Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بيتر هاندكه في رحلة البحث عن الصفاء في قلب أوروبا

"في ليلة مظلمة تركتُ منزلي الصامت" رواية تندمج فيها حكايتا الصيدلي والراوي

الروائي بيتر هاندكه (أ ف ب)

تسرد رواية "في ليلة مظلمة تركتُ منزلي الصامت" لبيتر هاندكه (ترجمة معتز المغاوري- دار العربي) رحلة أشبه بواحدة من حكايات "ألف ليلة وليلة"، في غرائبيتها ورمزيتها. هنا كاتب يلتقي صيدلياً في بلدة تاكسهام الواقعة على أطراف مدينة سالزبورغ، ويصر الصيدلي على أن يسرد على الأول تفاصيل تلك الرحلة التي وقعت قبل نحو خمسين عاماً، وعاصرت حروباً أوروبية تركت آثاراً فادحة في النفوس، فضلاً عن آثارها الديموغرافية، ويطلب منه أن يكتبها.

تلك الرحلة أوصلت الصيدلي، الذي كان يعاني قبل خوضها من حياة زوجية رتيبة، إلى "حافة العالم"، علماً أنه فقد في بدايتها قدرته على النطق ثم استعادها في نهايتها، والأهم هو أنها أتاحت له مراجعة أزمته الشخصية وعلاقته بزوجته وابنيهما، وعلاقته بمحيطه الاجتماعي.

ليس ثمة ما يؤكد أن الرحلة حقيقية، فلربما كانت من صنع خيال ذلك الصيدلي المولع بالفطر بمختلف أنواعه، وربما بأبعد من أن ذلك بدأ بحكم عمله في تركيب أدوية من مصادر طبيعية، حتى أنه بات راغباً في تأليف كتاب "مدهش" عن ذلك العالم، بموازاة رغبته في أن ينشر الكاتب قصة حياته وخصوصاً رحلته العجيبة، في كتاب.

من بين محطات تلك الرحلة، مدينة تقع في السهوب التي ترسم حدود إسبانيا في الأرض المنخفضة، أطلق عليها الصيدلي اسم "سرقسطة"... "هل هذا مجرد تطابق أسماء؟ لا، إنها سرقسطة الواقعة على نهر إيبرو في الأراضي المنخفضة".

أسند "الكاتب" الذي هو شخصية في الرواية، السرد لنفسه، لكنه في مواضع عدة كان يفسح مجال السرد للصيدلي ورفيقي رحلته الافتراضية تلك، وأحدهما شاعر، والآخر حائز ميداليات أولمبية في التزلج على الجليد. قال الصيدلي للكاتب، "إذا كنت تريد أن تكتب كتاب مغامرات، عندئذ يمكن أن تكتب عن رحلتي سيراً على الأقدام من الأرض الخالية وصولاً إلى المدن الكبرى" صـ 165. رحلة امتدت أسابيع عدة قطع خلالها الصيدلي ورفيقاه اللذان قابلهما مصادفة، مسافات طويلة سيراً ، وفي ذهن كل منهم سؤال، "هل يمكن أن يجد الشخص النقاء من جديد؟".

استرداد النقاء

فقدان النقاء هنا، سببُه الإخفاق في الحب، ومن ثم فإنه يسبب تشرد الذات التي ما تلبث أن تسعى لجمع شتاتها واستعادة انتمائها إلى ما هو جدير حقاً بأن تنتمي إليه. يقول الصيدلي للكاتب في تلك الليلة المظلمة التي سرد خلالها قصته، "لم يكن الفِطر بالتأكيد هو سبب انفصالنا. لا بد أنني جرحتها (يقصد زوجته) بشدة ذات مرة، لا أعرف متى وكيف، لدرجة أنها لم تعد قادرة على الحياة معي، لكنها أيضاً لم تستطع أن تترك المنزل، ويبدو لي أننا لسنا الوحيدين اللذين نعيش على هذه الشاكلة".

 

كان وقته مخصصاً للصيدلية، التي ورثها عن أبيه، وحين يعود إلى البيت كان ينزل إلى قبوه لينهمك في قراءة القصيدة الملحمية "إيفان، فارس الأسد"، ومن ثم انهار الحب الذي كان يجمعه بزوجته، واختارت الابنة مساراً مستقلاً، وكأنها غير معنية بذلك الانهيار، وفعل الابن الأمر ذاته، إذ قرر ترك البلدة ليذهب إلى مكان لا يعرفه أحد.

ولكن ما الذي فعله الصيدلي بعد عودته من تلك الرحلة، نزل إلى القبو ليواصل قراءة "إيفان، فارس الأسد". لكن ذلك لا يعني أبداً أن شيئاً لم يتغير، حتى ولو أنه لم يتمكن من لم شمل أسرته مجدداً، أو حتى على الرغم من مصارحته "الكاتب" بالتالي، "لقد أقسمتُ ذات مرة في تلك الأثناء أنني حين أعود إلى منزلي سأكون شخصاً مختلفاً، لكن الشيء الوحيد الذي يبدو أنه تغير فيَّ، هو أن قدمي صارتا أكبر من ذي قبل، وكان علي أن أشتري حذاءً جديداً"!

 تمجيد الحب والمغامرة

ويلاحظ هنا أن الملحمة الشعرية "إيفان، فارس الأسد"، هي عن تمجيد الحب والمغامرة، كتبها كريتيان دي تروا Chrétien de Troyes، وهو أول روائي فرنسي كبير أسهم في إطلاق صفة "رواية" Romance على أعمال مكتوبة، في وقت لم يكن هذا المصطلح مستخدماً إلا على صعيد الأدب الشعبي. وهنا تنبغي ملاحظة مغزى نصيحة الصيدلي لـ"الكاتب" بعدما حكى له قصته، "أكتب فقط قصص الحب. قصص الحب والمغامرات ولا شيء سواهما" صـ 192.  

ويمكن كذلك أن نلاحظ أصداء من سيرة هاندكه الذاتية في رواية "في ليلة مظلمة تركتُ منزلي الصامت"، فقبل فرض الحصار على برلين في 24 يونيو (حزيران) 1948، غادرها مع أسرته، باتجاه غريفن، ثم نجحوا في عبور الحدود إلى النمسا بطريقة غير شرعية لفقدهم جوازات السفر، وكانت تلك "المغامرة" بالنسبة إلى بيتر هاندكه أول تجربة مؤثرة من تجارب طفولته، علماً أنه كتب موضوع إنشاء في المدرسة في عام 1957، يصف فيه وقائع العودة بالتفصيل. فضلاً عن تجربة انفصاله عن زوجته بعدما انتقلا إلى بيت في منطقة نائية في فرنسا في عام 1970، ذلك الانفصال الذي جرى إعلانه رسمياً في فيينا في عام 1994، وبعده بعامين كتب تلك الرواية، التي تتشابه كذلك في أجوائها مع روايته "دون جوان يتحدث عن نفسه"، وهي عن المغامر الأشهر في العلاقات النسائية، وإن كانت تطرح تصوراً مغايراً عن الصورة الذهنية الراسخة له باعتباره مثالاً لعدم الوفاء في الحب.    

المنزل المشار إليه في عنوان الرواية يقع في مدينة تاكسهام الواقعة بالقرب من مدينة سالزبورغ، يعيش فيه صيدلي وزوجته توقفا عن التواصل منذ نحو ما يزيد على عشر سنوات، وبات لكل منهما نطاق محدد داخل المنزل نفسه يخصه وحده.

ومن ثم بات الصمت السمة الغالبة على هذا المنزل. يقول "الكاتب"، "هذه القصة لها علاقة بمنطقة تاكسهام، وربما تكون لها علاقة بسيطة أو ربما ليس لها علاقة بصيدلي أو بشخص يعيش هناك". و"الكاتب" هنا هو واحد من شخصيات الرواية، التقى مصادفة الصيدلي الذي طلب منه أن يكتب قصته. الصيدلي نفسه يرغب في أن تتاح له فرصة وضع كتاب عن الفِطر الذي بات خبيراً في أنواعه، بعدما أدمن تناوله بغض النظر عما قد يسببه بعضه من أضرار صحية.

أزمة مركبة

الأزمة مركبة، فالمدينة التي يعيش فيها الصيدلي تبدو وكأنها ثكنة عسكرية، على الرغم من أنها تقع في سهل نهر كبير وعلى أعتاب مدينة كبيرة (سالزبورغ). ينتمي الصيدلي إلى أسرة كانت تدير مصنعاً للأدوية في الشرق في عصر إمبراطورية هابسبورغ، ثم جمهورية تشيكوسلوفاكيا، ثم تحت الاحتلال الألماني. القصة وقعت قبل خمسين عاماً. الصيدلية التي أسسها شقيق الصيدلي الأكبر كانت أول مؤسسة تجارية في تاكسهام بعد الحرب، أو أول مؤسسة عامة مفتوحة للجمهور قبل المدرسة والكنيستين وكذلك قبل أي محل. لم يوجد كذلك مخبز قبلها. كانت تحمل اسم "النسر". أحداث القصة بدأت في فصل الصيف. أعلن مُنجِم أن حرباً ستنشب لثلاثة أيام في غرب تاكسهام قبل نهاية ذلك الصيف، وستكون عواقبها لا نهائية. الصيدلي منفصل عن زوجته لكنهما يعيشان في منزل واحد... "لا مشكلات بيننا. حياتنا سلمية تماماً. هذا النظام نشأ دون تدخل من كلينا، ولا نلاحظه أيضاً على أقصى تقدير حين نستطيع أن نتشارك معاً في نوع من الانسجام لم نعرفه مسبقاً، ونعيش للحظات أشياء مشتركة بشكل مؤقت" صـ 18، 19.

قالت زوجته، "نعم، بشكل مؤقت. بين الباب ومفصلته، بين النافذة وكرسي الحديقة، بين الشجرة وفتحة القبو". دائماً يتشاركان الصمت. كما يتشاركان الإنصات لحديث الجيران، أو للناس الذين يسيرون خلف السور، وفوق جسر النهر". كانت للصيدلي عشيقة، وكان يرغم زوجته على أكل الفطر ذي اللون الأزرق الذي يشبه مذاقه لحم البشر، بحسب ما عرفه "الكاتب" من الصيدلي نفسه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"الكاتب"، يحكي عن لقاءاته مع الصيدلي بغرض جمع مادة مناسبة لكتابة قصته. ثم يترك المهمة في بعض مواضع السرد لراو عليم. في أحد تلك اللقاءات قال الكاتب للصيدلي، "أخبرني بالمزيد"، فرد عليه، "لا، أنت بصفتك الكاتب لا ينبغي أن تتحكم في قصتي، حتى أنا كذلك لستُ المتحكم في قصتي" صـ 52. وفي موضع آخر يقول الكاتب، "سيكون كتاباً لا مثيل له. ربما لن يكون محل اهتمام، أو لن يكون من السهل استيعابه، لكنه كتاب، على أية حال"، يقوم على اشتراك رفاق الرحلة "في الوعي بمغامرة خطيرة غير محددة، يخاطرون فيها بالكثير، بل بكل شيء. مغامرة على الحدود نحو المسموح، وغير القانوني، والأعمال الإجرامية كذلك" صـ 75.

ومن محصلة الرحلة يدرك الصيدلي أن "الحب دون خوف وقلق هو نار مشتعلة دون دفء"، وأن "ولعي بالفطر (ربما يرمز إلى عشيقته) جعل زوجتي تبتعد عني"، أما ابنه فقد قال له، "أنت لم تلفظني يا أبي، أنا الذي هربت منك، لقد تركتك إلى الأبد وأنت كنت تريد ذلك". أراد الأب أن يرد، "لقد حملتُ على عاتقي ذنباً كبيراً لا يمكن التكفير عنه. لكنه لم يتفوه بكلمة"، ثم قال له ظل امرأة، "إن عدم الكلام يبطل ذاكرتك ويدمرها، ومن ثم سيكون بحثك عن شيء في العالم عبثياً"، ومن ثم حرص على أن يستعيد قدرته على الكلام، كما حرص على أن يحكي قصته لـ "الكاتب"، لتظهر في الأخير تلك الرواية، المحملة بشاعرية اللغة ورمزيتها.       

المزيد من ثقافة