Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

من يخلف "السيدة الحديدية" بعد 16 عاماً في حكم ألمانيا؟

يتنافس على المنصب مرشحا الحزبين الأكبر في ألمانيا أرمين لاشيت وأولاف شولتس وآخرون

المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وأرمين لاشيت (غيتي)

في 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2005 انتخب البرلمان الألماني (البوندستاغ) أنغيلا ميركل لتكون أول سيدة تشغل منصب المستشار الاتحادي في تاريخ ألمانيا، ومنها بدأت حقبة مدتها 16 عاماً من الاستقرار وقيادة البلاد نحو مزيد من الازدهار والقوة، على الرغم من أزمات متتالية بدأت من الأزمة المالية العالمية 2008، مروراً بأزمة المهاجرين عام 2015 حيث استقبلت ألمانيا نحو مليون لاجئ سوري، ثم "بريكست" في 2016 وصولاً إلى أزمة جائحة كورونا.

ومع أفول حقبة ميركل حيث يستعد الألمان للتصويت يوم 26 سبتمبر (أيلول) الحالي لاختيار من يخلف "ماما ميركل" أو "السيدة الحديدية"، كما يطلق عليها بعضهم في الداخل، فإن المهمة لن تكون سهلة أمام خليفة تلك السيدة التي صنفتها مجلة فوربس الأميركية كأقوى امرأة في العالم. 

بشكل رئيس يتنافس على المنصب مرشحا الحزبين الأكبر في ألمانيا أرمين لاشيت، مرشح الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU)، وأولاف شولتس مرشح الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD). واستطاعت أنالينا بيربوك مرشحة حزب الخضر الذي ترتكز أجندته على قضايا البيئة والمناخ، مزاحمة مرشحي الحزبين الأكبر في نتائج استطلاعات الرأي، وهي المرة الأولى التي يخوض فيها حزب الخضر السباق حول منصب المستشار. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وإضافة إلى المرشحين الثلاثة يوجد في السباق مرشحو الأحزاب الأصغر الذين تستبعد استطلاعات الرأي فوزهم، وهم كريستيان ليندنر من الحزب الديمقراطي الحر (FDP)، الذي يروج للسوق الحرة ويدعم الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي، وتينو تشروبالا من حزب البديل اليميني المتشدد من أجل ألمانيا (AfD) الذي تراجعت شعبيته على الرغم من أدائه الجيد في انتخابات عام 2017، لكن يقول مراقبون إنه لا يزال يتمتع بشعبية في الشرق الشيوعي السابق، وهناك أيضا جانين ويسلر وديتمار بارتش من حزب اليسار (LINKE) الذي يدعو لتعزيز سيطرة الدولة على الاقتصاد والانسحاب من "الناتو".

أرمين لاشيت

على مدى الأشهر القليلة الماضية اعتبر المراقبون "لاشيت" المنافس الأوفر حظاً لخلافة ميركل، ليس فقط لأنه يخلفها في رئاسة الاتحاد المسيحي الديمقراطي الذي يضم أيضاً الحزب الشقيق الأصغر "المسيحي الاجتماعي"، لكن بالنظر إلى أنه رئيس وزراء أكبر ولاية اتحادية ألمانية من حيث عدد السكان شمال الراين - ويستفاليا، وسياسياً يتبع الأسلوب ذاته الذي تتبعه ميركل، ويتشارك معها وجهات نظرها الوسطية المؤيدة إلى أوروبا، فضلاً عن أنه كان عضواً بالبرلمان الأوروبي بين عامي 1999 و2005. 

لاشيت البالغ من العمر 60 عاماً يعتبر سياسي المصالحة والتوزان، إذ عادة تتم الإشادة بقدرته على توحيد الناس، وفقاً لصحيفة "ذا لوكال" الألمانية، وكان واحداً من الداعمين القليلين لميركل في قرارها عام 2015 بالسماح بدخول مئات الآلاف اللاجئين الهاربين من سوريا وأفغانستان، على الرغم من فتور العلاقات منذ ذلك الحين وسط خلافات حول التعامل مع وباء "كوفيد-"19.

ومع ذلك بدأت الأمور تسوء بالنسبة إلى لاشيت منتصف يوليو (تموز) الماضي، عندما ضربت الفيضانات القاتلة البلاد، بما في ذلك ولاية شمال الراين - ويستفاليا التي يحكمها، وأسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 190 شخصاً. وواجه مرشح المحافظين انتقادات واسعة في شأن إدارته لأزمة الفيضانات، كما واجه على نحو خاص غضباً عبر وسائل التواصل الاجتماعي لرده المتعالي على صحافية انتقدت تدابير التعامل مع قضية تغير المناخ، إذ قال لها بشكل يوحي بالازدراء من سؤالها "معذرة أيتها الشابة، ليس بسبب ما نمر به اليوم علينا تغيير سياستنا".

 

كما كانت صورته وهو يضحك في الخلفية بينما الرئيس الألماني فرانك والتر شتنماير يقدم تكريماً لضحايا الفيضانات مثار غضب أوسع، وبعد بضعة أسابيع تعرض أيضاً لانتقادات لاقتراحه أن "عام 2015 يجب ألا يتكرر" عند الحديث عن الأزمة في أفغانستان، في إشارة إلى تدفق اللاجئين إلى ألمانيا في ذلك العام. 

وأظهر أحدث استطلاع للرأي تراجع المحافظين "الاتحاد الديمقراطي المسيحي" بشكل كبير وراء الحزب الاشتراكي الديمقراطي بنتيجة 21.4 مقابل 25.5 في المئة للأخير، ويأتي بعدهم حزب الخضر بـ 16.2 في المئة، ومع ذلك فإن لاشيت الذي تمكن من التغلب على صاحب الشعبية الكبيرة ماركوس سودر ليصبح المرشح المحافظ لهذا العام، يعرف أيضاً باسم "ملك العودة"، مما يبقي حظوظه قوية لخلافة ميركل. 

ويقول لاشيت إنه إذا تم انتخابه فسيعمل على مكافحة تغير المناخ مع دعم الأعمال والصناعة أيضاً، على الرغم من أن بعضهم شكك في سجله الحافل بوضع قيود على مزارع الرياح في شمال الراين وستفاليا خلال فترة توليه رئاسة الوزراء، كما أنه يرى أن الوقت الحالي ليس مناسباً لرفع أو خفض الضرائب مما يشير إلى أنه يميل لاتخاذ نهج حذر في التعامل مع القضايا الاقتصادية مثل ميركل.

أولاف شولتس

بصفته وزير المالية ونائب المستشارة في حكومة ميركل، قد يكون أولاف شولتس المنتمي منذ عام 1975 للجناح المحافظ في الحزب الديمقراطي الاشتراكي المستشار الألماني الجديد، وتقول الصحافة الألمانية إن السياسي الوسطي وجه مألوف في السياسة الألمانية منذ أمد بعيد مثل ميركل، وطالما سعى إلى تقديم نفسه كخليفة طبيعي لها في السباق الحالي. 

على عكس منافسيه الرئيسين، لم يقع المرشح البالغ من العمر 63 عاماً في ارتكاب أخطاء محرجة أثناء الحملة الانتخابية، وقد يكون هذا جزءاً من سبب تزايد حظوظ الحزب الديمقراطي الاشتراكي في استطلاعات الرأي خلال الأشهر الماضية، ففي استطلاع أجراه معهد إنسا في أوائل أغسطس (آب) الماضي جاء شولتس في المقدمة بنسبة 27 في المئة، وهي تقريباً ضعف النتيجة التي حصل عليها لاشيت (14 في المئة) أو أنالينا بربوك (13 في المئة). 

وفي حين يصفه كثيرون بأنه يفتقر إلى الكاريزما أو كما تقول "يورونيوز" إنه يتعرض للسخرية بسبب مظهره الصارم وخطبه الرتيبة، فإن العديد من الألمان يعتقدون أن شولتس يتمتع بالسمات التي يريدونها في القائد، وتحديداً الموثوقية والنزاهة والوسطية مثل ميركل.

وفي حين تخلى عنه حزبه عام 2019 لينتخب ثنائياً غير معروفين نسبياً، فإن صحيفة "دي فيلت" الألمانية وصفته بأنه "مقاتل وحيد لديه مواطنون خلفه، لكن ليس حزبه المتأخر".

أنالينا بيربوك

وتبقى أنالينا بيربوك صاحبة الـ 41 عاماً التي تترأس حزب الخضر منذ عام 2018 ثاني سيدة تترشح لمنصب المستشار في تاريخ جمهورية ألمانيا الاتحادية بعد ميركل، وربما تلعب التحذيرات العالمية بشأن تغير المناخ دوراً في التسويق لأجندتها السياسية المعنية بقضايا البيئة، إذ قفزت قضايا البيئة إلى مركز الصدارة في النقاش العام داخل ألمانيا بعد فيضانات يوليو المدمرة، وعززها تقرير مثير للقلق أصدره خبراء المناخ التابعون للأمم المتحدة في شأن تسارع ظاهرة الاحتباس الحراري.

وبينما قد ينظر البعض إلى قضايا البيئة والتغير المناخي باعتبارها قضايا نخبوية، إلا أنها تشكل لاعباً مهماً في وعي الناخب الألماني الذي يدرك خطورة التغير المناخي. 

ويستخدم حزب الخضر قضايا البيئة لجذب عدد متزايد من الألمان الليبراليين، وهو ما استطاع النجاح فيه خلال الانتخابات الفيدرالية السابقة عندما حصل على 8.9 في المئة من الأصوات وإجمالي 67 مقعداً من أصل 709 في البرلمان الألماني، ووفقا لتصريحات سابقة أشارت فرنسيسكا بارتنا، التي كانت تترأس كتلة حزب الخضر في البوندستاغ عام 2017، إلى أن الأولوية لحماية المناخ وتطوير الاقتصاد، وهما يرتبطان ببعضهما لأن تطوير الاقتصاد يكمن في كفاءة الموارد.

وقالت بارتنا، "نشعر بشكل كبير أن العقول النيرة لم تستخدم مهارتها في التطوير ولكن في خداع الناس، فتم ابتكار برنامج للسيارات خصوصاً ليجتاز الاختبار الخاص بكمية العادم الذي يضر بالبيئة، وهذا شيء محزن وأساء إلى صورة الصناعة الألمانية"، في إشارة إلى فضيحة شركة "فولكس فاغن" الخاصة بالغش في اختبار الانبعاثات الضارة. 

ومع ذلك لا تزال السياسية الشابة تأتي في مرتبة ثالثة متأخرة خلف مرشحي الحزبين الرئيسيَن، كما واجهت بيربوك حرجاً سياسياً عندما واجهت اتهامات بالسرقة الأدبية في كتاب أصدرته يونيو (حزيران) الماضي، ووصف خصومها السياسيون برنامجها الخاص باللجوء بأنه "قنبلة".

تحالفات محتملة

وبشكل عام تشير استطلاعات الرأي إلى أن أياً من المرشحين الرئيسيَن لا يبدو أنهم مقنعون بالشكل الكافي للناخبين، غير أن النظام الانتخابي في ألمانيا لا يسمح بفوز حزب وحيد بتشكيل الحكومة، حيث تحرص الديمقراطية الألمانية على أن يتشارك حزبان أو أكثر قيادة الحكومة، ومن ثم يقدم المراقبون مجموعة من السيناريوهات تتعلق بالتحالفات السياسية المحتمل حدوثها. 

 يتجه الاحتمال الأول في انتخابات العام الحالي نحو تشكيل ائتلاف من الاتحاد المسيحي الديمقراطي والحزب الديمقراطي الحر وحزب الخضر ويسمى بـ "ائتلاف جامايكا"، لأن ألوان أعلام الأحزاب الثلاثة مثل العلم الجامايكي وهو الأسود والأصفر والأخضر، ووفقاً لأحدث استطلاعات ألمانية نشرتها صحيفة الغارديان البريطانية، "فإن هذا التحالف يجمع 49.3 في المئة من المستطلعين"، وقد يتكرر الائتلاف الحالي المكون من الاتحاد المسيحي الديمقراطي والحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي يُعرف بـ "التحالف الكبير" وهو ما يشكل نسبة 46.9 في المئة ممن شاركوا بالاستطلاع، أو أن يتم تشكيل تحالف يجمع الاتحاد الديمقراطي المسيحي والخضر وتبلغ نسبته 37.6 في المئة، فيما استحوذ تحالف يجمع الأحزاب الثلاثة الأوفر حظاً، الاتحاد الديمقراطي المسيحي والحزب الاشتراكي الديمقراطي والخضر على 63.1 في المئة، وتجاوز أيضاً احتمال تحالف "أضواء المرور" الذي يجمع الحزب الاشتراكي الديمقراطي والديمقراطي الحر والخضر النسبة المطلوبة لتشكيل حكومة لتبلغ 53.4 في المئة. 

ويستبعد المراقبون أن تقوم أي من الأحزاب بتشكيل ائتلاف مع حزب "البديل لأجل ألمانيا" الشعبوي، ولم تشهد ألمانيا حتى الآن تحالفاً فيدرالياً يضم حزب اليسار. 

المزيد من سياسة