Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

يوم غادر الزعيم السوفياتي قاعة العرض حاكماً على "أندريه روبليف" بالإعدام

الفيلم الذي التقط جوهر الفن والروح من خلال حياة راهب رسام

المخرج الروسي أندريه تاركوفسكي  (غيتي)

كان يكفي رئيس البلاد وزعيم الحزب الشيوعي السوفياتي يومها أن يغادر القاعة حيث يقام عرض سينمائي من أجله، قبل نهاية الفيلم بمشاهد عدة حتى يعتبر ذلك نوعاً من الحكم بالإعدام على الفيلم المعروض.

كان من الواضح يومها أن الرئيس لم يغادر لكونه استدعي على عجل لشأن يتعلق بأمن الدولة، ولا لأنه شعر بوعكة صحية ما. كانت مغادرته تعبيراً ندر أن سبقه إليه مسؤول كبير في أي دولة، عن استيائه من الفيلم.

حدث ذلك أواسط سنوات الـ 60 في موسكو، وكان الزعيم المعني يومها ليونيد بريجنيف، أما الفيلم فكان "أندريه روبليف" أحد أوائل أفلام المخرج أندريه تاركوفسكي.

صحيح أننا قد نتساءل اليوم وقد انزاح ذلك الكابوس منذ نصف قرن وأكثر، أين صار بريجنيف وأين هو الفيلم المغضوب عليه؟ لقد طوى النسيان ذلك الزعيم الذي أوصل الاتحاد السوفياتي وما كان يسمى بـ "المنظومة الاشتراكية" جميعاً إلى جمود كان طريقهما مهب النسيان، أما الفيلم فعاش ولا يزال حتى الآن بوصفه تحفة سينمائية استثنائية في تاريخ السينما العالمية، بخاصة في تاريخ الفن الروسي حتى وإن كان مبدعه قد مات في المنفى من دون أن يستمتع بهاتين النهايتين.

جوهر الفن وروحه

في الأحوال كافة كان "أندريه روبليف" (1966) ولا يزال واحداً من أعظم الشرائط السينمائية التي تناولت حياة مبدع رسام في تاريخ السينما، وعلى خطاه ستسير أفلام كثيرة تحقق في بلدان عدة وعن فنانين أكثر عدداً، بالنظر إلى أن مخرجه، الشاب آنذاك، عرف فيه كيف يضافر بين فني الصورة الكبيرين، فن الرسم والسينما، وكيف يصل من خلال صور فيلمه المتحركة إلى التعبير عن جوهر الفن وروحه، كما يصل من خلال السيناريو المدهش الذي كتبه مع زميله أندريه كونتشالوفسكي، إلى تصوير الحياة الفنية والروحية في القرون الوسطى الروسية، ولو بالأسود والأبيض اللذين تحولا بكاميراه إلى ألوان تصخب بالحيوية وتضج بالحياة، إلى درجة لم يتنبه كثر معها أن الفيلم قد تحول إلى الألوان الحقيقية في المشهد الأخير منه.

ويقيناً أن هذه الشؤون التقنية لم تكن هي ما أزعج رئيس البلاد ودفعه إلى ذلك الموقف السخيف، ولا دفعه إلى ذلك تقشف الفيلم ولا حتى احتفاؤه بالجانب الروحي وحتى الديني من تاريخ روسيا، بل إدراكه البعد الراهن لحكاية الفيلم، ولنقل بشكل أكثر وضوحاً البعد الذاتي في فيلم أندريه تاركوفسكي.

لقد فهم بريجنيف على الرغم من جموده الفكري أن مخرج الزمن الراهن إنما يتحدث من خلال مبدع الزمن الغابر، عن الأزمان الراهنة، وعن ذاته تماماً كما يخلق بكل مبدع حقيقي أن يفعل. أما كيف وصل بريجنيف إلى هذا "الفهم العميق" لحقيقة ما كان يدور أمام ناظريه على الشاشة، فمسألة أخرى لن تعنينا كثيراً هنا!

حدث غير عادي

ما يعنينا هنا هو أن الفيلم ولد بالفعل يومذاك وشوهد في البلاد السوفياتية ولو ضمن عروض محدودة، كما وصل إلى الصالات في عدد كبير من بلدان العالم الخارجي ومهرجاناته، فاعتبر حدثاً غير عادي لا في تاريخ السينما ولا في تاريخ الثقافة الآتية من بلاد السوفيات بل في تاريخ الفن، والأدهى من هذا أن تاركوفسكي كان يريد لفيلمه أن يعنون أول الأمر "حياة وآلام أندريه" جامعاً بهذا اسمه إلى اسم رسام الأيقونات الشهير الذي يقدم الفيلم سيرته، لكنه سرعان ما استبعد هذا البوح لخطورته، ولكن الفكرة فرضت نفسها على الرغم من استبعاد العنوان، ومع ذلك لُعن الفيلم وظل كذلك حتى اختفت الجمودية السوفياتية كما نعرف.

معاناة الفنان وآلامه

كما هم واضح، يتحدث "أندريه روبليف" عن الراهب الرسام الروسي الذي أعار اسمه للعنوان، وعاش بين العامين 1360 و1430 تقريباً واشتهر بكونه واحداً من أعظم مبدعي هذا الفن في التاريخ حيث لا تزال أيقوناته الأرثوذكسية تطبع بمئات ألوف النسخ وتعلق في البيوت حتى الآن.

صحيح أن الفيلم لا يتابع سيرة روبليف كلها لكنه يتحدث عن مراحل عدة منها، لا سيما تلك المرتبطة بفنه والثورة التي أراد إشعالها بذلك الفن مشاكساً دائماً السلطات الرسمية كما الأفكار والممارسات الامتثالية، ومن خلال ذلك نتابع طبعاً معاناة الفنان وآلامه ولحظات يأسه العديدة ودنوه من دمار ذاته، وما إلى ذلك من مصاعب وآلام يصورها الفيلم، من منطلق السياسات والممارسات الرسمية والكنسية في تلك الأزمنة البعيدة، من دون أن يسهى عن بال الفيلم أن أقسى الصراعات ربما تكون تلك التي يضطر الفنان إلى خوضها ضد رفاقه حتى ولو كانوا مثله من أنصار التغيير.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبالنسبة إلى هذه الصراعات جميعاً لن يفوت المتفرج المتابع لحياة المخرج تاركوفسكي أن يجد نقاط توازٍ كثيرة وأحياناً مفاجئة بين ما يجده في الفيلم وما يمكنه أن يعرفه عن حياة تاركوفسكي نفسه، وكأن هذا المبدع الاستثنائي قد قدم هنا وبشكل موارب إنما شفاف إلى حد أغاظ سيد الكرملين في ذلك الحين، سيرته الذاتية.

ألوان خاتمة مدهشة

ينقسم فيلم "أندريه روبليف" في تجديد مميز لفن كتابة السيناريو إلى ثمانية فصول مع مقدمة وخاتمة مستقلتين، ولئن كانت المقدمة تصور لنا تجربة لإطلاق منطاد في السماء غير بعيد من دير أرثوذوكسي وفي زمن غير محدد، بشكل يريد أن يحدد ما سيحدث لاحقاً في الزمن السابق من إطلاق روبليف ورفاقه ومساعديه تجارب جديدة في فن رسم الأيقونات، فإن الخاتمة التي صورت بالألوان الرائعة تستعرض أمام أعيننا عدداً لا بأس به من إنجازات روبليف في مجال فن الأيقونات، مختتمة ذلك المشهد بمشهد مندمج فيه يصور أربعة أحصنة تسير خبباً تحت وقع أمطار عاصفة عند ضفة نهر هادر، وبين المقدمة والخاتمة تمر الفصول الثمانية المنتزعة الواحد بعد الآخر من سيرة حقيقية إلى حد ما ومتخيلة إلى حد كبير للفنان الروسي المشاكس، ولكل فصل عنوان معين يشي بموضوعه وتاريخ محدد تقريباً يموضعه بالنسبة إلى مسيرة حياة روبليف.

سخرية المهرج

في الفصل الأول وعنوانه "المهرج"، الذي يحدد زمنه بصيف العام 1400، يطالعنا روبليف ورفيقاه كيريل ودانييل وقد تركوا كرهبان رسامي أيقونات مستقرهم في دير أندرونيكوف متوجهين إلى موسكو، وخلال سيرهم وسط عاصفة من المطر يلجأون إلى قاعة مزرعة كبيرة تجمع فيها القرويون يتفرجون على أداء مهرج يحاول التسرية عنهم ساخراً من قيم الدولة والكنيسة وطبقات الأعيان (البويار) غير موفر في سخريته الرهبان الثلاثة الواصلين، حتى يأتي الجنود ويقبضوا عليه، ويقودنا هذا إلى الفصل الثاني وعنوانه "ثيوفان الإغريقي – صيف وشتاء وربيع وصيف (1905 - 1906)" وينطلق من وصول كيريل إلى محترف رسام أيقونات هو ثيوفان الذي يشتغل على أيقونة جديدة تصور السيد المسيح، ويكتشف كيريل لدى وصوله أن الرسام ضجر من عمل يعتبره مجرد سخرة حرفية ويسعى إلى إنجازه كيفما اتفق.

وإذ يدور نقاش بين الاثنين تدهش معارف كيريل الرسام المخضرم فيدعوه إلى العمل معه مساعداً في تزيين كنيسة البشارة في موسكو، وبعد حين في العام 1406 وفي فصل ثالث عنوانه "الآلام" يطالعنا أندريه من جديد خلال عبوره الغابة مع مساعد له يدعى فوما وقد وصلا إلى موسكو، يلتقى ثيوفان ويخوض نقاشاً معه حول الفن وهدفه وضروب التجديد فيه، وخلال الحديث يقول ثيوفان إن مشكلة الفن هنا تكمن في غباء الشعب الروسي وجهله، فيدهش أندريه كيف يمكن فنان أن يتلفظ بمثل هذه الآراء، لننتقل في الفصل الرابع إلى العام 1408 تحت عنوان "إجازات" حيث يدور معظم الفصل وسط أعياد شعبية صاخبة، فيما يحمل الفصل الخامس عنوان "يوم الحشر" ويدور صيف العام نفسه حيث نجد أندريه ودانييل يعملان على رسوم لكنيسة فلاديمير ولا سيما رسوم تمثل "يوم الحشر".

معاناة في صنع جرس

ما يقودنا في الفصل السادس "الهجوم"، إلى أحداث سياسية يعايشها أندريه ومساعدوه محورها محاولة شقيق الأمير الأكبر الاستيلاء على السلطة في غياب الأمير، مما يخلط الأوراق ويدخل أندريه في معركة مع "تاتار" يهجمون على المدينة بدورهم، وينتهي الفصل بمذبحة في الكنيسة لا ينجو منها سوى أندريه ومساعده لنرى الأول يعود في الفصل السابع إلى هدوء الدير وصمته وسط مجموعة من لاجئين يخوضون هناك نقاشات صاخبة يختلط فيها الفن بالسياسة.

 أما الفصل الثامن والأخير وعنوان "الجرس" فيصور لنا أندريه وهو يرصد بمزيج من المشاعر اشتغال صانع أجراس كنسية ضخمة على صنع جرس جديد ومعاناته خلال العمل، مع المادة كما مع السلطات السياسية والكنسية، مما يجعل ثقته بنفسه تتحطم بمقدار ما يقترب الجرس من الكمال.

المزيد من ثقافة