Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بابلو لارين يكشف عزلة الأميرة ديانا في مهرجان البندقية

في فيلم "سبنسر" تكسراللايدي دي صورتها النمطية الرائجة شعبياً وترسم هويتها بحرية

الممثلة كريستين ستيوارت في دور الاميرة ديانا في فيلم "سبنسر" (الخدمة الإعلامية للفيلم)

بعد نحو ربع قرن على وفاتها، لا تزال الأميرة ديانا التي عاشت "شمعة في مهب الريح"، موضوعاً غامضاً يثير الاهتمام والتساؤلات، لا في موتها فحسب ولكن في حياتها أيضاً التي لا تزال ينبوعاً ينهل منه الفن، من سينما وتلفزيون. هذا ما تؤكده مشاهدة "سبانسر"، جديد المخرج التشيلي بابلو لاراين الذي عُرض في مسابقة مهرجان البندقية السينمائي الـ78 (1-11 سبتمبر- أيلول). الفيلم واضح وصريح في مقاربته: حكاية على شكل "كان يا ما كان" في اطار مأسوي. هذا ليس اجتهاداً منا، بل يذكره الفيلم في مقدمته منعاً لأي التباس. مجدداً بعد "جاكي"، الذي صوّر معاناة جاكلين كينيدي بعد اغتيال زوجها الرئيس الأميركي السابق، يختار لاراين فصلاً صغيراً من حياة شخصية أيقونية لمعاينته. في حالة اللايدي دي، هذه اللحظة تتمثل في فترة الفتور التي شهدها الزواج الذي ربطها بالأمير تشارلز. السيناريو اختزالي جداً، لا يمتد على سنوات طويلة في محاولة لجمع أكبر كم من المعطيات، بل يختار زاوية معنية: وحدة الأميرة وعزلتها وكيفية تعاملها غير الاعتيادي مع تلك العزلة وتلك الوحدة.

الغرف الحميمية

هذا كله يبدأ عشية عيد الميلاد والأيام القليلة التي تليه. لثلاثة أيام، سنتعقب خطى الأميرة، ولن نتركها إلا عندما ستخرج من الكادر نهائياً. الكاميرا لصيقة بها وبنبضات قلبها، في محاولة لأنسنتها، بعيداً من الصورة المرسومة لها في المخيلة الجمعية. هنا، نكتشف امرأة بسيطة، تحب الحياة، ولكن يصعب عليها العيش. في سياق من الاستعدادات للعيد في قصر الملكة، يتخيل الفيلم فرضيات ونظريات انطلاقاً ممّا هو بات معلوماً عن تلك الفترة من حياة الأميرة وعلاقتها بزوحها التي لم تكن في أحسن حالاتها، بل تخللتها شائعات ونميمة. بهذا المعنى ليس "سبانسر" فيلم سيرة تقليدياً، بل هو يبحث عن الحقيقة داخل أضيق الأماكن، في حميمية الغرف وفي علاقة الأميرة الإشكالية بمحيطها والناس الذين من حولها. 

يقول المخرج بابلو لاراين شارحاً مقاربته ونياته السينمائية: "نشأنا جميعاً على فهم ماهية الحكاية الخيالية، لكن ديانا سبانسر نسفت النموذج والأيقونات التي خلقتها الثقافة الشعبية إلى الأبد. هذه قصة أميرة قررت ألا تصبح ملكة واختارت بناء هويتها بنفسها. إنها قصة خيالية (Fairy tale) بالمقلوب. لطالما فاجأني قرارها، وأعتقد أنه كان صعباً عليها. هذا هو جوهر الفيلم. وددتُ في استكشاف مبادرة ديانا هذه، إذ أنها تأرجحت بين الشك والإصرار، وأفضى بها إلى الحرية. كان قراراً من شأنه أن يحدد إرثها: قرار من الصدق والإنسانية لا مثيل له. كُتب الكثير عن ديانا. قصص لا تنتهي - بعضها يُمكن إثباته والبعض الآخر لا يمكن إثباته. أجرينا بحوثاً مكثفة عنها، أقدمنا على معاينة تقاليد عيد الميلاد الملكي، وحكايات الأشباح في قصر ساندرينغهام. كانت العائلة المالكة شديدة التكتم. قد تخرج إلى العلن في بعض المناسبات، ولكن في وقت من الأوقات تغلق على نفسها، وبمجرد ان تصبح خلف الأبواب، لا تعرف ماذا يحدث خلفها. هذا ما فتح المجال للكثير من الخيال. كان هذا عملنا. لم نهدف إلى صنع دوكودراما، بل وددنا أخذ عناصر من الواقع، ثم استخدام الخيال، لسرد سيرة أميرة بأدوات السينما. هنا تكمن روعة الشاشة: في قدرتها ان تكون مساحة للخيال. أما لبناء شخصية ديانا، فلم نرغب في صناعة صورة مكررة لها، ولكن استخدمنا السينما وأدواتها لخلق عالم داخلي يحقق التوازن الصحيح بين الغموض وهشاشة شخصيتها. كل ما تراه ديانا يعكس ذكرياتها ومخاوفها ورغباتها وربما حتى أوهامها. تلتقط هذه العناصر شيئاً يحدث في داخلها وتظهر نقطة ضعف جميلة جداً". 

النبذ والمطاردة

مع "سبانسر"، قدّم لاراين فيلماً من نوع الـ”ثريللر” النفسي العالي التوتر وبايقاع مشدود رغم هدوئه الظاهري. فلا مقدّمات عن الأميرة، فلاراين يعتبر أنه يتوجه إلى جمهور يعرف كلّ شيء عنها، بل يعلم الشاردة والواردة عن حياتها في تلك الفترة من مطلع التسعينيات، كمسألة نبذ زوجها لها ومطاردة الباباراتزي لأصغر تفاصيل حياتها، وصولاً إلى الضغط النفسي الذي مارسته عليها العائلة المالكة. ولكوننا نعرف هذا كله وقرأنا عنه سواء في الصحافة أو شاهدناه في التلفزيون والسينما، فهذا حرر المخرج من عبء بناء الشخصية من الصفر. الشخصية هنا جاهزة ليس أمامها سوى أن تتطور في الاتجاه الذي يرغبه المخرج. وفي هذا المجال، قامت الممثّلة كريستين ستيورات بعمل هائل، وقد تستحق عنه جائزة التمثيل حتى الآن.

استطاعت تقديم صورة موازية للأميرة، مستوحاة منها، لا صورة طبق الأصل عنها. حبذا لو يتفهم المنتقدون لها ولأدائها هذا الأمر ولا يتحاملون عليها أو يعيبون على لاراين اختيار ممثّلته البارعة. أغلب الظن أن هذا أهم دور لعبته في حياتها، وهي تسلّحت بكل الامكانات التي أتاحت لها الغوص في أعماق الشخصية المعذبة، لترينا تمزقاتها الداخلية والاشباح التي تحاصرها من كل حدب وصوب وتمنع عنها حياة سوية. يبقى الأمل البسيط الذي يجعلها صامدة؛ ذلك الأمل الذي يشع من عيون ابنيها، وليام وهاري. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لايدي دي بمثابة أيقونة في تمردها على السلطة ونمط العيش الذي اختارته في كنف مؤسسة ملكية صارمة لا تقبل المزاح، وقد دفعت ثمن خياراتها باهظاً. لاراين يصوّرها داخل هذا السجن الذهبي الذي وجدت نفسها فيه بعد اقترانها من الأمير تشارلز، ساعياً لرد الاعتبار إلى هذه الشخصية التي كانت تتوق لفسحة حرية داخل منظومة محسوبة بالميليمترات وشديدة التعلق بالتقاليد. ومثلما كسرت ديانا هذه الأعراف، فلم يتوان لاراين من تخصيص فيلم لها لا يقل تمرداً على سينما السيرة التي تحاول شرح كل شيء وتبريره، في محاولة للإستقصاء والفهم. في "سبانسر"، خلافاً لهذا النوع من السينما، مساحة كبيرة معطاة للغموض، خصوصاً أن لاراين يركز على دور المكان (القصر) وسلطته الجغرافية على الصحة النفسية للأميرة التي ستزداد تدهوراً. أخيراً وليس آخراً، يجدر التنويه إلى العمل الجمالي الممتاز الذي قامت به المصورة كلير ماتون في نقل عقد التسعينيات بالشكل الذي كان ينقله التلفزيون والسينما في ذلك الوقت، في محاولة لزجّنا في الماضي وخلق حنين تجاهه. لا يمكن تخيل "سبانسر" من دون هذه الألوان الباهتة التي تعبّر جيداً عن نمط الحياة المفروض على الأميرة في سجنها الذهبي. 

المزيد من سينما