Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يؤدي الحكم الإقليمي إلى استقرار دارفور؟

عهد جديد يبدأ مع تنصيب أول حاكم منذ 30 عاماً

احتفال تنصيب حاكم دارفور الجديد مني مناوي (مجلس السيادة السوداني)

شهدت مدينة الفاشر عاصمة إقليم دارفور، الثلاثاء 10 أغسطس (آب) الحالي، للمرة الأولى منذ 30 عاماً تنصيب أحد قادة الحركات المسلحة، رئيس حركة تحرير السودان مني أركو مناوي حاكماً لإقليم دارفور، المكون حالياً من خمس ولايات، وذلك تنفيذاً لمتطلبات اتفاقية السلام التي وقعت في عاصمة جنوب السودان (جوبا) مطلع أكتوبر (تشرين الأول) 2020، بين الحكومة السودانية والحركات المسلحة، التي أقرت نظام حكم فيدرالي للبلاد، يتكون من ثمانية أقاليم بدلاً عن النظام الحالي القائم على 18 ولاية.  

لكن السؤال الذي يطرح نفسه، هل ستؤدي عودة نظام الحكم الإقليمي لدارفور، إلى استقرار الإقليم الذي عانى من ويلات حروب منذ 2003 أدت إلى مقتل أكثر من 300 ألف شخص، ونزوح وتشريد قرابة ثلاثة ملايين فرد؟ 

بادرة طيبة 

يقول المحلل السياسي عبد الله آدم خاطر، إن "الحكم الإقليمي الذي بدأ تطبيقه في دارفور ليس تجربة جديدة، فبعد اتفاقية أديس أبابا التي وقعت بين حكومة الرئيس السوداني السابق جعفر نميري، ومتمردي جنوب السودان (حركة الأنانيا) عام 1972 لإنهاء الحرب الأهلية الأولى في جنوب البلاد، كان دارفور أول الأقاليم التي بادرت بالحكم الإقليمي، وكان نموذجاً في تجربة هذا النوع من الحكم الذي فشل بعد ذلك لعوامل أمنية وسياسية واقتصادية".  

وتابع "في نظري أن إعلان الحكم الإقليمي من جديد، يمثل بادرة طيبة ونهجاً مستقيماً للحكم السوداني، وأنه ليس مستغرباً نجاحه بالنظر للتقاليد المحلية المساندة لهذا الحكم، بخاصة من ناحية الإدارة الأهلية التي تلعب دوراً متميزاً في معالجة وحل كثير من المشكلات في دارفور، فما حدث الآن هو عودة محمودة للتقاليد الموروثة وبقدر أعلى لدعم الحكومة المركزية". 

وأشار إلى أن التجارب السابقة للحكم الإقليمي مرت بصعوبات وتجاذبات، خلافاً للتجربة الحالية التي تجد مباركة وتشجيعاً وتأييداً من الحكومة الانتقالية بشقيها السيادي والتنفيذي. 

مصالحات وتنمية 

وبين خاطر أن القضايا الملحة في دارفور التي يجب أن يركز عليها الحاكم الجديد، ماثلة وواضحة وأهمها تأكيد سلطة الأمن في الإقليم والعمل على إيجاد مصالحات محلية وبينية بين القبائل بسبب النزاع الطويل الذي شهده دارفور، وتشجيع المواطنين على إعادة نمط التنمية القائمة على الثقافة الموروثة حتى ينهض الإقليم من جديد بمساعدة الحكومة ومن خلفها المجتمع الدولي. 

وتوقع أن يحدث الحكم الإقليمي نقلة نوعية لدارفور في المستقبل، وأن يؤطر لمصالحات وتحالفات مع الأقاليم المختلفة، ومشاركة أكثر فاعلية لأبناء دارفور في بناء السودان، بالنظر لما يمتلكه هذا الإقليم من موارد وإمكانات هائلة، فضلاً عن القدرات القيادية لأبنائه. 

تنازع اختصاصات 

فيما اعتبر مدير معهد السودان للديمقراطية الصادق علي حسن، قانون الحكم الإقليمي لدارفور بأنه قانون عادي لا يتمتع بالسمو على قانون الولايات، بل هما في مستوى واحد، ما قد يسبب تنازعاً في الاختصاصات عند مباشرة السلطة، فضلاً عن العيوب الإجرائية الجوهرية والموضوعية للوثيقة الدستورية واتفاقية السلام اللتين بموجبهما تأسس هذا القانون. 

ولفت إلى أن القانون الجديد لم يحدد موارد الإقليم، فهل هي موارد الولايات ذاتها، أم مستقلة، وما يتبع ذلك من ضرائب ورسوم إقليمية وولائية وسلطات الأمن التي يرأسها الحاكم وعلاقتها بولاة الولايات، وحصر التشريع في حكومة الإقليم في ظل غياب المجلس التشريعي الإقليمي وعلاقة التشريع الإقليمي بمجالس الولايات، حيث لا يوجد نص يحدد مهام واختصاصات كل ذلك، منوهاً إلى أن المعطيات تشير إلى أن دارفور ستشهد تنازعات وتجاذبات بين الحركات نفسها وبين التنظيمات الأخرى في الإقليم والولايات، إضافة إلى صراعات بين الطامحين على السلطة بمدخل رمزية القبيلة. 

وأشار حسن إلى أنه كان من الأفضل لحاكم الإقليم الجديد الشروع في مخاطبة الاحتياجات الملحة، وعلى رأسها قضايا النازحين والمتأثرين بالمنازعات المسلحة والخدمات، بخاصة المرتبطة بالخدمات الصحية والعلاجية والكهرباء والخدمات، بدلاً من صرف ملايين الجنيهات في حفل التنصيب الذي لا معنى له. 

مشكلات موروثة 

وحول رؤيته لمعالجة النزاعات التي تتجدد من وقت لآخر في الإقليم، أجاب مدير معهد السودان للديمقراطية، "المشكلات في هذا الإقليم موروثة من النظام السابق وتعمقت الآن أكثر، فالحكومة الانتقالية الحالية لم تتمكن حتى اللحظة من مخاطبة القضايا والمشكلات بصورة مدركة للأمور بل تتعامل برزق اليوم، حيث لا توجد خطط استراتيجية، بل استمرت في ذات المنهجية الموروثة من نظام عمر البشير باستدعاء رمزية القبيلة والركون إليها، إلى جانب تقنين التنافس على المناصب العامة على أساس قبلي، ما عمق النزاع القبلي وأضعف الدولة المدنية". 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي سؤال عن اعتبار التوصل إلى اتفاق سلام مع الحركات المسلحة مكسباً في صالح استقرار وأمن دارفور، يوضح أن "أي اتفاق يأتي بحملة سلاح، هو بلا شك في صالح المجتمع والإقليم والدولة مهما كان مضمونه وأحكامه، لأن حياة الإنسان أولوية على ما سواه، لكن اتفاق السلام الذي وقع في جوبا فيه قصور وعيوب واضحة، فالنسب المنصوص عليها كمحاصصة لأبناء دارفور في المناصب والوظائف تصطدم بصعوبات عديدة لتطبيقها من ناحية عملية، وحتى إذا طبقت فهذا يضعف أبناء دارفور، فهم ليسوا في حاجة للمحاصصات الوظيفية بقدر حاجتهم إلى إقرار الأسس العادلة في التنافس، وكذلك إرساء مبادئ الدولة المدنية السليمة التي تعتمد معايير التنافس العادل والشريف".

إنصاف النازحين 

من جانبه، أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح برهان، لدى مخاطبته احتفال تنصيب حاكم دارفور الجديد، أن هذا التنصيب يعد خطوة جوهرية في تنفيذ مسار السلام في دارفور، متعهداً العمل مع الشركاء المحليين والدوليين لحماية السلام والمحافظة عليه، من أجل تأسيس دولة المواطنة والمساواة والحرية. 

وأشار إلى أن بناء السلام وصيانته مسؤولية مشتركة بين أطراف السلام والشعب السوداني، مشدداً على أن أطراف السلام ستشرع فوراً في تنفيذ بند الترتيبات الأمنية، وتكوين القوات المشتركة لإقرار السلام في ربوع دارفور. ودعا إلى ضرورة إنصاف النازحين واللاجئين وتعويضهم عن بعض ما فقدوه واستعادة كرامتهم لأنهم يستحقون ذلك. 

وحث برهان كل من رئيس حركة تحرير السودان عبد الواحد محمد نور، ورئيس الحركة الشعبية شمال عبد العزيز الحلو، استشعار معاناة أهلهم من النازحين واللاجئين، والإسراع للانضمام إلى ركب السلام. 

الترتيبات الأمنية 

  حدد مني مناوي، في حفل تنصيبه حاكماً لدارفور، أولويات فترة حكمه للإقليم، في العمل مع الجميع لتحسين الأوضاع في دارفور، وتنفيذ بند الترتيبات الأمنية، والعمل على استتباب الأمن، والشروع الفوري في المصالحات بين المكونات الاجتماعية، فضلاً عن القيام بخلق أرضية صلبة تستوعب المشاريع التنموية والخدمية التي تجذب النازحين واللاجئين والمستثمرين، والتواصل مع المجتمع الدولي. 

وأشار إلى أن فريق عمله المتخصص وضع خطة استراتيجية لـ 100 يوم تركز على عودة النازحين واللاجئين إلى مناطقهم، وتهيئة البيئة الاستثمارية لاستقطاب الشركات الأجنبية من أجل ديمومة التنمية، بخاصة في مجالات البنى التحتية والطاقة والمياه، وتدشين عديد من المشاريع التنموية في المجالات المختلفة. 

وأعرب عن أسفه لتجدد القتال خلال اليومين الماضيين في منطقة كوقلي بولاية شمال دارفور، الذي راح ضحيته مئات من القتلى والجرحى، قائلاً "يجب أن تكون نفوسنا أكبر من الأحداث الأخيرة التي اندلعت في كوقلي، وأنه إذا صغرت بعض نفوس القيادات، إلا أن الشعب يصنع المستحيل"، مؤكداً أنه سيسعى جاهداً لإيقاف نزيف الدم في الإقليم بالتعاون مع الحكومة الفيدرالية والإدارات الأهلية وولاة الولايات وأعيان دارفور جميعاً، إلى جانب العمل على رتق النسيج الاجتماعي، وإطلاق المصالحات المجتمعية والحوار الشامل بين جميع المكونات من أجل إنهاء مرارات الصراعات والحروب. 

وأسس مناوي مع آخرين في 2001، تحالفاً مسلحاً في منطقة جبل مرة في دارفور، قبل أن يتحول إلى حركة عسكرية سياسية باسم حركة تحرير السودان في 2003، حيث شغل منصب الأمين العام للحركة قبل أن يتولى رئاستها، بعد انشقاقه عن القائد عبد الواحد محمد نور، لينضم إلى حكومة الرئيس السابق عمر البشير، وتوليه منصب كبير مساعديه، ورئيس السلطة الانتقالية لإقليم دارفور في الفترة من 2006 إلى 2010، بموجب تفضيله الانضمام لاتفاقية السلام التي وقعت في العاصمة النيجيرية أبوجا.

المزيد من تقارير