Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

صانع آلة العود السوري... أشهر فناني العرب عزفوا على اوتاره

اكتسب المهندس الميكانيكي الحرفة إبان تخرجه من الجامعة

صانع آلة العود السوري المهندس إبراهيم سكر (اندبندنت عربية)

عجيب أن تتحول قِطع من لحاء خشب شجر الجوز بين يديه إلى بلبلٍ يغرّدُ طليقاً خارج قفصه، يرتحل بمستمعيه إلى عوالم مسكونة بالحزن والفرح كحال الشرق مذ ولِدت فيه آلة العود الموسيقية قبل آلاف السنين في بلاد بين النهرين والجزيرة السورية، تذرفُ على أوتارها أوجاعاً وحبوراً، وتنسكب من ريشة العود على الوتر حكايا الحب والحرب وكل الأساطير.

حكايةُ عشقٍ ربطت شاباً سورياً مع سلطانة تخت الموسيقا الشرقية، ولم يدرِ إبراهيم سكر، وهو على مقاعد الدراسة الجامعية في السنة الثانية في كلية هندسة الميكانيك بجامعة حلب، أن يده التي تتغلغل بين ثنايا أعظم آلات المصانع مُصلحاً إياها ليعود ضجيجها مجدداً، هي ذاتها ستُعيد إحياء آلة تطرب الناس ويسكنون إليها من ضجيج الحياة.

البداية هواية

وليس غريباً أن يكتنز قلب صانع الأعواد الشاب حبه للعود في مرحلة التسعينات من القرن المنصرم حين حطّ رحاله آتياً من مدينة الزيتون السوري، إدلب شمال غربي سوريا، إلى مدينة الطرب الأصيل حلب، ليزداد عِشقه بعد أن أنهى إصلاح رابع آلة عودٍ تأتي إليه من أصدقائه مندفعاً حينها إلى شيخ كار صناع الأعواد محمد رجب، طالباً حرفته وهو طالبُ علمٍ، مرتاداً ورشته كل يوم بعد أن ينهي محاضراته في الكلية.

سنوات واكتسب المهندس الميكانيكي الحرفة، وبعدها فضّل إنشاء ورشة خاصة به لصناعة العود عوضاً عن إنشاء ورشة لميكانيك الآلات الصناعية إبان تخرجه في الجامعة، ولينتشي قلبه مع كل عودٍ تنتجه يداه، مع الورشة التي أخذت بالتوسع في حي شعبي بدأت الحياة تنبض من جديد، مستفيداً من ندرة الصناع والحرفيين الذين هجروا الحرفة، وإقبال الناس على اقتناء أعواد ينتجها بعد أن ذاع صيته.

تحسينات للآلة

وكما الموسيقي "زرياب" الذي أضاف الوتر الخامس للعود، لم يكتفِ سُكر بعد سنوات من العمل بإنتاج (عود) نمطي، بل دفع بنفسه إلى البحث والتقصي وبذل قصارى جهده لتحديث الآلة من باب العلم، مسخّراً خبرته ودراسته الأكاديمية بميكانيك الآلات، وبعد تجارب علمية وأبحاث توصل إلى العديد من العيوب، وانكفأ على إجراء ما يشبه التعديلات والتحسينات لثغرات في صلب الآلة.

أسرار الخشب

أسهب صانع الأعواد بالتعرف إلى خفايا العود بالتزامن مع إنتاج الآلات الأخرى مثل البزق والقانون وحقائب جديدة لتغليف الأعواد وحمايتها من الكسر، وهي الأولى من نوعها محلياً في البلاد، وشَغَلهُ العمل على خفايا بصمة الخشب لسنوات حتى تمكن بعد بحثٍ علمي كما يقول من "كشف العيوب والثغرات ومنها انحناء يحدث للعود، لهذا قمت بتعديلات وتركيب أدوات تمنع حدوث هذه الثغرة نهائياً ومنها انتشرت طريقتي لدى كثير من الورش".

ويضيف "كما درست سبب انحناء الصدر واستدركت هذه الثغرة بالعود ووضعت تعديلات وحلولاً علمية مع جسور ودرست سماكتها وكشفت أسرار التحكم وضبط الصوت، وتحسين رشاقة القياسات، مع صناعتي لأحجام متعددة للعود متفاوتة القياسات".

صناعة لا تتوقف

لم يتوقف شغف مبدع الأعواد على صناعة الآلة بل صنع الأوتار بنفسه، منتقلاً بعدها لصناعة آلات خاصة لتصنيع العود، وأخذت أشجار الغوطة الدمشقية تصل ورشته في مدينة حلب ليعيدها إلى دمشق ومختلف المحافظات السورية إبداعاً، على الرغم من أنه يشكو من قلة الأخشاب الواصلة بسبب ظروف الحرب، لكنه لم ولن يتوقف عن العمل، ومع ذلك يكشفُ أنه خلال السنوات الماضية خرج صنّاع للأعواد جدد وأنتجوا الكثير منها.

30 عاماً من العمل والابتكار والإنتاج، لا يتهاون (مهندس العود) حين يلتقط أي منتج ولو قديم من دراسته علمياً واكتشاف ثغراته، ويطور أداءه مُدخِلاً التكنولوجيا من خلال فحص العود بعد الكشف عنه يدوياً وإجراء التعديلات عليه إن لزم ليصل إنتاجه لأشهر الفنانين العرب. ويقول "وصل إنتاجي لنجوم الطرب العربي الأصيل، وزارني في ورشتي المتواضعة عدد منهم للاطلاع على العمل، واقتنى من ورشتي كل من الفنانين نصير شما، صباح فخري، الموسيقار صفوان بهلوان، والموسيقار الراحل ملحم بركات، لطفي بوشناق، وغيرهم" أعواداً.

تحسين الانتاج

لا ينسى عام 1992 حين بدأ بالعمل والإنتاج، كانت مرحلة الانفتاح السوري على العالم بعد حصار دام فترة من الزمن، ووفر هذا الانفتاح طرق الشحن ووسائل الاتصال والمواصلات، وساعدته بذلك القدرة على إيصال الأعواد لبلدان ودول الخليج والمغرب العربي مع مشاركته بمعارض ومؤتمرات دولية.

وقبل هذا التاريخ، كانت شهرة العود السوري متدنية بسبب تراجع ورداءة الإنتاج المحلي التجاري وتسوّق السياح هذه الأعواد التجارية التي تبدأ مع الاستخدام ومرور الزمن بالتراجع، ويرى الفنان المسرحي مصطفى آغا أن إنتاج العود السوري بدأ بالتطور والتحسن مع إدخال المهندس سُكر للتكنولوجيا بالتصنيع والتحسينات التي أحدثها كون آلة العود فيها ثغرات يصعب على غير المحترف (المعلم) إلا أن يكشفها ويصلحها.

قيمة العود

وتبلغ اليوم قيمة العود في الأسواق ما بين 200 دولار أميركي إلى 500 دولار كحد وسطي، بينما ترتفع قيمته بحسب جودة العود وكمية الوقت والنقوش والزخارف وعوامل ثانية تزيد من سعره، لكن بالعموم، قيمة الآلة ازدادت بسبب زيادة تكاليف إنتاجه، والإقبال على شراء العود السوري لجودته إلى جانب العود العراقي.

وأخيراً، تمكّن مهندس الميكانيك أن يبدع في دمج عدد من فنون التصنيع، إذ دمج بين فن الصناعة الحلبية والدمشقية معاً، فلكل منهم ميزاته ومقاييسه، والآن بدت مقاييس العود السوري الأكثر انتشاراً والذي يمتاز بانسيابه لما يسمى (الطاسة) والصدر بالوصول إلى أيدي الفنانين المحترفين والهواة، ويلاقي إعجابهم، ويطرب العود السوري كل من يسمع أنغامه وشجو أوتاره.