Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل الإنسان حر؟ (الجزء الثالث)

المعتزلة كافة قد نصّوا "واتفقوا على أن العبد قادر خالق لأفعاله خيرها وشرها، مستحق على ما يفعله ثواباً وعقاباً في الدار الآخرة"

العقل الذي نحتكم إليه وفق المعتزلة يوجب العدل وينفي القدر (لوحة "الكاتب" للرسام لودفيغ دويتش)

عرضنا في الحلقة الماضية الجهمية ونزعتها الجبرية، إذ إن جهم بن صفوان من أوائل المتكلمين القائلين بنفي الحرية عن الإنسان، مستنداً إلى الآيات القرآنية التي يفيد ظاهرها على الجبر. أما الآيات التي تدل على حرية الاختيار، فيجب تأويلها لأن "لا فاعل إلا الله عز وجل"، والإنسان مجرد ريشة في مهب الريح.

المعتزلة

انبرى من المعتزلة المتأخرين، واصل بن عطاء (80-131 ه/700-748 م)، بالتصدي إلى الجهمية، فالعدل الإلهي يقتضي أن يكون الإنسان مختاراً وليس مجبراً في أفعاله، إذا كان سيثيبه الله عليها في الدار الآخرة، وإلا بطل التكليف. وأيد أقواله بآيات قرآنية تفيد الحرية والاختيار والحركة في أفعال الإنسان. مثل: "كل نفس بما كسبت رهينة". (المدثر: 38). "من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها". (فصلت: 46). "قل الحق من ربكم، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر". (الكهف: 29). "إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً" (الإنسان: 3) وغيرها الكثير. 

إذ بحسب قول واصل، "إن الباري تعالى حكيم عادل لا يجوز أن يضاف إليه شر ولا ظلم، ولا يجوز أن يريد من العباد خلاف ما يأمر ويحتم عليهم شيئاً ثم يجازيهم عليه. فالعبد هو الفاعل للخير والشر، والإيمان والكفر، والطاعة والمعصية. وهو المجازي على فعله، والرب تعالى أقدر على ذلك كله. وأفعال العباد محصورة في الحركات والسكنات والاعتمادات والنظر والعلم". (الملل والنحل، ج 1، ص 47).

ويرى واصل أيضاً، أنه يستحيل أن يخاطب الله الإنسان "بالفعل وهو لا يمكنه أن يفعل ولا هو يحسُّ من نفسه الاقتدار والفعل". ويعد من ينكر ذلك فقد أنكر الضرورة، واستدل بنصوص قرآنية لدعم موقفه، كما فعل جهم بن صفوان.

وفي نص آخر، نقرأ عن مشكلة الحرية عند المعتزلة، إذ "إن الله لا يحب الفساد ولا يخلق أفعال العباد، بل يفعلون ما أُمروا به ونُهوا عنه، بالقدرة التي جعلها الله لهم وركّبها فيهم، وأنه لم يأمر إلا بما أراد ولم ينه إلا عما كره، وأنه ولي كل حسنة أمر بها، بريء من كل سيئة نهى عنها، لم يكلفهم ما لا يطيقونه ولا أراد منهم ما يقدرون عليه، وأن أحداً لا يقدر على قبض ولا بسط إلا بقدرة الله التي أعطاهم إياها، وهو المالك لها من دونهم، يفنيها إذا شاء ويبقيها إذا شاء، ولو شاء لأجبر الخلق على طاعته، ومنعهم اضطراراً عن معصيته ولكان على ذلك قادراً". (مروج الذهب، ج 3، ص 153).

إن تأكيد واصل وبقية المعتزلة على حرية الإنسان، يرتكز على أنه فاعل حر مختار، منحه الله القدرة على العمل وعلى ضده، فيتصرف في هذه القدرة كما يشاء ويوجهها حسبما يريد. فهذا من موجبات العقول وضرورات الإفهام. والعقل الذي نحتكم إليه يوجب العدل وينفي القدر، والعدل هو وضع الشيء في موضعه. إنه التصرف في المُلك على مقتضى المشيئة والعلم، والظلم بضده. هذا ما يقتضيه العقل من الحكمة، وهو إصدار الفعل على وجه الصواب والمصلحة. فما يصدر عن الله فعل واحد، هو صواب ومصلحة وخير، أما غير ذلك فلا يصدر عنه، فلا يُتصور منه جور في الحكم أو ظلم في التصرف.

وهكذا، فالمعتزلة كافة قد نصّوا "واتفقوا على أن العبد قادر خالق لأفعاله خيرها وشرها، مستحق على ما يفعله ثواباً وعقاباً في الدار الآخرة. والرب تعالى منزه أن يضاف إليه شر وظلم، وفعلٌ هو كفر ومعصية، لأنه لو خلق الظلم كان ظالماً، كما لو خلق العدل كان عادلاً". (الملل والنحل، ج 1، ص 45).

ومن بين الأدلة العقلية التي يقدمها المعتزلة في حرية الإنسان، إنه يحسُّ من نفسه وقوع الفعل على حسب الدواعي والصوارف، فإذا أراد الحركة تحرك، وإذا أراد السكون سكن، ومن أنكر ذلك جحد الضرورة. فلولا صلاحية القدرة الحادثة لإيجاد ما أراد صاحبها لما أحسَّ من نفسه ذلك.

أما عن الأدلة النقلية أو السمعية، فمنه "برهان التمانع"، إذ يذهب المعتزلة إلى القول، إن قدرة الله وإرادته لا مدخل لهما في قدرة الإنسان وإرادته، إنه يستحيل اجتماع مؤثرين على أثر واحد في وقت واحد. فالمسؤول عن العمل الإنساني الواحد إما أن يكون الله أو الإنسان، ولا يمكن أن يكون كلاهما مسؤولاً عنه، فكل منهما "مانع" للآخر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فوفق المفهوم المعتزلي، إذا كان الله مسؤولاً عن أفعال العبد، وكان العبد، بالتالي لا فعل له، فقد بطل التكليف، لأن التكليف معناه، افعل أو لا تفعل، فإذا كان العبد غير قادر على الفعل أصلاً، كان التكليف سفهاً من المكلَّف، ومع كونه سفهاً يكون متناقضاً، تقديره "أفعل يا من لا يفعل". كما أن التكليف طلب، والطلب يستدعي مطلوباً يمكن تحقيقه من قِبل المطلوب منه. فإذا لم يُتصور من هذا الأخير فعل فقد بطل الطلب، وكذلك الوعد والوعيد مقرون بالتكليف، والجزاء مقدر على الفعل والترك. فلو لم يحصل من العبد فعل ولم يُتصور ذلك، بطل الوعد والوعيد وبطل الثواب والعقاب.

ومن هنا، يكون التقدير "افعل وأنت لا تفعل، ثم إن فعلت (ولن تفعل) ترتب الثواب والعقاب على ما لم تفعل"، وهذا خروج عن قضايا الحس فضلاً عن قضايا المعقول، حتى لا يبقى فرق بين خطاب الإنسان العاقل وبين الجماد، ولا فصل بين أمر التسخير والتعجيز وبين أمر التكليف والطلب. (نهاية الإقدام، ص 84).

فإذا كانت أفعال العباد من صنع الله، فكيف يحاسبهم عليها يوم القيامة؟ ألا يكون الله قد أثابهم أو عاقبهم على أفعال هو فاعلها. وكانوا هم لا صنع لهم فيها ولا تقدير؟ ولكي يصح التكليف ويجب الحساب فيثاب المحسن على إحسانه، ويجازي المسيء على إساءته، ينبغي أن تكون للإنسان قدرة على أفعاله. فلو لم يكن قادراً على الفعل والترك ما صح عقلاً أن يقال له افعل أو لا تفعل، ولما كان هناك محل للمدح والذم والثواب والعقاب، ولكان كفر الكافر وعصيان العاصي طاعة يستحق عليها صاحبها المثوبة. ولو كان الله هو الذي خلق أفعال العباد، لكان كمن لا يرضى عما فعل، ويغضب مما خلق ويكره ما دبر، وهذا لا يقبله عقل.

وعن حرية الإنسان في التكليف الشرعي، فتذهب المعتزلة عبر هذه التساؤلات، أليس المتعارف منا والمعهود بيننا مخاطبة بعضنا بعضاً بالأمر والنهي، وإحالة الخير والشر على المختار، وطلب الفعل الحسن منه وتحذيره عن الفعل القبيح، ثم ترتيب الجزاء والعقاب على ذلك؟ ومن أنكر هذا فقد خرج عن حد العقل خروج عناد. وما معنى إرسال الرُسُل إذا كان الله هو الذي يخلق أفعال العباد؟ ما الحكمة في دعوة من ختم الله على قلبه وقضى من الأزل أنه لا يستجيب له؟ أليس في إثبات القدر تجويراً لله تعالى؟ ألا يكون ظالماً من يجبر غيره على معصية ثم يعذبه عليها؟ ألا يكون جائراً من يعين فاعلاً على فعل الظلم ثم يعاقبه عليه؟

منتهى القول عند متكلميْ الاعتزال في مسألة الحرية الإنسانية، إنهم ينفون القدر لكي ينفوا عن الله كل السلبيات من شر وظلم وقبح... إلخ. ويقرون بأن للإنسان القدرة والإرادة والاستطاعة، لكي يثبتوا العدل الإلهي، وهو الأصل الثاني من أصولهم الخمسة: التوحيد، العدل، المنزلة بين المنزلتين، الوعد والوعيد، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فاقتضاء العدل الإلهي للأشياء على سبيل الحكمة، والحكمة أن يخلو خلق الله من الشرور والفساد. وبما أن العالم فيه قبح وشرور وفساد فإن تفسير ذلك، بأن الله لم يخلق أفعال العباد بل العباد قادرون خالقون لأفعالهم خيرها وشرها، مستحقون على ما يفعلون ثواباً أو عقاباً.

المزيد من آراء