألف شمس ساطعة" للكاتب الأفغاني خالد حسيني، يحق لنا التساؤل إذا كانت عجلة التاريخ ترجع إلى الوراء، ونحن نشاهد ما يحدث في أفغانستان منذ سيطرة حكم طالبان على مدينة كابول.

المتابع لصفحة الكاتب خالد حسيني عبر "فيسبوك" يلاحظ مدى انشغاله بما يحدث في بلاده، إذ ظهر في لقاءات تلفزيونية عدة بدا فيها بملامح مثقلة بالأسى. تحدث عن رؤيته بانفعال يعكس اللحظة، بغرض توضيح الصورة بدقة أمام أميركا والغرب. إنها الدول القادرة على مساعدة مواطنيه بحسب رؤيته، كما عبر عن آرائه من خلال كتابة تعليقات مباشرة، فيها مناشدة للعالم لفتح الحدود لاستقبال – وحماية- الأفغان الآمنين العُزل، قائلاً: "الآن ليس الوقت المناسب لإدارة ظهورنا لأفغانستان، لنحافظ على حدودنا مفتوحة للاجئين الأفغان ونستمر في دعم الذين يفرون من هذا النظام الوحشي ويبحثون عن الأمان".

تبدو أفغانستان بلداً حاضراً في الذاكرة والكتابة بالنسبة لحسيني. إنه بلد جميل والناس العاديون فيه يتحلون بالطيبة، يرى أن "هذا ما يكتشفه الزائر لحظة وصوله إلى أفغانستان ولقائه بأهلها وشرب الشاي معهم وتذوق قطعة من خبزهم، حينها تتلاشى المآسي والأشياء المهولة التي نراها على التلفزيون، بل تأخذ بُعداً آخر بالكامل، ويصبح الأمر شخصياً أكثر، مؤلماً للغاية أيضاً".

وجوه أفغانستان

لا شك أن اسم خالد حسيني ورواياته عادت إلى الواجهة منذ استيلاء "طالبان" على الحكم، عاد القراء إلى مؤلفاته لمعرفة أفغانستان أكثر من خلال رواياته الثلاث: "عداء الطائرة الورقية"، "ألف شمس ساطعة"، "ورددت الجبال الصدى"، على رغم أن حسيني نفسه لا يعد رواياته سوى أسلوبه الشخصي للحديث عن رؤيته إلى بلده، أما من يريد أن يعرف أكثر فعليه أن يتوجه إلى قراءة كتب التاريخ، لأنها ستكشف أمام عينيه الكثير من الحقائق.

لعل الجدير بالملاحظة أيضاً أن انتماء حسيني إلى نخبة المجتمع الأفغاني، سهل عليه إيجاد موطئ قدم في الحياة الثقافية في الغرب، حيث التنافس بين الكتّاب لا يرحم، النشر مع دار نشر كبرى والوصول للأعلى مبيعاً حلم يتمناه جميع الكتاب سواء من الأميركيين أو الوافدين، ولا يتمكن الكثيرون من تحقيقه. لذا لم يبتعد حسيني عن منابعه الأولى، بل نهل منها رواياته وقدم للقراء الغربيين عالماً مختلفاً لا يعرفونه. ولد حسيني من أبوين جذورهما من طاجكستان مما أعطاه ملامح مختلفة عن الأفغان الأصليين، وفي سنوات الطفولة نشأ ضمن أكثر الأحياء ثراء في كابول "وزير أكبر خان"، ثم انتقل والده خلال عمله كدبلوماسي إلى إيران ثم فرنسا، ونتيجة للاضطرابات السياسية المتلاحقة في أفغانستان طلبت أسرته اللجوء إلى أميركا عام 1976 وهذا ما كان. وهناك تلقى تعليمه الثانوي والجامعي وحصل على شهادة في الطب.

طفولة الكاتب المحظوظ

لا يمكننا أن ننفي عن خالد حسيني صفة "الكاتب المحظوظ"، لكن هذا ليس كل شيء في لعبة غير عادلة ولا مثالية لكنها واقعية جداً، حين تكون "مصائب قوم عند قوم فوائد". فقد قامت شهرة حسيني على مأساة أفغانستان منذ روايته الأولى "عداء الطائرة الورقية"، التي تناولت علاقة الصديقين أمير وحسان، الأول ينتمي إلى أسرة ثرية، بينما حسان من طبقة اجتماعية أقل شأناً، والزمن بين نهاية النظام الملكي في البلاد وانهيار حكم "طالبان". لكن حسيني ركز في هذا العمل كما في سائر أعماله اللاحقة، على تتبع الجانب الإنساني في حياة أبطاله وتناولها بأسلوب حكائي مُشوق يستأثر بمخيلة القارئ عبر تفاصيل دقيقة تقدم تصويراً حياً للمكان والزمان ولحياة هؤلاء الشخوص، بحيث يبدون للقارئ من لحم ودم. إنهم أشخاص يعيشون في الطرف الآخر من العالم ويواجهون مآسيهم منفردين.

تتماس هذه الرواية مع حياة حسيني نفسه، فهو الذي عاش طفولته في أثرى أحياء كابول، وكان يلعب بالطائرات الورقية مع أبناء عمه، وهو الذي هاجر إلى أميركا أيضاً واستقر فيها وأنشأ مؤسسة غير ربحية لمساعدة اللاجئين الأفغان. ومن خلال العلاقة بين الصديقين ينتقد حسيني التمايز الطبقي، ويكشف عن رؤيته الإنسانية والأخلاقية والاجتماعية للحياة، حيث المال والثراء لا يعنيان بأي شكل من الأشكال وجود نُبل حقيقي ومتأصل في النفس. تضع هذه الرواية المشاعر الإنسانية المتضاربة وجهاً لوجه، وعلى المحك، حيث الخيانة والوفاء والالتزام والتخلي والحنين والتجرد كلها تنصهر في بوتقة واحدة. وعبر أحد أبطال روايته يتبنى حسيني مقولة: "خذ اثنين من الأفغان لم يلتقيا من قبل وضعهما فى غرفة لعشر دقائق، وسيكتشفان القرابة الموجودة بينهما".

نجاح اميركي

حقق هذا الكتاب شهرة حسيني الأولى، وظل على قائمة "نيويورك تايمز" للكتب الأكثر مبيعاً لأكثر من عامين، كما تم تحويله إلى فيلم سينمائي حمل عنوان الرواية.

انطلاقاً من هذا النجاح المدوي الذي وضع أفغانستان والشعب الأفغاني تحت ضوء ساطع أدبياً، اعتبر حسيني بالنسبة للعديد من النقاد ضمن قائمة الكتاب الذين يتاجرون بمآسي أوطانهم وهم بعيدون عنه وعن مصائبه، ينعمون بحياة آمنة في الغرب ويحصلون على الشهرة ويحصدون النجاح المبني على خراب الوطن، ونكبات نسائه ورجاله. لكن هذا الحُكم القيمي فيه إجحاف في حق حسيني وغيره من الكتاب الذين نقلوا مآسي بلادهم إلى العالم كله، عبر شخوص روائية تحكي بنفسها عن نفسها، وعما تعرضت له من ظلم وتنكيل واضطهاد، كما في رواية حسيني الثانية "ألف شمس ساطعة" التي قدم من خلال بطلتيه "مريم وليلى"، تشريحاً دقيقاً لواقع المرأة الأفغانية في ظل حكم "طالبان".

بيد أن ثمة شيئاً مضطرباً كما يبدو بشأن وضع المرأة في المجتمع الأفغاني يمكن ملاحظته ليس في كتابة حسيني فقط، بل من خلال كل التفاصيل المرصودة بشأن أفغانستان حيث يحكي في أحد حواراته عن وضع المرأة الأفغانية سابقاً، قائلاً إن أخته "ريا" لم تعانِ من اضطهاد في سنوات السبعينيات لكونها فتاة. لكن هذه الرؤية التي ترجع إلى سنوات الطفولة، تبدو معبرة أكثر عن واقع شريحة اجتماعية رفيعة جداً من المجتمع الأفغاني، التي تتبنى وجهات نظر ثقافية مطلعة على حضارات أخرى. ولكن لا تبدو هذه حال بقية النساء الأفغانيات اللواتي تأرجحت حياتهن بين سقوط النظام الملكي، وسيطرة سوفياتية شيوعية يعتبرها الأفغان معادية لقيمهم المحافظة، ثم استيلاء "طالبان" على الحكم، وما تلاه من هجرة النخب إلى الغرب والبلدان المجاورة. كل هذه العوامل لا تكشف سوى عن وضع بائس وظالم في حق النساء، لا يمكن تجاوزه بسهولة.

صلاة البحر

في عمله القصصي القصير "صلاة البحر" المكون من خمسين صفحة، وصدر عام 2018 عن دار جامعة حمد للنشر، وقام بالترجمة الرشيقة لفخري صالح، والرسوم المرافقة لدان وليامز، انشغل حسيني بمأساة لجوء أخرى، تدور حول أب سوري يهاجر في عرض البحر مع عائلته. يكتب من خلال هذه الشخصية قصة عن اللاجئين السوريين ومحنة الفرار من سوريا. اختار لحكايته هذه أن تكون على شكل رسالة طويلة يكتبها الأب لابنه "مروان" كي يحكي له عن سوريا قبل الحرب. الرسالة هنا بمثابة صلاة من أجل الأمان والنجاة، فيها ذكريات عن السوق القديمة في مدينة حمص، وعن شجر الزيتون، وبيت الجد والنوم على الأسطح وسماع ثغاء الماعز، وصباحات المزرعة وطبيخ الجدة. لكن كل التفاصيل الأليفة لذكريات الأب تتناقض تماماً مع ما عرفه مروان عن سوريا، التي لم يبق في مخيلته منها سوى صوت القذائف، وشظايا الرصاص، والجثث المحتمل وجودها في مكان ما، وبينها من يعرفهم من جيران أو أصدقاء. يصور الكاتب من خلال الأب والابن التحولات المفروضة قسراً، حيث يخسر الأبرياء حياتهم وذاكرتهم في الحرب، وما ينجو منها لا يبقى داخله إلا ذاكرة مشوهة عن البلد الذي غادره.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لا يضع حسيني نهاية واضحة للرواية، هل وصلت العائلة بسلام أم لا، لكن من المؤكد أن القصة تحمل رسالة لكل اللاجئين في العالم، وللسوريين خصوصاً، في تقمص شخصية أب مهدد بالموت يقص لابنه حكايته عن البلد الذي أحبه يوماً. إنها الصور والذكريات التي لن يشاهدها مروان، لكن عليه أن يعرف بأنها كانت موجودة ذات يوم. "أتمنى يا مروان أن تتذكر حمص كما أتذكرها أنا... أتمنى لو أنك تتذكر الأزقة المكتظة بالبائعين والشارين، وهي تفوح برائحة الكبة المقلية، والنزهات التي كنا نقوم بها مع أمك حول دوار الساعة".

هذا العمل الإبداعي المرفق مع رسوم ثرية ومعبرة، والذي تم تصنيفه بأنه لكل الأعمار يحمل في باطنه تحدياً، ويكشف عن جرأة صاحب "عداء الطائرة الورقية" بالكتابة عن مكان ليس ملعبه. لقد غادر مربعه الآمن في الكتابة عن موضوعات مأخوذة من قلب المجتمع الأفغاني ليقتحم واقعاً مأساوياً آخر، بحيث ما زالت تبعات الحرب في سوريا تشغل الواقع العربي والغربي، مع تدفق موجات اللاجئين الهاربين من الحرب. لكن ما أوحى لخالد حسيني بهذه الرواية كانت صورة الطفل الكردي "إيلان"، ذي الأعوام الثلاثة، الذي وصلت جثته إلى أحد شواطئ تركيا عام 2016. هذه الصورة التي هزت وجدان العالم، ظلت حاضرة في مخيلة حسيني ليكتب من وحيها "صلاة البحر".

المزيد من ثقافة