Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الشعر المغربي الجديد يفتقر إلى حركة نقدية ترافق إنجازاته

كتاب محمد الوهراني يلقي أضواء على تجارب من أجيال وتيارات مختلفة

لوحة للرسام فؤاد حمدي (صفحة الرسام على فيسبوك)

ما الذي يحتاجه الشعر المغربي اليوم؟ لعل سؤالاً مثل هذا يشغل الشعراء والنقاد المغاربة على السواء، وربما يشغل الشعراء أكثر من النقاد، بسبب انصراف أهل النقد إلى مجالات أخرى. فالباحثون المغاربة في السرد في زماننا هذا أكثر بكثير من نقاد الشعر. حتى النقاد الشباب اختاروا متابعة التجارب الروائية على حساب المجاميع الشعرية، إننا نعاني فعلاً من شبه غياب للكُتاب الذين يملكون مشروعاً نقدياً خاصاً بالشعر، إلى درجة أن الشعراء المغاربة اليوم لم يعودوا يجدون من يكتب عنهم من داخل المغرب. فباستثناء المتابعات الصحافية يندر أن تجد دراسة محكمة عن التجارب الشعرية المغربية سواء في كتاب أو في مجلة.

لا نتحدث هنا عن النقد النظري والتأريخ الأدبي وتصنيف المدارس والتيارات، وإنما نخص بالضبط النقد التطبيقي الذي يُعمل فيه الباحث أدواته النقدية من أجل تشريح تجربة ما واستكناه مجاهلها، وفي غياب نقاد الشعر اختار عدد من الشعراء أن يتكلفوا بهذه المهمة، ليس نيابة عن الناقد الغائب، بل إحساساً منهم بأنهم قريبون بعضهم من تجارب بعض، وبالتالي إن لم يكونوا يملكون بالضرورة القدرة على نقدها، فإنهم يملكون على الأقل القدرة على التحدث عنها.

بعيداً عن الأكاديمية

في هذا السياق، يأتي الكتاب الجديد للشاعر المغربي محمد بنقدور الوهراني الصادر عن دار "سليكي أخوين"، الذي وضع له تصنيفاً تمويهياً "أنطولوجياً ميتاً نصية"، واختار له عنواناً يستفز المتلقي "نصوص غائبة". كأنما يريد أن يومئ للقارئ بأنه أمام نصوص غائبة عن النقاد، وغائبة عن حقل الدراسة والتداول. لذلك لم يراهن على تقديم الأسماء المؤسسة للشعر الحديث وحدها، ولم يكتفِ بالأسماء المعروفة والمتداولة، بل لجأ إلى مزاجه الشخصي، على اعتبار هذا المزاج معياراً جوهرياً في اختيار النصوص، ومن ثمّ قراءتها ودراستها، فمثلما نجد في الكتاب مادة عن محمد الخمار الكَنوني أحد رواد الشعر الحديث في المغرب، نجد في الموازاة مادة عن محسن أخريف الذي ولد بعد الكَنوني بأربعة عقود، والذي غادرنا وهو في عز شبابه، ومثلما نقرأ مقالاً عن تجربة صلاح بوسريف المعروف بكتابة المطولات الشعرية، نقرأ أيضاً مقالاً عن سامح درويش المختص في كتابة نصوص شذرية خاطفة، ونحن نقرأ في كتاب الوهراني عن تجارب معروفة في المغرب مثل عبد الكريم الطبال ووفاء العمراني، نقرأ في الآن ذاته عن تجارب لأسماء ربما لا يعرفها المغاربة أنفسهم مثل الشاعرين محمد السكتاوي ومحمد مرزاق.

تَخفف محمد بنقدور الوهراني من المناهج النقدية في قراءته للتجارب الشعرية المغربية، وهو العارف بها، بحكم دراسته الجامعية، وبحكم مجال اشتغاله. فلم يعتمد المقاربات وفق أبنية أكاديمية معينة، بل جعل مقالاته عبارة عن محاورات مفتوحة وتنويعات مضيئة أجاد فيها الإصغاء إلى النصوص، وبالتالي التفاعل معها وفق رؤية تكشف عمق متابعته لما يُكتب في المغرب الراهن، وتُبين أيضاً عن خبرته الشعرية ومعرفته بالأدب الحديث.

ذائقة شخصية

في مقدمة الكتاب، يؤكد الوهراني بشكل صريح أن خياراته يحكمها "الذوق" و"الاقتناع الفردي"، وما يسميه أحياناً "الإعجاب" وأحياناً "الإيمان". كأنما يريد أن يقطع مع المتلقي إمكانية اللوم بخصوص حضور أسماء معينة وغياب أخرى، ثمة معيار غريب ربما لم يسبق لكاتب أن اعتمده وهو يتناول بالدراسة والتصنيف تجارب شعرية داخل بلد ما. فالوهراني يعلن أن الشاعرات والشعراء الذين اختارهم تربطه بهم "علاقة تناص"، إنهم الشعراء الذين تأثر بهم أو أثروا بشكل مباشر أو غير مباشر في تجربته الأدبية، وأسهموا في تشكيل أسلوبه الشعري، وهذا من النادر في الثقافة العربية، حيث يصعب أن يعترف الشاعر العربي بالأسماء التي أثرت في تجربته، خصوصاً إذا كانت هذه الأسماء من مجايليه، أو من الأجيال التي وصلت إلى أرض الشعر بعده، فبالأحرى أن يفرد لها كتاباً.

 ما يقدمه الوهراني في مؤلفه الجديد هو مزيج من البورتريهات لشعراء مغاربة مع إضاءات لتجاربهم الشعرية، فهو قبل أن يتحدث عن هيمنة المكان في قصيدة أحمد هاشم الريسوني، يفرد الجزء الأول من مقالته عن الريسوني البوهيمي الذي "كانت تأتي عليه أيام يعتزل فيها الجميع، يربط عصابة حمراء ويهيم في شاطئ مرتيل لا يكلم أحداً سوى البحر". وقبل أن يتحدث عن هيمنة الجانب الوجداني في قصائد وفاء العمراني، نجده يستحضر وقفتها في أول قراءة لها في مدينتها "القصر الكبير" شمال المغرب، وكيف استطاعت أن تجذب إليها الجمهور بتلك الكاريزما المعروفة عنها. يولي الوهراني أهمية كبيرة للصداقة الشعرية، صداقة الشاعر وصداقة نصوصه، معتبراً أن الكتابة ترجمة لحقيقة الكائن، رافضاً الفكرة البنيوية التي تلغي الكاتب وتسلط الضوء على نتاجه فحسب. فالشاعر لديه يجب أن يُقرأ نصاً وشخصاً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تنتمي الأسماء التي اختارها الوهراني إلى أجيال وتيارات مختلفة، وشمل الكتاب 29 شاعراً وشاعرة هم: محمد الخمار الكنوني، ومحسن أخريف، وأمل الأخضر، ومصطفى اجديعة، وصلاح بوسريف، ووداد بنموسى، وفاطمة الزهراء بنيس، وسامح درويش، وعبد الكريم الطبال، وعبد اللطيف الوراري، وسعيد كوبريت، وعبد الإله المويسي، وجمال الموساوي، ومحمد مرزاق، ومحمد السكتاوي، ووفاء العمراني، ومحمد عابد، وإدريس علوش، ومحمد أحمد عدة، وإكرام عبدي، وعبد الصبور عقيل، وعبد السلام الصروخ، وأحمد هاشم الريسوني، وخالد الريسوني، ومصطفى الشليح، وعبد الرحيم الخصار، وإيمان الخطابي.

إن الجواب عن السؤال الذي طرحناه في بداية المقال "ما الذي يحتاجه الشعر المغربي اليوم؟" قد أجاب عنه كتاب محمد بنقدور الوهراني على نحو بليغ. إنه يحتاج لأن يُقرأ ويُتداول ويحتفى به، وهو جدير بهذا الاحتفاء بسبب ما صار يعرفه من تحولات على المستوى التقني، مردها في الأساس إلى تملك شعراء الأجيال الجديدة للغتين أو ثلاث على الأقل، وبالتالي انفتاحهم على ثقافات العالم، التي تبدأ من المشرق العربي وتمتد إلى الأدب الفرنسي والإسباني والأميركي، وإلى ثقافات الشرق الأقصى.

المزيد من ثقافة