Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

علي منصور يقع في حب متوهم لا يلغي بؤس العالم

عودة إلى الرومانطيقية الطبيعية في ديوان "وحده القمر يفكر بنا"

لوحة للرسام زياد غازي (صفحة الرسام على فيسبوك)

أستطيع القول إن الشاعر المصرى علي منصور يمثل حالاً مميزة في الشعرية المصرية، فهو من ناحية أقرب عمراً من جيل السبعينيات لكنه أقرب من الزاوية الإبداعية إلى جيل الثمانينيات. ومن ناحية أخرى زاوج شأن أغلب شعراء هذا الجيل بين قصيدة التفعيلة في دواوينه الثلاثة الأولى، "إرهاصات العشق الفقير" و"الفقراء ينهزمون في تجربة العشق" و"وردة الكيمياء الجميلة" وقصيدة النثر التي أخلص لها منذ الديوان الرابع "على بُعد خطوة" حتى ديوانه الـ 12 "وحده القمر يفكر بنا".

ومجرد تأمل عناوين الدواوين التفعيلية يحيلنا إلى اهتمام الشاعر بالقضايا العامة، مثل قضية الفقر والفقراء، ولا شك أن ذلك كان من تأثير الفكر "اليساري" الذي اعتنقه في هذه المرحلة، غير أن اللافت هو استمرار هذا الاهتمام في دواوينه النثرية على الرغم من تغير قناعاته الفكرية والتأكيد على هويته الدينية، وهو ما يدل على تخلص الشاعر من "الوصفة" الفنية الجاهزة التي حاول كثير من الشعراء الترويج لها وإلصاقها بقصيدة النثر، مثل الاهتمام بالتفاصيل وجعلها هدفاً في حد ذاتها.

والحقيقة أن علي منصور لم يتخلص تماماً من هذه التفاصيل، لكنه وظفها في خدمة القضايا العامة من قبيل العدل والحرية، والأمر الثالث الذي يختلف فيه شاعرنا عن أقرانه هو عدم استسلامه لمقولة الأصمعي الشهيرة "الشعر نكد بابه الشر، فإذا دخله الشر لان" أي ضعف، بل إنه بمرجعيته الدينية التي تكاد تمثل رافده الأساسي لا يميل إلى الخروج على المستقر بغرض الإدهاش المجاني سواء على مستوى التيمات الموضوعية التي يجمع فيها بين العام والخاص، أو التراكيب الشعرية القائمة على البساطة والوضوح من دون أن يفقد ذلك قصيدته جمالياتها المميزة التي اختطت لنفسها طريقاً فريداً لا يتقاطع مع غيرها.

قضية الحرية

ويلفتنا ديوانه الأخير "وحده القمر يفكر بنا" (دار النسيم) إلى محورية قضية الحرية عنده إلى الدرجة التي يجعلها مرادفة للحياة حين يقول في الإهداء، " إلى الحرية... إلى الحياة". الملاحظة الثانية أن بعض القصائد بلغ 20 صفحة مقسمة إلى مقاطع مثل قصيدة "أحلام يقظة ملونة"، وبقية القصائد لا تتجاوز الصفحة الواحدة، وهو ما يدل على أن القصيدة عنده تكتب نفسها إن صح هذا التعبير، ولا يفرض عليها الشاعر أبنية ثابتة أو متقاربة، وما أشرنا إليه من الجمع بين العام والخاص نراه بوضوح في قوله، "أحب النبع/ الضفتين والحشائش/ اللون والطعم والرائحة/ في شعابهن أغدو وأروح أغدو وأروح/ ومعي "أنا أحبك. أنا أحبك"/ أنصتى جيداً/ في الخارج يهدر صوت الثورة "يسقط يسقط حكم العسكر" وفي دمى تهدر "أنا أحبك... أنا أحبك".

لقد تحولت "أنا أحبك" إلى ما يشبه "التميمة" التي يلوذ بها الشاعر في وجه مظاهر القبح، لهذا لم يكن غريباً أن يفتتح بها كل مقاطع القصيدة. وفي قصيدة "الحرية... الحرية" نكتشف أن هذا الحب ينصرف أيضاً إلى تلك القيمة المفتقدة. يقول، "أنا أحبك أيتها الحرية/ لكنني خائف من اللص الذي سرقك مني/ سرقك تحت تهديد السلاح وظن أنني لستُ في حاجة إليك". وسرقة "الحرية" تتبعه بالضرورة سرقة "رغيف الخبز" و"الصوت" و"المستقبل" على اعتبار أن هذا المواطن البائس ليس في حاجة إليها، لكنه في الحقيقة يتوق لدفع رأسه ثمناً لتلك الحرية.

يقين يتجدد

هذا الشعر الذي يفضح ظواهر القمع والفقر هو ما يؤمن به الشاعر رافضاً ما يسميه بالقصيدة الجبانة أو الحقيرة التي ترى "الرويبضة" في كل مكان من دون أن تنبس ببنت شفة على عكس القصيدة الخالدة "بنت الطين / أخت الهواء وصديقة الشجر" التي يصفها في موضع آخر بأنها تشهد شروق الشمس والغروب وتعرف أسماء أطفال الشوارع الحقيقية "التي لم يعد يناديهم بها أحد".

ولعلنا لاحظنا في الشواهد السابقة ذلك الحضور الواضح للطبيعة واستحضار عناصرها كأنها ملاذ الشاعر الأخير، فهي التى تعرف الحب وتباركه كما يبدو من قوله، "هل تعرفين أنني أحبك؟ / كل الأشياء تعرف/ الماء والهواء والشمس والقمر/ الليل والنهار/ القطة والعصافير ونبتة الصبار في الشرفة". وعلى الرغم من شكوك الشاعر في كل شيء، يظل الحب يقينه الذي يتجدد مع كل شروق للشمس. يقول، "غداً إن كان ثمة من غد / ستشرق الشمس / بينما أقول: أنا أحبك". وكما يقترن الحب بشروق الشمس يقترن كذلك ببزوغ القمر الذي بدا في عنوان الديوان. ويقول، "وحده القمر يفكر بنا / وحده يزداد ألقاً وبهاء وعذوبة / كلما قلت لك: أنا أحبك". ولا يرتبط الحب بالقلب والعين وحسب، بل قد تكون الأذن نفسها "متيمة" حين يقول: "أذني متيمة / تماماً / مثل قلبي / يا لصوتك الذي يحلق بي في المجرات البعيدة".

تحولات الطبيعة

إن السطر الأخير دال على تحولات الطبيعة بما في ذلك الإنسان باعتباره جزءاً منها، وهي في الحقيقة رؤية شعرية أكثر من كونها رؤية صوفية تقوم على تشخيص كل شىء معتمدة على الخيال الذى هو خاصية الشعر الأولى. يقول على لسان "القصيدة الخالدة": "لا شأن لي بكم / بالحب والحرب والألم والسؤال / شأني الخيال"، بل إن حبيبته التي ظل يبثها لواعج قلبه نكتشف في النهاية أنها "فتاة خيالية" لا تستطيع أن تلغي بؤس العالم ولا يستطيع الحب تبديله. إن أقصى ما يستطيعه الحب أن يمنح الشاعر القدرة على السير داخل هذا العالم البائس. يقول، "كل الطرق في بلادي وعرة ومظلمة يا فتاتي الخيالية / ولولاك ما خطوت فيها خطوة واحدة / قطاع الطرق هنا كثيرون / أكثر مما تتخيلين".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولا يصل الحب أقصاه إلا عندما يسدد طعنته النجلاء إلى من يحب... "أعرف أن الحب هو الخطر المحدق / سوف يذلني الذل المميت ". وتدخل وسائل التواصل الحديثة في تأكيد هذا الحب حين تنقر أنامل الشاعر على "الكيبورد" و"غوغل وياهو وواتساب" لتستدعي الحبيب وتقاوم غيابه... "حبيبتي التي فاجأتني / بينما أكتب عنها قصيدة جديدة / بأن هلت علي عبر واتس آب وسألتني: كيف حالك؟". وهكذا يصبح طيف الحبيب أكثر حضوراً من وجوده الحقيقي كأننا أمام عودة للقديم بتجليات حديثة... "أنا أحبك حيث أنت طيف / وأنا أبكي". هذا الغياب، غياب الحبيبة، الذي تتم مقاومته بالخيال أو بوسائل التواصل الحديثة يتوازى مع غياب الطفولة الذي يقاومه الشاعر عن طريق الذاكرة.

هجرة النصوص

يحوي الديوان ما يسمى بهجرة النصوص سواء أكانت للشاعر أم لغيره حين يذكر ديوانيه "ثمة موسيقى تنزل السلالم" و"على بُعد خطوة" أو حين يذكر ديوان صلاح عبدالصبور "الناس في بلادي" ويصفهم كما وصفهم عبد الصبور بأنهم "جارحون كالصقور/ وطيبون". أو حين يتلاعب بعنوان قصة بهاء طاهر "بالأمس حلمت بِك" فيقول، "صباح اليوم قالت: حلمتُ بك بالأمس... وضحكت". كما نجد استدعاء لـ "ماعت" إلهة العدل عند المصريين القدماء فيقول: "حزين هو القلب يا ماعِت / وحزينة روحي / مع من أستطيع التحدث اليوم وما عاد أحد يذكرك". يوظف الشاعر أيضاً ظاهرة التكرار مثل تكرار عبارة "كانوا يغنون عند أطراف المدينة" في نهاية كل مقطع من إحدى القصائد كأنها لحن الختام أو "القرار" الذي تتوقف عنده الموجة الشعرية.

ويلعب وصف المكان دوره في تأكيد المعنى خاصة إذا كان تعبيرياً يعكس مشاعر الذات إزاء المكان... "كل صباح أقبل يد القدر / مر الليل ولم تهتز القشرة الأرضية تحت بيوتنا". وتقوم المفارقة بين هذه الصورة المنفرة وعالم النباتات التي "لا تعرف غلظة القلب"، ولهذا فإن الشاعر يعلن حبه للطبيعة في أكثر من موضع خاصة الشجرة التي تأخذ بعداً رمزياً... "أحب أن أناديك: يا أختي الشجرة فأنا أغرسك وأسقيك / أنعس في ظلك وأصعدك".

المزيد من ثقافة