Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الشبح" والإنسان في مذكرات الأمير هاري

ظاهرة الكاتب المختبئ خلف الكواليس تعود إلى حقبة الستينيات عندما ظهرت السير الذاتية لنجوم هوليوود

الأمير هاري يقول إنه عازم على تربية أولاده على "كسر حلقة الألم" الذي عاناه في نشأته (رويترز)

ما زال الناس في جميع أنحاء العالم يتابعون أخبار الأمير والأميرة، ليس أمراء بعينهم تحديداً، بل أي شخص منهم حصل على شهرة كبيرة وباتت أخباره متداولة في كل أنواع وسائل الإعلام. والناس يرغبون في معرفة تفاصيل الحياة الخاصة للمشاهير والنجوم ورواد الأعمال والمجتمع، الذين تطاردهم كاميرات المصورين وتعليقات الصحافيين والإعلام، وهذا يبدو واضحاً من المقالات أو التقارير أو الفيديوهات الأكثر قراءة أو مشاهدة عبر وسائل الإعلام، والتي غالباً تتناول سراً من أسرار أحد المشاهير أو نبأً عن طلاقه أو زواجه أو إقدامه على الانتحار أو ارتكابه خطأً ما أمام الملأ.

من ديانا إلى هاري... وراثة الشهرة

من هؤلاء المشاهير الأكثر متابعة وشهرة، العائلة الملكية البريطانية، من الملكة الجدة إليزابيث، إلى أصغر حفيد من أحفادها. وكانت الأميرة ديانا زوجة الأمير تشارلز ولي عهد التاج البريطاني قد حصلت على شهرة كبيرة منذ دخولها إلى قصر باكينغهام، وكان ذلك قبل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي. وشهرتها تعود إلى جمالها وأناقتها، وثم إلى أعمال الخير التي قامت بها، والتي جعلتها تبدو كأميرة من زمن قديم في صورها التي التقطت لها إلى جانب الأطفال في مناطق الفقر والجوع والحروب والنزوح والمخيمات. أما السبب الأهم في شهرتها فهو تعبيرها عن امتعاضها ورفضها البروتوكولات الكثيرة التي يجب أن تتقيّد بها كأميرة وزوجة لولي العهد في بريطانيا. ثم جاء موتها المفاجئ في حادثة سيارة في باريس عام 1997، ليحوّلها إلى أيقونة لدى كثيرين، وإلى مصدر ألم وحزن لولديها ويليام وهاري.

ورث الأمير هاري عن أمه حس الرفض للقواعد المفروضة عليه منذ شبابه، وكان لحزنه الدائم لفقدان والدته دوره أيضاً في تحويله إلى شخص انطوائي وحزين، حتى أنه اعترف بأنه كان يتناول الكثير من الكحول والمهدئات في مرحلة من عمره هرباً من آلامه. وفي كلامه عن تلك الفترة يقول هاري "لقد كنت منهاراً نفسياً. في كل مرة كنت أهمّ فيها بارتداء البذلة وربطة العنق للقيام بمهامي ومواجهة الحياة، كنت أنظر في المرآة وأقول لنفسي فلنبدأ. ولكن ما إن أخرج من المنزل حتى أتصبب عرقاً".

جاء زواجه من ميغان ماركل، ليحوّل معظم الأضواء الموجهة إلى العائلة الملكية نحوه وزوجته وابنهما ومن ثم ابنتهما، بسبب تصريحاتهما المتتالية حول رغبتهما بالاستقلال عن العائلة الملكية والعيش حياة عادية كأي زوجين بلا ضغوط القواعد الاجتماعية والانضباط المطلوب في القصر الملكي وفي المجتمع الذي ترعرع فيه. وهكذا سافرا إلى الولايات المتحدة الأميركية ليبدآ حياة جديدة، بعدما أعلنا عن تخليهما عن مهامهما الملكية وتوقيعهما تعهداً أمام الملكة بعدم تمثيل العائلة الملكية بأي طريقة من الطرق. 

شبح الشهرة المسيطر

على الرغم من خسارتهما مالياً ومعنوياً من القصر فإن استقلال هاري وميغان عن القصر الملكي لم يكن ليمر مرور الكرام بالنسبة إلى شخص صار تحت الأضواء منذ ولادته وفي مراحل مختلفة من حياته. فالاستقلال عن العائلة الملكية ليس قراراً عادياً وبسيطاً، بخاصة أنه ناجم عن اعتراض أو ما يشبه الهرب من القصر، لذا ترك صدى كبيراً في المجتمع الإنجليزي المتابع، الذي انقسم بين مؤيد لهذه الخطوة ومعارض لها، فهذا النوع من الأحداث أو القرارات يؤثر في صورة الملكة والعائلة الملكية التي يريدها البريطانيون نقية وواضحة وسامية بلا شوائب تشوبها، كمن لا يريد تخريب نهايات قصص الأمراء والأميرات قبل نوم الأطفال. 

مؤخراً جاءت مقابلة الزوجين هاري وميغان مع أوبرا وينفري في برنامجها الذي يحمل عنوان "أنا كما لا يمكنك أن تعرفني"، وهو برنامج يسمح للمشاهير بالتحدث عن مشاكلهم النفسية ومشاعرهم الخاصة بانفتاح وبلا تردد. وهذا ما فعله الزوجان اللذان لم يترددا بالتعبير عن رأيهما بالملكة وبالحياة مع العائلة الملكية وداخل القصور بطريقة لم تخلُ من البوح المباشر وبلا حواجز. فأثارت هذه المقابلة مشكلات كثيرة داخل العائلة الملكية، وتصريحات متبادلة نافية أو موافقة لكلام الأمير هاري وزوجته، وتدخلت وسائل الإعلام البريطانية والعالمية في الأمر أيضاً. فعاد الأمير الشاب إلى واجهة المتابعات والتعليقات في جميع أنحاء العالم.

بعد هذه الضجة الكبيرة المثارة منذ سفر الأمير هاري وزوجته إلى الولايات المتحدة، كان لا بد من استكمالها بخبر يتوّجها، أي رغبة الأمير هاري بنشر كتاب مذكراته، الذي سيصدر في عام 2022 عن دار "بينغوين راندوم هاوس" الأميركية، والتي تتوقع أن يباع من هذا الكتاب ملايين النسخ حول العالم، بسبب الدعاية الكبيرة التي تلقاها قبل الانتهاء من كتابته.

هاري و"الكاتب الشبح"

كتاب الأمير هاري حول ذكرياته العائلية سيصدر العام المقبل بحسب دار النشر الأميركي، لكن هل سيكتب هاري مذكراته بنفسه؟ هذا ما لن نعرفه إلا بعد صدور الكتاب أو قد لا نعرفه أبداً إذا بقي اسم الكاتب الحقيقي طي الكتمان بحسب الاتفاق مع صاحب السيرة ومع الناشر. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هذا النوع من الأدباء يطلق عليهم اسم "الكاتب الشبح"، والمعنى واضح في العبارة، أي أن صاحب السيرة من المشاهير قد لا يملك الموهبة الأدبية لنقل أفكاره ومشاعره وتطلعاته بواسطة الكلمات المكتوبة، ما يضطره إلى الاستعانة بكاتب حقيقي ولامع يكون مختبئاً خلف الكواليس، ويسحب من صاحب السيرة المعلومات والأفكار والتفاصيل التي يحتاج إليها ثم يصوغها. وهذا النوع من الكتابة أصعب بكثير من أن يكتب "الكاتب الشبح" مباشرة عن الشخصية المفترضة، لأن ذلك يترك له حرية الخيار والقرار وتحديد الحبكة وأبطال الرواية وأدوارهم ونهايتها، بينما في حالة الكتابة بدلاً من شخص آخر، فإن الكاتب يتلبّس شخصية المكتوب عنه ويضع نفسه في مكانه في كل شاردة وواردة، ثم يخضع كل مقطع مكتوب لمراجعة صاحب القصة ليُعدل عليها. 
هنا يصح تعريف الأديبة غالية قباني في مقالتها عن "الكاتب الشبح" حين كتبت "إنها مهنة يختبئ خلفها الكتَّاب الفعليون وتبرز أسماء نجوم المجتمع، الذين، وبمجرد أن يصدر الكتاب، تتصدر صورهم واجهات المكتبات ويصبحون محل أنظار الصحافة والقرَّاء، بينما يبقى (الأشباح) في العتمة، مكتفين بأجورهم التي لا تصل بأي حال إلى الأرقام الخيالية التي يحصل عليها النجم صاحب الكتاب". 

تساءل أحد هؤلاء الكتاب الأشباح تحت اسم مستعار في صحيفة بريطانية، إن كان يمكن تخيّل صدور عشرات كتب السير الذاتية لولاه هو وصحبه، "إنها الكتب التي تتحدث عن نجوم عالم الرياضة والأزياء والإعلام والسينما والسياسة، بل وحتى عن مشاهير برامج الواقع التلفزيونية الذين يقفزون خلال أيام قليلة إلى الأضواء، ويتصدَّرون صفحات الصحف الشعبية. من يصدِّق مثلاً أن لاعب المنتخب الإنجليزي الشهير واين روني قادر على صف الكلمات المنمقة للتعبير عن أفكاره وتفاصيل حياته، أو أن نجمة فرقة سبايس غيرلز فيكتوريا بيكهام، تملك من البراعة اللغوية ما يؤهلها لتأليف كتاب يبيع ملايين النسخ؟".

وبحسب الكاتبة قباني فإن ظاهرة الكاتب الشبح تعود إلى حقبة الستينيات عندما ظهرت السير الذاتية لنجوم هوليوود. وفي السبعينيات سئل الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان عن كتاب مذكراته الذي نشر باسمه، فقال "سمعت أنه كتاب رائع، وعليَّ أن أجد الوقت الكافي هذه الأيام لقراءته". أما الرئيس الأميركي جون كيندي، فإنه ظل حتى اغتياله يصر على أنه مؤلف كتاب "شخصيات شجاعة"، الذي حاز جائزة بوليتزر للآداب عام 1957 في فئة كتب السيرة الذاتية.

الأمير هاري لن يختلف عن سابقيه من المشاهير الذين كتبوا سيرتهم الذاتية بواسطة كاتب شبح. ولكنه سينال شهرة كبيرة لن يحصلّها "الشبح" إلا في حال أعلن عن اسمه، أو لم يكن لدى الأمير مشكلة في الإعلان عن الاسم. ولكن وبطبيعة الحال فإن كتاباً سيبيع ملايين النسخ وينتظره منذ اليوم مئات ملايين البشر حول العالم ليعرفوا ما الذي سيرد فيه، وما الأسرار الخاصة التي سيخرجها الأمير هاري إلى العلن، وهي أسرار لن تتعلق به شخصياً فقط، بل وبكل فرد من أفراد العائلة الملكية البريطانية، ومن بينهما الشخصيتان الشهيرتان جدته الملكة إليزابيث وأمه الأميرة ديانا، وهذا ما يضفي على الكتاب أهمية أكبر وتحرقاً وشوقاً لصدوره من قبل منتظريه.

ما مذكرات الأمير هاري؟

وصفت الدار كتاب المذكرات المنتظر بأنه مجموعة من المواقف "الحميمة والصادقة التي يتشارك فيها الأمير هاري لأول مرة، السرد النهائي للتجارب والمغامرات والخسائر ودروس الحياة التي ساعدت في تكوين شخصيته، وهي ستغطي حياته في دائرة الضوء، من الطفولة إلى اليوم، بما في ذلك انخراطه في السلك العسكري الذي قاده مرتين إلى الخطوط الأمامية في أفغانستان، وأفراحه كزوج وأب". 

وبحسب الدار فإن المذكرات ستنشر في جميع أنحاء العالم وسيذهب ريعها لصالح الأعمال الخيرية، وهذه الجملة الأخيرة وحدها بمثابة الوصفة السحرية لترويج الكتاب ولمنح الأمير الشاب شهرة أكبر مما لديه. فالأعمال الخيرية التي يقدم عليها الأثرياء هي نقطة ضعف القراء والمتابعين والمهووسين بهم. 

أما الأمير هاري فقد قال عن كتابه في آخر بيان صدر عن دار النشر، "لقد اعتمرت قبعات كثيرة على مر السنين، بالمعنى الحقيقي والمجازي، وآمل أنه من خلال سرد قصتي عن التقلبات والأخطاء والدروس التي تعلمتها، سأتمكن من المساعدة في إظهار أن لدينا جميعاً قواسم مشتركة أكثر مما نظن، أياً كانت أصولنا. وسأكتب مذكراتي ليس بصفتي أميراً منذ ولادتي، بل بصفتي الرجل الذي أصبحت عليه الآن".

وعلى الرغم من الشهرة الكبيرة والأموال التي سيحققها هاري من كتابة مذكراته، فإن الأمر يتعداهما إلى مسار حياته نفسها وعلاقته بأهله في العائلة الملكية البريطانية، وكذلك سيكون له أثره في علاقته الزوجية على المدى الطويل. وحول هذه النقطة اعتبر المؤلف الملكي دنكان لاركومب في مقابلة مع مجلة "كلوسر" أن هاري قد "ضحّى تماماً بعلاقاته مع عائلته من أجل حياته الجديدة مع ميغان، ويبدو أن الأمور قد تمّت على طريقتها ومع وضع احتياجاتها أولاً. أعتقد أنه سيتعين على هاري وميغان تقديم تنازلات لتسوية الخلافات مع العائلة الملكية وحتى لإنقاذ زواجهما، لأنه ستكون هناك نقطة سيتمزق فيها هاري بين عالم ميغان وعائلته".

ولكن دوق ساسكس له رأي آخر بالموضوع، إذ صرّح في الأسبوع الماضي عبر بودكاست، أنه عازم على تربية أولاده على "كسر حلقة الألم" الذي عاناه في نشأته، والكشف عن تجربته من أجل أن يستفيد الغير.

المزيد من منوعات