Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الاشتباك على رفع الدعم في لبنان يعرقل الحكومة أم يسرعها؟

ماكرون أبلغ عون أنه لن يمون على فرض عقوبات ودول الخليج ستدقق بالأسماء والحقائب

لا حدود للفوضى السياسية والاجتماعية والأمنية في لبنان، مع تناسل الأزمات على الأصعدة كافة، لا سيما بعد أن واجهت الطبقة السياسية المتخبطة بالفراغ الحكومي منذ أكثر من سنة استحقاق رفع الدعم من قبل مصرف لبنان المركزي عن استيراد المحروقات، الذي كلفه مع دعم المواد الغذائية والطحين والأدوية والمستلزمات الطبية ما يتراوح بين 9 و12 مليار دولار من احتياطيه المتبقي بعد تبخر 85 في المئة من ودائع المودعين اللبنانيين والمقيمين في المصارف، نتيجة الاستدانة غير المحدودة من قبل الدولة اللبنانية من القطاع المصرفي، لتمويل أنشطة ومشاريع أُهدرت مبالغها على مر السنوات، بالسرقة والفساد والمحسوبيات وسوء الإدارة والمحاصصة.

فقرار رفع الدعم الأربعاء 11 أغسطس (آب)، تسبب بتظاهرات في الشارع وقطع طرقات، فضلاً عن أنه عمق أزمة البنزين والمازوت، وفقدان الدواء، وهدد بالعتمة الشاملة جراء انقطاع الكهرباء، وعدم تزويد المولدات الخاصة التي شكّلت بديلاً لتأمين الطاقة من قبل الشبكة الرسمية، وهو أمر انعكس على مستشفيات ومطاحن القمح وكثير من أوجه المواد الضرورية للعيش، وضاعف من طوابير الذل أمام محطات تعبئة وقود السيارات.

كل القضايا الحيوية والحياتية خاضعة للتجاذب السياسي

وسط التوقعات القاتمة إلى حد كبير بالنسبة إلى لبنان، حسب محطة "سي أن أن"، حتى الدعم خلال السنة ونصف السنة المنصرمة تعرض للهدر نتيجة الحماية السياسية لتهريب جزء كبير من المواد المدعومة كلها إلى سوريا، التي تعاني أزمة اقتصادية خانقة وشحاً بالعملة الأجنبية، ما يفاقم حالة الاعتراض على نظام بشار الأسد، وهو أمر متهم به "حزب الله".

ليس هناك من عنوان أو موضوع حيوي في البلد الصغير المأزوم إلا ويخضع للتجاذب السياسي، فيما المجتمع الدولي ينتظر تشكيل الحكومة الجديدة، ويقدم إغراءات بأنه إذا وُجد شريك لبناني حكومي يمكن الركون إليه، مؤلَّف من وزراء لا يأتمرون بالزعامات السياسية، سيقدم مساعدات لانتشال اللبنانيين من الحفرة التي وقعوا فيها منذ صيف عام 2019. فبعد أن ظهر هذا الانقسام في تأليف الحكومة، واستهلك رئيسين كلِّفا بالمهمة هما السفير مصطفى أديب وزعيم تيار "المستقبل" سعد الحريري، برز في التعامل مع رفع الحصانات عن نواب ووزراء سابقين، لاستكمال التحقيق العدلي حول انفجار مرفأ بيروت الزلزالي في 4 أغسطس 2020. فهؤلاء متهمون مع قادة أمنيين وموظفين كبار بأنهم علموا بوجود المواد المتفجرة (نيترات الأمونيوم) في المرفأ منذ عام 2014 من دون أن يأخذوا قراراً بإزالتها.

سلامة: هناك من يريد رأسي

خضع رفع الحصانات للانقسام المتمادي، خصوصاً مع اتهامات سياسية وإعلامية لـ"حزب الله" بأنه أمَّن الحماية لنقل كميات من نيترات الأمونيوم إلى سوريا، لاستخدامها في حرب النظام ضد المعارضة، ما أغضب أمينه العام حسن نصر الله، فطالب بتغيير المحقق العدلي القاضي طارق بيطار.

وتجلى الانقسام في رفض رئيس الجمهورية العماد ميشال عون قرار المجلس المركزي في المصرف المركزي وحاكمه، رفع الدعم، بحجة عدم قانونية استخدام الاحتياطي الإلزامي المتبقي لديه، والبالغ نحو 14 مليار دولار، والعائد لودائع الناس في المصارف، مطالباً بصدور قانون عن البرلمان يجيز له إقراض الدولة من هذا الاحتياطي كشرط للتراجع عن قراره. فعون أعلن في 12 أغسطس رفضه القرار بحجة تسببه بأزمة محروقات، فيما اعتبر صهره رئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل أنه "قرار مشبوه"، ودافع سلامة عن خطوته مؤكداً أن الجميع مطلع عليها، بمن فيهم عون، وقالت كتلة "المستقبل" النيابية إن الأخير تراجع عن موافقته بعد بيان لباسيل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتعتبر أوساط الرئاسة اللبنانية رفع الدعم انقلاباً يستهدفها، نظراً إلى تداعياته الحياتية، فيما يراه معارضو الرئاسة نتيجة طبيعية لعرقلة الفريق الحاكم تشكيل الحكومة الجديدة كي تبدأ مسار التصحيح المالي والاقتصادي مع صندوق النقد الدولي، الذي يؤمن البديل بتمويل البطاقة التمويلية لتعويض المواطن قفز الأسعار الجنوني الذي سينجم عنه. وقال سلامة الذي يشترط عون على رئيس الحكومة المكلف إقالته "هناك من يريد رأسي، وضميري مرتاح، وأعلم أنني لم أرتكب أي خطأ".

لكن دعوة عون مجلس الوزراء إلى الاجتماع على الرغم من معارضة رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب، نظراً إلى أن عملها يبقى في أضيق نطاق وفق الدستور، خلقت سجالاً جدياً فحذر تيار "المستقبل" رئيس الجمهورية وفريقه السياسي "من التمادي في خرق الدستور والتعدي عليه"، معتبراً أن حق عون بالدعوة إلى اجتماع دستورياً ينطبق على حكومة غير مستقيلة.

تقدم في تأليف الحكومة وتريث في التفاؤل

وسط هذه الأجواء السوداوية يقر الجميع بأولوية تأليف الحكومة في شكل يدعو إلى التساؤل عمن هي الجهة التي تعطلها. لكن أوساط الرئاسة وميقاتي أشاعا أجواء عن تقدم حصل بينهما في توزيع الحقائب على الطوائف. فهل يشكل وصول الأزمة المعيشية إلى ذروة قاتلة عاملاً ضاغطاً من أجل تسريع إنجازها؟ أم أن الخشية من عقوبات أوروبية وأميركية على من يعرقلون الحكومة ستغير من مواقف بعض الفرقاء؟

وفي انتظار اتضاح نتائج اللقاءات المقبلة لعون وميقاتي ترى أوساط متعددة أن رفع الدعم عن المحروقات الذي كلف مصرف لبنان خلال يوليو (تموز) وحده 820 مليون دولار، إضافة إلى دعم الأدوية والمستلزمات الطبية والطحين، (وهو ما دفع سلامة إلى وقف الدعم)، وفر على الحكومة المقبلة اتخاذ هذا القرار الصعب، وهو أمر قد يسهل أيضاً تأليفها.

وما أشيع عن تقدم يعود حسب مصادر عون وميقاتي إلى اتفاقهما على مرحلة أولى هي توزيع الحقائب على الطوائف، لكن هذا يحتاج إلى تثبيته في اجتماع بينهما مطلع الأسبوع. لكن التأكد من حصول تقدم ينتظر إزالة عقبة إمكان عودة عون إلى المطالبة بالثلث المعطل، للتحكم بقرارات الحكومة، كما فعل مع الحريري، لأنه قد يلجأ إلى ذلك عند البحث بإسقاط الأسماء على الحقائب، الذي يفترض الانتقال إليه الأسبوع المقبل.

وطمأن عون السبت 14 أغسطس أن مسار تشكيل الحكومة سالك، آملاً أن يخرج الدخان الأبيض قريباً فتتشكّل حكومة تتمكن من تحمل الأعباء الواجبة، لمواجهة تراكم الأزمات. إلا أن خصومه اعتبروا أنها ليست المرة الأولى التي يصدر عنه أجواء كهذه، ليعود بعدها فيطرح شروطاً تكبل الرئيس المكلف.

وأوضح مصدر مقرب من عون لـ"اندبندنت عربية" أن التقدم الحاصل يستكمله ميقاتي في اتصالات مع الفرقاء الآخرين، وأن المطلوب أجوبة منهم، وليس من رئيس الجمهورية.

اتصال ماكرون: ضغط وتلويح بالعقوبات

وتعتقد مصادر قريبة من الدوائر الفرنسية أن الضغط الفرنسي لتسريع التأليف قد يلعب دوره في التسهيل، إذ إن باريس، فضلاً عن تشجيعها ميقاتي في شكل شبه يومي على الصبر ومواصلة المحاولة للتوصل إلى تسوية مع عون، تستند هذه المرة إلى الدعم الأميركي الكامل، وإلى القرار الأوروبي بالاتفاق على إطار قانوني لفرض العقوبات.

وفي معلومات هذه المصادر أن اتصال الرئيس إيمانويل ماكرون بالرئيس عون مساء الخميس 12 أغسطس جاء في إطار رفد سعي ميقاتي إلى تدوير الزوايا. وتشير هذه المصادر إلى ممارسة الرئيس الفرنسي ضغطاً على نظيره اللبناني من أجل التجاوب مع اقتراحات الرئيس المكلف. وأوضحت أن ماكرون أبلغ عون أنه إذا لم تتشكل الحكومة فإن باريس لن تتمكن بعد الآن من المونة على الدول التي ستفرض عقوبات على من يعرقلها. إلا أن هذه المصادر متشائمة بإمكان تجاوب الفريق الرئاسي على الرغم من إشاعة الأجواء الإيجابية حول لقاءات عون مع ميقاتي.

وتعتبر هذه المصادر أن الاحتقان السياسي في البلد يشير إلى كباش سياسي متمادٍ لا يوحي بقرب ولادة الحكومة، لأنه إذا كان الأمر كذلك لماذا يفتعل عون اشتباكاً سياسياً مع القيادات السنية حول دعوة الحكومة المستقيلة إلى الاجتماع إذا كانت الحكومة الجديدة سترى النور في قابل الأيام؟

وفي المقابل هناك من يأمل التجاوب مع تحذيرات الرئيس الفرنسي الذي لم يعد هناك غيره في الخارج يتحدث مع السلطة الحاكمة، والذي تبقى دبلوماسيته على صلة بـ"حزب الله" الذي يفترض أن يدفع حليفه عون إلى تسهيل التأليف.

وذهب بعض التكهنات إلى أن تسلم الرئيس الإيراني الجديد إبراهيم رئيسي مهماته ربما يقترن مع إبداء حسن النية تجاه بعض الدول الأوروبية، لا سيما أن ماكرون كان الرئيس الأوروبي الوحيد الذي اتصل به.

الموقف الخليجي: نراقب وسندقق

وبموازاة الموقف الفرنسي تشير مصادر مواكبة لتحرك ميقاتي إلى أنه أجرى سلسلة اتصالات مع عدد من الدول الخليجية لجس نبضها في الموقف من الحكومة بعد ما صدر عن وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان آل سعود في كلمته في مؤتمر 4 أغسطس لدعم لبنان واشتراطه الإصلاحات وإدانته "هيمنة حزب الله" على السلطة. واشتراط الإصلاحات وعدم تسليم مقاليد الأمور إلى الفاسدين عاد وكرره مجلس الوزراء في 10 أغسطس.

وعلمت "اندبندنت عربية" أن ميقاتي أجرى سلسلة اتصالات مع عدد من السفراء الخليجيين في بيروت، لجس نبضهم في شأن تأليف الحكومة، خصوصاً أنه ينوي الاعتماد على الصناديق العربية في تمويل مشروع تأهيل الكهرباء في حال تشكلت الحكومة، فجاءه الجواب كالآتي:

- أن الموقف السعودي هو الموقف الخليجي عموماً حتى لا يراهن أحد على أن يكون مختلفاً، وإن عبرت كل من دول الخليج عنه على طريقتها.

- أن الدول الخليجية أكدت أنها تراقب ما يجري في شأن الحكومة، وتتمنى أن تتشكل، لكنها ستدقق في كل اسم من أسماء الوزراء، وفي كل حقيبة وزارية ومن سيتسلمها وبناء على تقييمها ستقرر موقفها.

- أن بعضهم حرص على إبداء ملاحظة على خلفية جهود بذلها ميقاتي مع ملك الأردن في شأن إمكان استجرار النفط والغاز من مصر عبر الأردن وسوريا إلى لبنان لتسهيل هذه العملية مع الجانب الأميركي، لإعفاء لبنان من العقوبات المفروضة على النظام، وكذلك لاستجرار الكهرباء من الأردن. وتبلغ ميقاتي بأن أي خطوة يمكن أن تقدم عليها عمّان ستكون بالتنسيق مع دول الخليج حكماً. وهذا ينسحب على الموقف حيال نوعية الحكومة التي ستتشكّل.

المزيد من تحلیل