"أشباح" عابد إسماعيل جدارية شعرية ...على اطلال الخراب

وصفها ادونيس بـ "غورنيكا الشعر العربي اليوم"

غلاف الكتاب مستوحى من لوحة بيكاسو "غورنيكا" (اندبندنت عربية)

في تصديره لديوانه الجديد «أشباح منتصف النهار» الصادر عن دار التكوين- يستعير الشاعر السوري عابد إسماعيل عبارة من جاك دريدا تقول: «المستقبل للأشباح» ثمَّ يوضِّحُ في الاستهلال بأن عنوان كتابه يحيل أصلاً إلى مفارقة مقصودة مع عنوان سلمان رشدي «أطفال منتصف الليل» واصفاً كتابته بأنها «شذرات فحسب، ومضات حائرة بين الشعر والنثر أوحت به الحرب التي تعصف بالسوريين» والكتاب مؤلفٌ من 131 مقطوعة مكتوبة بالشكل النثري ذي السطور المتصلة بما يوحي بأنها كناية عن يوميات منفصلة، وهي زاخرة بهوامش تحيل إلى أبيات من الشعر العربي وعبارات ومقتبسات من أعمال أدبية غربية ومن الشعر العالمي، ومن النصوص الدينية والأسطورية والتاريخية، بينما ألحقتْ بالديوان عبارة لأدونيس تلخِّصُ وصفاً للعمل بأنه «غورينيكا الشعر العربي اليوم» وهي لوحة غلاف الكتاب.

هذا التوصيف للتصميم الأساسي لكتاب عابد إسماعيل الشعري وهو السادس في مسيرته الشعرية، إضافة إلى العديد من الترجمات الجادة، له أهمية محدَّدة في قراءتي لهذا العمل. فإذا كان العنوان وحده ينطوي على إحالتين، فمن الواضح أن الشاعر يقترح مسبقاً على القارئ، وبالأحرى يحتَّم عليه من خلال هذا التصميم قراءة كتابه من خلال مفهوم «التناص»، لكن ما ينبغي الإشارة له هنا ان ثمة مستويين للتناص في هذا العمل الأول: تناص مقصود ومعلن، أما الثاني فهو تناص مضمر وخفي. الأول يلزم القارئ ويحيله مباشرةً عبر تلك الهوامش المدوَّنة من قبل الكاتب والتي قاربت المائتي هامش، وبالتالي فهو أفقي يتشكَّل من ذاكرة الكاتب ووعيه، ويبث في النص ويشار إليه بوضوح، أما الثاني فهو يقترح ويلمح من خلال التزامن النصي والتشعب الخفي، فهو عمودي عِمادُهُ وعي القارئ ومخزونه المعرفي لإيجاد علاقة بين مجمل العمل أو تفاصيله، وبين عمل فني آخر، لم يشأ الكاتب الإحالة له مباشرة أو الإشارة له بوضوح، وهنا تكمن أهمية القراءة في عدم انصياعه القسري للتناص الكمي الأفقي المقصود من قبل الكاتب، والذي ربما عَمدَ له بقصد التضليل الفني عن التناص الخفيِّ، وهنا لا أودُّ أن ألمح إلى أي نوع من الانتحال، ولا إلى قتل النصّ السابق في النصّ اللاحق، فالعمل لا يعتمد على تداخل نصِّي مجرد، بل ينزع إلى تكييف لفكرة وبنية كاملة وهو نوع من الإعداد أو التأليف المسبق والذهني للنص، ومن هنا فإنني أشيرُ تحديداً إلى محاكاة تفاعلية ومستلهمة لنصٍّ سابق، وأعني عمل إليوت "الأرض الخراب» أشهر وأكبر عمل شعري في القرن العشرين، مما يظهر تواصل تأثير قصيدة إليوت في شعرنا الراهن بعد تأثيرها الواضح على جيل الريادة في الشعر الحديث: السيَّاب والبيَّاتي وأدونيس وسواهم.

 

قصيدة الأطلال

منذ العبارة الأولى في الكتاب: «أنا الشبحُ، أسكنُ الطابقَ الرابعَ المطلَّ على ثلاثةِ جُنودٍ يُلقِّمونَ بَنادِقَهُمْ ويتسلُّونَ بالأبديَّة» ثمة ما يوحي بأن قصيدة الحرب التي ينوي عابد إسماعيل كتابتها، قصيدة إطلال على مشهدها اليومي كما يطلُّ من سكنه في الطابق الرابع، غير أن الأمر سيؤول إلى شيء آخر إذ سرعان ما يشيح الشاعر ببصره بعيداً عن مثل هذه المشاهد لينزوي في كهفه الذاتي، تاركاً للشبح الذي يسكنه أن يتجوَّل بحذر في المدينة مع الأشباح الآخرين وهم يمشون في أكفانهم في مدينة شبحية هي الأخرى. وليست لها سوى أسمائها المكانية، وهكذا يتحوَّل «الإطلال» على الحياة اليومية من خلال النافذة إلى تأمُّلٍ في «الأطلال» الروحية والنفسية والشبحية للمدينة بأمكنتها وذاكرتها وإرثها. فالمدينة من حوله ليست سوى أرض نفايات، و«خردة» و«مزبلة» لا يمكن البحث فيها عن لُقى الخلود! والكوابيس التي اعتادت زيارة النيام في سباتهم، غدت مشهداً نهارياً في يقظةٍ وهمية، يتجوَّلُ فيه النائمون أنفسهم! حيث تنوب التماثيل عن البشر في البكاء، وتنزفُ الأشجار دماءهم بدلاً أن تثمر.

وعدا عن تماثل مصادره الأساسية مع مصادر إليوت ،في قصيدة كوميديا دانتي، وتحولات أوفيد، ومسرحيات شكسبير، وجويس، بل إليوت نفسه في بقية أعماله، فإن في ثنايا القصيدة الكثير من القرائن والوشائج التي يمكن من خلالها إحالة عمل عابد إسماعيل إلى عمل إليوت على سبيل المقارنة ناهيك عن الوشائج الصريحة التي تربطه بهذا العمل: «لا تضعوا ميِّتاً في القبر، قد يأتي ذئبٌ وينبشُهُ بأنيابهِ، الأفضل أن لا يعلمَ أحدٌ أينَ دفنَّا مَوتانا»، أو: «الموتى نبتوا عشباً على المقابر» و«نيسان أقسى الشهور» يصبح «آذار القاسي» وحشود الموتى والأشباح، والسائرون في نومهم على جسر الرئيس، يذكرنا بحشود الموتى على جسر لندن في قصيدة إليوت. و«التايمز» وبردى كلاهما يملأ مجرييهما الركام والعويل، وضباب لندن ينتقل استعارياً وروحياً الى شوارع دمشق. وبطل «أشباح منتصف النهار» فيه سمات من شخصية مؤلف في الأرض الخراب: انطوائي مذعور في عزلته حيث «لنْ تهدِّئَ مِنْ رَوعي طَرقةُ بابٍ أو رَميةُ نَرد» فيغدو شبحاً حتى لنفسه فهو بلا وجه: «في المرآةِ وجهٌ ليسَ وجهَكَ» أو: «حينَ أنظرُ إليكَ في المرآةِ لا أرى وجهَكَ، أَرَى صُوراً كثيرةً تتناسَخُ وتتعدَّدُ» بل يغدو غريباً حتى عن اسمه وربما ناكراً له: «هذا هو اسمي: حروف أربعة لا تخبر عني»"، "ليست الظلالُ سوى أشباحِنا، مرَّتْ من هُنا، منتصفَ النهار".

وإزاء هذا الذعر المركَّب من عنف المكان وشراسته، يتنقل بين عالمين، حاضر ومنصرم: بين حاضر المدينة وأجواء دانتي في كوميدياه، لكن بلا «مطهر» ولا «فردوس» بل عبر مساحة كاملة من «الجحيم»، وهكذا يدخل جحيم دانتي الذي يبدو له أكثر أمناً من جحيم الحرب، محاوراً شعراء من شتى العصور والثقافات، ومتصفحاً أسفاراً قديمة، فتندلع في قصيدته نيران الحروب الغابرة من جديد، من «طروادة» إلى داحس و«الغبراء» وصولاً إلى عنف «الربيع العربي» حتى تصبح يومياته انشغالاً بمتطلبات الموت لا مشاغل بمعطيات الحياة: شراء كفن، أو حضور جنازة، أو طقوس دفن وتشييع، أو انتظار في ردهات المستشفيات.

لا يمكن أنْ نحظى بشكل واضح للقصيدة في هذا الديوان، فهي انثيالات شعرية وتداعيات سردية مكتوبة بلغة الشعر، وبالصور المتلاحقة، بعدما أطاحت فداحة الموت وما يحيط بها من دمار بالقصيدة، فلم تنج منه بشكلها وبيتها، وسطرها! وحتى الأصوات في تعدُّدها حيث تبدأ بصوت الأنا الشبح ثم تتأرجح بين أصوات شتى مخاطبون وغائبون: أنا، وهو، وأنتَ، وأنتِ، وهُمْ، ونحنُ، والجميع ضمائر مجهولة بلا ملامح تقريباً.

إزاء مشهد العري والانكشاف والاستباحة التامة للإنسان والقيم في زمن الحرب أرتأى شبح عابد إسماعيل أن يتدرَّع أو يتنكَّر بذلك «الشبح المألوف المركَّب» في رباعيات إليوت نفسه، وأن يجوب عوالم الأساطير والتاريخ الموغل بالقدم، وبالمعارف المتعددة، علَّهُ يتحصَّن ضدَّ فناء يحيق به في كل جانب. لكنَّ التاريخ نفسه هو «كابوس أيضاً» وفق عبارة جويس أو هو «عبث وفوضى أخرى» كما رأى إليوت، لذا فحتى هذا الحصن سيبدو هشاً وقابلاً للاختراق فالحرب لا ينجو فيها الشجعان، ولا حتى أولئك الذين أجادوا التحصُّن وأوجدوا لهم قلعة بعيدة في التاريخ، فأحياناً ينجو منها الفرد العادي بمحض من لحظة صدفة عجيبة لا أكثر: «لم أنجُ بسببِ خُوذةٍ أو درِعٍ، وقفتُ لأشعلَ سيجارةً فنجوتُ، انحنيتُ لأربطَ حِذائي فَنجوت!"

المزيد من ثقافة