Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الاستشارة الفلسفية" قد تنجح في معالجة الاضطرابات النفسية

يركز الكتاب على هموم الإنسان الخاضع للعلاج وفتح حوار بينه وبين الفيلسوف

رسمة غرافيكية تمثل جلسة تحليل نفساني (موقع ويسن بلانيت)

عندما يمرض عضو من الجسد نذهب إلى طبيب متخصص في الكبد أو العظام أو الأسنان. فماذا عن عطب الروح؟ ما الذي يداويها؟ هناك من يلجأ إلى الصلاة واليوغا والعلاج النفسي والتأمل والموسيقى ... لكن، هل ثمة علاج فلسفي للروح؟ هل هناك مهنة اسمها "معالج فلسفي"؟ هذا هو موضوع كتاب ضخم يقع في نحو خمسمئة صفحة، بعنوان "الاستشارات الفلسفية: النظرية والتطبيق" (دار رؤية) من تأليف بيتر ب. رابه، ونقله إلى العربية وزوده بالشروح والتعليقات عادل مصطفى، وهو أكاديمي مصري وصاحب مشروع مميز في الدراسات الفلسفية.

لعل المدخل السحري للكتاب الذي أهداه مترجمه إلى المفكر السعودي إبراهيم البليهي، يتمثل في تصديره بمقولة أبيقور، "فارغة هي حجة الفيلسوف التي لا تخفف أي شقاء بشري". مقولة تضاد التصور الكلاسيكي عن الفلسفة باعتباره مجالاً مغلقاً على صفوة العقول، يشتغل بها الجالسون في الأبراج العاجية، دون أن يعرفوا شيئاً عن هموم الناس والحياة.

الفلسفة عند معظم الناس هي "رطانة لغوية" لا تعني شيئاً ما لم تؤثر عليهم بصفة شخصية، ونشأ هذا التوجه منذ ثمانينيات القرن الماضي من خلال ما يُسمى "الممارسة الفلسفية"، ثم تطور إلى "الاستشارة الفلسفية" ومحاولة التفريق بينها وبين "الاستشارة النفسية".

إن المستشار الفلسفي يحترم هموم الإنسان بعيداً من الرطانة الأكاديمية، ويساعده لفهم نفسه وتصوراته عن الحياة، ومن ثم يُحارب على ثلاث جبهات، الأولى ضد المعالجين النفسيين الذين يقحمون على عملائهم منظومة تشخيصية وعلاجية صلبة، ويقعون في مزالق منها تواصل المريض اللاشعوري بالمعالج، والإيحاء شبه التنويمي، والطرح المضاد، والمقاومة. الجبهة الثانية، ضد من يطبقون الاسترشاد الفلسفي كاستشاريين أخلاقيين، والثالثة، ضد الأكاديميين الذين يعتمدون معايير تكتيكية ضيقة.

جذور قديمة

يعود العلاج بالفلسفة إلى سقراط في القرن الخامس قبل الميلاد، ويرى المؤرخ الفرنسي بيار هادو في كتابه "الفلسفة طريقة حياة" الذي ترجمه أيضاً عادل مصطفى، إلى أن الهدف هو إحداث "تحول عميق في طريقة الفرد في الرؤية وفي الوجود". فالمدارس الفلسفية القديمة مثل الأبيقوريين والرواقيين لم تنظر إلى الفلسفة على أنها مجرد تدريس لنظرية مجردة وتفسير لنصوص، بل على أنها "فن العيش" بحكمة وجودة. وكانوا يرون أن المعرفة لا تُطلب لذاتها، بل كقيمة أداتية من أجل شيء أسمى مثل الفضيلة والسعادة في الحياة اليومية.

أما التوظيف الحديث لها فيشمل مجالات الاستشارة الزوجية والأسرية، وفقدان عزيز، والمشورة الأكاديمية والإدارية واختيار المهنة، والمشكلات الدينية والروحية، ومشكلات الهوية وتنمية اعتبار الذات، ومشاعر الذنب والغضب والاكتئاب والإحساس بالعار. فعادة يذهب الناس للاستشارات من أجل أن يحسنوا أنفسهم، ويعيشوا حياة أعمق وأفعم بالمعنى والدلالة، بدلاً من الاستسلام لإحساسهم بأن شيئاً ما أعلى قيمة ينقصهم.

التعريف والوظيفة

لا ينتهي الجدل بشأن تعريف الاستشارة الفلسفية ومنهجها وأدواتها، فالبعض يرى أنها "العناية الفلسفية بالنفس"، وهناك من يرى أنها "معنية بالنمو الشخصي"، وأنها "نقاش فلسفي" حول أي شيء يود الإنسان المعالَج مناقشته، وتحليل "رؤيته للعالم". وثمة من يعتبرها "علاجاً" ومن لا يراها كذلك.

بصفة عامة للاستشارة جانبان أساسيان هما، "التمركز حول الإنسان الخاضع للعلاج"، همومه وآماله ورؤاه، و"الطبيعة الحوارية" مع المستشار الفلسفي، دون أن يعني ذلك أن يلعب دور الخبير والأكاديمي الذي يفرض وصاية بل هو يساعد (بمنطق الرعاية) على تنمية قدرات العميل ويشجعه على أن يفكر ويتحدث، فمهمة المستشار الأولى هي الإصغاء للإنسان المعالَج وتفهم ما يود قوله. ثم كشف تضارب الآراء وتناقضات المشكلة، والسعي لاكتشاف وجهات نظر بديلة.

وثمة من يلخص دور المستشار في، إدراك وعلاج المشكلات، وكل ما يعيق التفكير والفعل العقلانيين، وتنمية حد أدنى من مهارات التواصل، وتنمية التفكير النقدي والأخلاقي، وتعليم إدارة الانفعالات وتعديلها والتعبير عنها، وتنمية هوية شخصية وحس بالنفس آمن وواقعي.

أسلوب العلاج

ترى كاثرين ماكول أن الفلسفة الأكاديمية يوجد لها مناهج أما الاستشارة فهي "فن محادثة المرضى" لا يجب أن تُحصر بمنهج، نظراً لفرادة كل عميل، وفرادة كل موقف. مع ذلك تعتمد الاستثارة على إجراءات وتقنيات أهمها "الحوار" بين المستشار والعميل، لكي يستقي منه الأعراض التي تقوده إلى تشخيص سليم. ويأخذ الحوار عدة أشكال منها المقاربة السقراطية التي لا توجه العميل، بل تساعده أن يكتسب "موقفاً انعكاسياً تأملياً". وكذلك تقنية "تأويل العالم" التي تكسب العميل رؤية وفلسفة في الحياة، إضافة إلى تقنيات أخرى موجهة إلى شخصية المريض نفسه، أو موجهة إلى المشكلة، للوصول إلى التوازن المفقود.

ولا يعني عدم الالتزام بمنهج غيابه كلياً، فهناك من المستشارين من يمزج بين التوليد الفلسفي والتحليل النفسي، ومن يعتمد على الفلسفة الإكلينيكية، والعلاج الوجودي، والمعرفي. وعلى الرغم من أن المستشار الفلسفي لا يمارس سلطة "الخبير" مثل المعالج النفسي، ولا يفترض أن مريضه يقع تحت سيطرة المرض، بل يحفزه كي يصبح فاعلاً نشطاً. لكن المريض ينظر إليه بوصفه "خبيراً"، وقد يركن للاعتماد عليه لأمد طويل، لذلك يجب على المستشار أن يعلمه تلك المهارات التي تساعده على التفكير والاستقلال.

وترى شلوميتشستر، أن مهمة المستشار أن يساعد العميل على أن يتحرر من كل ما هو مسبق التصور، وسيء التصور، وما هو متحيز، وما هو لا شعوري. ويتعلم أن يتساءل ويفكر ويستوعب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بينما تصنف أنيت برنسباكر ست مراحل لعملية الاستشارة الزوجية، الأولى تتضمن الإصغاء وتوجيه أسئلة لتحصيل رؤية أوضح، وتشجيع العميل على أن يروي قصته، والثانية تركز على العميل كي يفهم نفسه أكثر، والثالثة مساعدته كي يكتسب فهماً أفضل عن نفسه وتصوراً عن حياته، ويفصح عن رؤيته للعالم، والرابعة أن يفصح عما يعتبره أطوار حياته، والخامسة نقاش العلاقات بصفة عامة، وفي السادسة نقاش الزوجين عن التوترات والمشكلات في علاقتهما.

عناصر أساسية

تعتمد الاستشارة الفلسفية (كما يبين ذلك الفصل الخامس) على عدة عناصر أساسية أهمها التحقيق الفلسفي في طريقة عيش المرء، وتأويل رؤية العالم، وكذلك توفر الحد الأدنى من الكفاءة للعميل نفسه وقدرته على الفهم والتفكير النقدي، وإقامة علاقة تعاونية مع المستشار، وتطويع الفلسفة الأكاديمية للاستشارة، والتعليم المباشر الذي يطور مهارات الذات والتفكير الإبداعي، وأن تظل أجندة الاستشارة مفتوحة وغير محددة سلفاً أو مرتكزة على منظومة فلسفية واحدة. ويختتم الكتاب فصوله الثلاثة الأخيرة من السابع إلى التاسع، بتقديم دراسات حالة فردية وجماعية، وبخاصة في الأطفال.

إن كتاب "الاستشارات الفلسفية" فريد من نوعه في المكتبة العربية، وهو أقرب إلى "دليل" فكري وعملي، يسهل تحويله إلى برامج تربوية وسلوكية لتلاميذ المدارس منذ المرحلة الابتدائية، كي تشجعهم على التعبير عن أنفسهم، وطرح مشكلاتهم وتحسين مهاراتهم في التفكير النقدي والإبداعي.

ومن الضروري (في الختام) الإشادة بالجهد المعرفي الموازي الذي قدمه المترجم عادل مصطفى في الهوامش، من تعريف وشرح للمصطلحات الكثيرة التي تتقاطع بين مناهج نفسية وفلسفية شتى.

المزيد من ثقافة